8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي وجنبلاط المتباعدان يتقاطعان على اعتبار التمديد أبغض "الحلال السوري"؟

في حديثه التلفزيوني أول من أمس، صاغ رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط موقفه من "التمديد" بدقّة كبيرة أضاف عبره جديداً على المعروف من مواقفه في هذا المجال. فهو إذ كرّر ان "التمديد غير شعبي"، لفت الى أنه يترأس كتلة نيابية "متنوعة في توجهاتها السياسية"، والى أنه لا يستطيع تالياً "إتخاذ القرار عن غيره". غير أنه أشار الى أن "الظروف السياسية بعد سبعة أشهر من الآن، والظرف الإقليمي في ذلك التاريخ والحاجة الى تمتين العلاقة بسوريا، ان كل ذلك يمثّل عوامل في ضوئها سأنظر الى الأمر".
وفي رأي أوساط متابعة ان ما يعنيه جنبلاط في كلامه واضح تماماً، وهو أنه لن "يساير" التمديد إلاّ في حالة واحدة، حالة أن تكون سوريا بحاجة الى التمديد في ظروف إقليمية ـ دولية محددة. لكن من الواضح أيضاً من خلال كلامه أن جنبلاط يرفض "الاقتراع" لصالح التمديد، وأن قناعاته ليست مع هذه الخطوة، وأنه مع ذلك على استعداد لـ"التضحية" في حال كان الخيار السوري مغايراً لقناعاته.
وتلفت الأوساط الى انّها تستند في قراءتها هذه لموقف الزعيم الاشتراكي الى المنسوب الكبير من الملاحظات النقدية التي يوجهها منذ فترة الى رئيس الجمهورية والتي تتركّز على احترام الطائف وصيغته وآلياته وعلى رفض ما سمّاه "التأويلات الدستورية"، وعلى أن رئيس الجمهورية شريك في المسؤولية عما آل إليه الدين العام والوضع الاقتصادي عموماً. كما تلاحظ الأوساط أن جنبلاط في مقابل المنسوب الكبير من النقد في هذا الاتجاه، يفرغ حمولة كبيرة من حجج الدفاع عن الرئيس رفيق الحريري دعماً له في وجه الحملات المنتظمة ضدّه، وصولاً الى رفضه اتهام رئيس مجلس الوزراء في طبيعة علاقته بسوريا.
وتضيف أن جنبلاط "العائد" الى الطائف طالما أن لا تسوية بديلة منه، أعطى في كلامه الأخير إشارتين مهمّتين: الأولى عندما أكّد أن حديث الصلاحيات الدستورية لا مبرّر له "خصوصاً بعد أن قال صاحب العلاقة البطريرك نصر الله بطرس صفير لا تدخلونا في موضوع دستوري وبعد أن قال صاحب العلاقة الآخر الرئيس الحريري الشيء نفسه". أما الإشارة الثانية، فهي عندما أعرب جنبلاط عن "الأمل في ألاّ تكون الولايات المتحدة ناخباً في الاستحقاق الرئاسي ليبقى هذا الموضوع شأناً لبنانياً ـ سورياً".
جنبلاط و"مرجعيّتي" صفير والحريري
وبالنسبة الى الأوساط، تعني الإشارة الأولى أن جنبلاط ـ يحيل المتحدّثين عن الصلاحيات الدستورية من المسيحيين الى البطريرك الذي أعلن رفضه تعديل الدستور قبل تطبيقه الكامل كممرّ إجباري، لينفي أن يكون التعديل مطلباً مسيحياً، وأن جنبلاط يحيل المسلمين الى الرئيس الحريري الذي رفض على الرغم من ملاحظاته على الأداء الدستوري أن يفتح هذا الأمر على المجهول. وفي المحصّلة أن جنبلاط يعتبر البطريرك والحريري مرجعيّتين مسيحية وإسلامية تتقاطعان في شؤون رئيسية.
أما الإشارة الثانية، فهي تعني للأوساط نفسها أمرين، أحدهما أن جنبلاط الذي يأمل الا تكون واشنطن ناخباً رئاسياً في لبنان، لا يستبعد مع ذلك أن تكون واشنطن ناخباً بنفوذ معين، وثاني الأمرين أن جنبلاط باعتباره الاستحقاق الرئاسي شأناً لبنانياً ـ سورياً يبدو راغباً في "تظهير" الموقف "اللبناني" من الاستحقاق ووضعه أمام دمشق.
وفي تقدير الأوساط ان رئيس "التقدمي" يقدم موقعه السياسي على أنه على علاقة طيبة بالبطريرك والحريري معاً، في نفس الوقت الذي لا يماثله كثيرون في علاقته الطيبة بالقيادة السورية. ومن غير أن يعني الكلام عن علاقة طيبة ببكركي والحريري تحالفاً معهما، فإن جنبلاط يسلط ضوءاً كاشفاً على الواقع السياسي "الفعلي" في البلاد آملاً الا يضطر الى تجرّع كأس مرة، منطلقاً من حساب كبير لديه للمسألة الاقتصادية ـ الاجتماعية المتضررة من عدم أخذ الواقع "الفعلي" هذا في الاعتبار.
