منذ فترة، طرحت جهات وأجهزة تنتمي الى "فريق السلطة" عنواناً مفاده أن على كل مرشح لرئاسة الجمهورية أن يفرغ شحنة كبيرة من العداء للرئيس رفيق الحريري كي يزيد حظوظه في الوصول الى الرئاسة، وذلك انطلاقاً من مقياس وضعته تلك الجهات والأجهزة وهو أن الرئيس المقبل لا بد أن يكون "صداميّاً" حيال الحريري.
وبصرف النظر عن مدلولات هذا الطرح الذي لا يخفى أن أحد أهدافه "توريط" المرشحين كي تزداد حظوظ التمديد أو التجديد للرئيس الحالي، فإن أصحابه نجحوا في إستدراج عدد من "مسيحيي السلطة" اليه فسقطوا في الفخ المنصوب لهم. غير أن الجهات والأجهزة نفسها انطلقت من ذلك بإتجاه محاربة أركان من المعارضة المسيحية تحت عنوان أن ثمة تواصلاً بينهم وبين الرئيس الحريري، بهدف ابتزازهم في "الشارع المسيحي"، وهذا ما يستحق بالفعل نقاشاً مع الأركان المعارضين المعروفين بكونهم أكثر قرباً من غيرهم الى البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير.
المطرقة والسندان
أولاً ـ في إطار هذا النقاش، يقول متابعون إنه يجب الاعتراف بأن هؤلاء الأركان من المعارضة المسيحية يجدون أنفسهم بين "مطرقة" فريق السلطة جهاتٍ وأجهزةً من جهة و"سندان" العماد ميشال عون و"التيار الوطني الحر" من جهة ثانية. فإذا كان فريق السلطة يخوض معركة ضد الحريري لاعتبارات معروفة أهمها ما يمثله رئيس مجلس الوزراء من "حاجز" يجب إزاحته، فإن "التيار" في سعيه الى إحتكار شرعية المعارضة يحاول ابتزاز المعارضين على أمل حرقهم في "الشارع".
ثانياً ـ غير أن هذا "الاعتراف" بوجود الأركان المعارضين بين "المطرقة" و"السندان"، لا يحجب في الوقت نفسه حقيقة أن ثمة ابتزازاً يمكن مواجهته. والدليل على إمكان المواجهة أن المعارضين اعتبروا اتهام فريق السلطة جهاتٍ وأجهزةً لهم بالتواصل مع الرئيس الحريري، أنه يدخل في إطار لعبة التمديد أو التجديد فتصدوا له، وأن بعض المعارضين نجح بقليل من "الجرأة" في تفسير الابتعاد عن فريق السلطة على أساس أن هذا الأخير هو رأس الحربة ضد المسيحيين أنفسهم. لكن هذا الجناح من المعارضة المسيحية، المستظل ببكركي، يشعر بحرج في مواجهة مقولات "التيار العوني" الذي يقوم خطابه السياسي على نظرة "شمولية" ترى السلطة كلاً متلاحماً وتابعاً لسوريا، في حين أن الممارسة السياسية "تميّز"، والدليل على ذلك أن العماد عون في تصريح له أخيراً دافع عن التحالف الانتخابي في بيروت مع النائب السابق نجاح واكيم على أساس أن الأخير لم يتسلم خلال جمهورية الطائف منصباً وزارياً، في حين أن عون قال في التصريح نفسه أن "لا للتحالف مع وليد جنبلاط". فبأي مقياس يصنف عون واكيم خارج فريق السلطة وبأي مقياس يصبح جنبلاط من ضمن السلطة؟. وهل المقياس الذي وضعه العماد صحيح؟ ومن هي السلطة وفريقها في هذه الحال؟
ثالثاً ـ وفي اعتقاد المتابعين أن ثمة إمكانية كبيرة لأن ينجح فريق المعارضين المستظلين ببكركي في مواجهة الابتزاز الثنائي، لأن هؤلاء المعارضين بالذات يضعون عيناً على مستوى تمثيلهم للبيئة المسيحية وعيناً أخرى على الانفتاح على "الآخر" والتواصل معه.
إرشادات البطريرك
رابعاً ـ ولا شك أن ما يعزز المعركة السياسية لهذه المعارضة وهؤلاء المعارضين، هو "التوجيه" الذي ما فتئ البطريرك صفير يكرره، ويشدد عليه منذ أكثر من عام في موازاة التطورات الدراماتيكية في المنطقة، أي التعاون المسيحي ـ الإسلامي. وإذا كان البطريرك يركز باستمرار على العيش المشترك، ويدعو الى قيام "الحزبيات" المختلطة، فإنه من اللافت أن سيد بكركي "رهنَ" عناوين كثيرة في لبنان بـ"عمل مشترك" مسيحي ـ إسلامي.
خامساً ـ وبالإضافة الى "التوجيه البطريركي"، يذكّر المتابعون، في هذا السياق، بأن فريق المعارضة المسيحية المستظل بالبطريرك، طرح في الآونة الأخيرة مجموعة من الشعارات التي تعني شيئاً واحداً: من شعار "السلطة البديلة" الى شعار "شبكة الأمان الإسلامية ـ المسيحية"، الى شعار "الحكومة الاستثنائية"، فماذا تعني هذه الشعارات جميعاً إن لم تكن تشديداً على العلاقة المسيحية ـ الإسلامية وتطلعاً الى تفاهم بين القوى والتيارات الممثلة لبيئاتها؟
التواصل مع الآخر شرط للصراع السياسي
سادساً ـ ويقول المتابعون في هذا الصدد إنه إذا كان ثمة "معركة" أو "صراع" بين تياري المعارضة، "التيار العوني" من ناحية و"التيار" المستظل ببكركي من ناحية ثانية، بهدف انتزاع "شرعية" التمثيل في هذه البيئة، فمن المؤكد أن المواقع الإسلامية المدعوة الى الحوار لا يمكن اختراعها، فإن لم يكن الرئيس الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ورئيس "حركة أمل" الرئيس نبيه بري و"حزب الله" هم المحاورون على الضفة الإسلامية فمن غيرهم؟. حتى لو كان ثمة محاورون مسلمون آخرون، هل يمكن القفز فوق الأساسيين والأكثر تمثيلاً؟.
والى ذلك يضيف المتابعون أن ثمة شرطاً لازماً لحسم الصراع الثنائي مسيحياً ترجيحاً لأحد طرفيه على الصعيد اللبناني العام، هو إبراز قدرة أي منهما على التواصل مع الآخر والانفتاح عليه، أي أن هذا الموضوع جزء من الصراع، ولا شك هنا أن التيار المعارض المستظل ببكركي يملك في هذا الإطار موقعاً تفاضلياً على تيار العماد عون في هذه النقطة بالتحديد. ولا يمكن للتيار المعارض تحت مظلة البطريرك أن يخوض معركته السياسية من دون أن يُدخل هذا العامل في الاعتبار لأنه من دونه سيقدّم للمسيحيين مشروعاً بلا أفق "لبناني". وفوق ذلك، يسأل المتابعون أركان المعارضة المعتدلة بتواصلها مع الآخر هل ثمة وسيلة أخرى لاختبار النفوذ الشعبي للقيادات الإسلامية غير الانتخابات النيابية على أساس قانون فعلي ومسار نزيه؟ وماذا يفعلون خلال العام الذي يفصل عن موعد الانتخابات النيابية في 2005؟.
الحلقة المفرغة
سابعاً ـ ويشدد المتابعون على ضرورة حذر المعارضين من التيار الأكثر قرباً من البطريرك، من التأسيس لتناقض بين الخطاب السياسي الواضح والممارسة الملتبسة أو الخاضعة للابتزاز عن يمينها وعن يسارها. وإن لم يكن ثمة انزالاق نحو تناقض من هذا القبيل، فإن الإشكالية تغدو عندئذٍ من نوع آخر، أي إشكالية كسر الحلقة المفرغة وتطوير الخطاب السياسي بحيث يمكن أن يحمل أجوبة واضحة في لحظة تقتضي عدم توليد "جزر" متباعدة على رقعة الحياة السياسية اللبنانية، بحيث يستطيع المعارضون إذا سئلوا: ممن تتشكل ما تسموها شبكة أمان، ومن تضم الحكومة الاستثنائية التي تقترحون؟، أن يجيبوا بقدر من "الطلاقة" غير المحرَجة. وهذا التحدي مطروح في وجه التيارين المعارضين، وهو أصعب على التيار الأكثر قرباً من بكركي لأن الطرح لديه "صح" اجمالاً، ولأن "الصح" هو دائماً أصعب.
ومن ذلك يصل المتابعون الى دعوة الأركان من المعارضة المسيحية الى التفكير بهذه الأسئلة، مع المعرفة الكاملة بالضغوط الابتزازية التي يتعرضون لها يساراً ويميناً، والتي من المؤسف القول سلفاً إنها (الضغوط) تهدف الى الوصول الى مكان واحد: هدر فرصة تغييرية.
وإذا كان من "الواجب" القول بحسب المتابعين إن كسر الحلقة المفرغة من الابتزاز والإحراج، مهمة الزعامات والقيادات الإسلامية أيضاً، فمن "الواجب" بالقدر نفسه القول إن ما يدعو اليه المتابعون ليس قيام تحالفات سياسية في المدى المباشر، بل إظهار القدرة على التواصل الذي لا مصلحة في انقطاعه إلا لفريق السلطة الذي يطيل عمره على تقطع شرايين التواصل بين الأفرقاء. ثم تبقى الاسئلة الآتية: إذا كان جرى تقديم الحريري في مرحلة معينة ومن قبل خصومه على أنه الزعيم الإسلامي الذي يحاول أن "يقشّ" البلد، فهل هذا صحيح أو أنه اختلاق؟ وهل التواصل معه "تهمة"؟ وهل ان أداء الحريري في الفترة الماضية يسمح باستنتاجات خاطئة في "الشارع المسيحي"؟ ومن لمهمة التصويب والشرح؟ وإذا كانت العلاقة بجنبلاط تمر بمد وجزر وفيها مراحل في النزاع، هل يخطئ المسيحيون عنوان المصالحة في الجبل؟ وأسئلة أخرى يمكن طرحها، لكنها جميعاً تدعو الى التفكير بضرورة إحباط محاولات فريق السلطة قطع الطريق أمام تواصل حقيقي يصوّب الأوضاع، وإلا سينجح هذا الفريق بابتزازه ليس فقط في استدراج "مسيحيي السلطة" الى الفخ بل الآخرين أيضاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.