بري والاستحقاق الرئاسي
واذا كان ما أعلنه الزعيم الاشتراكي على قدر كبير من الأهمية السياسية مما يستدعي التوقف عنده ونقاشه، خاصة انه قال ما قاله في "لحظة تجلّ"، فان الأوساط المتابعة تستعرض موقف الرئيس نبيه برّي الذي لا يقل أهمية عن موقف جنبلاط، والذي يتقاطع مع جنبلاط في نقاط عديدة.
وفي هذا الإطار، تقول انّ برّي الذي لم يحدد موقفاً مباشراً من الاستحقاق الرئاسي، سجّل في العلن تارة وفي مجالسه الخاصة تارةً أخرى، عدداً من النقاط الرئيسية.
أولاً ـ قال برّي علناً ما قاله جنبلاط علناً أيضاً، لجهة أن حديث الصلاحيات والتعديلات الدستورية لا سياق حقيقياً له، ولا يعني اطلاقه ان البلاد ستنتقل الى بحث من هذا القبيل.
ثانياً ـ واذا كان صحيحاً ان رئيس المجلس النيابي لم ينبرِ لدواعي موقعه على رأس السلطة التشريعية للدفاع عن الحريري ودعمه علناً، وهو الذي يحرص دائماً على القول انه كرئيس لمجلس النواب يدير اللعبة البرلمانية بحيادية لا يطعن فيها الا بعضهم، الا انه لا يتردد في مجالسه كما ينقل عنه زواره، في اعتبار ان الحريري لا يزال في رأيه رجل المرحلة على مستوى رئاسة الحكومة، وانّ الوضع الاقتصادي المأزوم بوجود الحريري على رأس الحكومة يزداد تأزماً اذا خرج أو أخرج منها. كما انه لا يتردد في اعتبار ان "الجميع" يتحمّل المسؤولية.
ثالثاً ـ ويقول زوار برّي انه كما جنبلاط، يرفض اتهام رئيس مجلس الوزراء في طبيعة علاقته بسوريا، بل أكثر من ذلك أن برّي مقتنع بأن سوريا حريصة على الحريري قدر حرصها على الرئيس لحود كرئيس للجمهورية.
رابعاً ـ ومع ان الرئيس برّي يرفض على نحو قاطع الحديث عن مصير الاستحقاق الرئاسي، فإنه يقول في مجالسه ـ على ذمة الزوار ـ ان "ورقة" الاستحقاق في يد سوريا، وسيتحدّد الموقف السوري في ضوء مآل العلاقة السورية ـ الأميركية. و"يفهمُ" الزوار من برّي ان ذهاب هذه العلاقة الى توترات قد يجعل سوريا ترى مصلحة في التمديد أكثر من التغيير في هذا المجال، أما ذهاب العلاقة بين دمشق وواشنطن الى انفراجات، فمن شأنه أن يقود الى تفاهم سوري ـ أميركي، تكون كلمة سوريا في إطاره أساسية، وهنا أيضاً "يفهم" الزوار انّ التمديد هو في أحسن الأحوال "أبغض الحلال".
وتقول الأوساط المتابعة ان برّي وجنبلاط اللذين بعُدت المسافة عن آخر لقاء جمعهما، انمّا يتقاطعان على عدد من المواقف على النحو المطروح آنفاً، وانهما يساهمان بتفاوت في "تظهير" صورة عن الوضع العام لتكون الصورة بين يدي دمشق في اللحظة المناسبة.
التقاطعات
ماذا اذاً بعد هذه المقدمات؟
تسأل الأوساط وتجيب أن تقاطع جنبلاط مع البطريرك والحريري من ناحية وتقاطع برّي مع الحريري... ومع جنبلاط بشكل غير مباشر ومع البطريرك أيضاً بالصيغة نفسها، يعني أمراً بالغ الأهمية في الظرف الحالي، هو الوفاق بين المواقع الرئيسية في البلد، ولو لم يحصل هذا الوفاق عبر اجتماعات أو لقاءات، لأنه وفاق بالمواقف. وتضيف أنه يقيناً لو لم يكن هذا الوفاق حقيقياً حول الطائف والدستور، لكانت الأوضاع العامة في لبنان مختلفة، فإذا بالجواب عن محاولة "فريق السلطة" الفرز بين المواقع والتوهّم بإمكان دفعها ضدّ بعضها البعض، هو الوفاق ولو عن بعد.
وتشير الى أن الصورة المطروحة في ما تقدّم، إذ تأخذ موقفي برّي وجنبلاط نموذجاً، لا تغفل عن موقفي الحريري والبطريرك اللذين من موقعهما كلاً على حدة بصفتهما "صاحبي العلاقة المباشرين" كما قال جنبلاط، لم يسمحا بأن تسلك بعض العناوين دروباً طائفية. وتختم بالتأكيد على أن البطريرك صفير والمعارضة المسيحية المستظلّة به يلعبان في ما يتعلّق بالاستحقاقات المقبلة دور "بيضة القبّان"، وهذا ما ستؤكده التطوّرات المقبلة بدءاً من الانتخابات البلدية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00