توقف المراقبون خلال الساعات الأخيرة عند دلالات البيان الذي أصدرته حركة "حماس" عن لقاء قياديّ جمعها أول من أمس مع "حزب الله" وتوصّل الى اتفاق على "تعزيز التعاون والتنسيق" بينهما، ويضع الحزب بموجبه إمكاناته في تصرّف الحركة، علماً ان البيان أتى بعد يومين فقط من إعلان السيّد حسن نصرالله خلال مهرجان الوفاء لمؤسس "حماس" الشيخ أحمد ياسين، شعاره المدوّي "كلنا حماس".
فماذا في مقدّمات كل ذلك؟
"حماس" تواجه خطة إسرائيل "تنظيف غزة"
أولاً ـ بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين، يتوقّع القياديّ في "حماس" وممثلها في لبنان أسامة حمدان أن تجمّد إسرائيل في المدى المباشر الانسحاب من قطاع غزة في مقابل المضيّ حثيثاً في خطّتها للاغتيالات والتصفيات التي تستهدف قيادات وكوادر من الحركة ومن سائر الفصائل الاخرى، لا بل هو يتوقع انّ إسرائيل لن تنتظر ردّ الفعل الفلسطيني على اغتيال ياسين لتواصل خطّتهاهذه .
ثانياً ـ وبناء على هذا التوقع أو التقدير، يرى حمدان ان ما سمّي مشروع "غزة أولاً" والذي كان يقضي إسرائيلياً بتسليم مصر القطاع أمنياً، طرأ عليه نوع من "التحوير" بفعل عوامل عدة أبرزها ان مصر "استصعبت" جداً تحمّل المسؤولية الأمنية في غزة في ظل استمرار سلاح المقاومة في القطاع، ومانعت محاولة توريطها في مشكلة مع الفلسطينيين تقدّر انه ستكون لها إنعكاسات بما في ذلك داخل مصر نفسها، كما ان أحداً من الفلسطينيين أنفسهم لا يقبل أو لا يستطيع السير في عملية نزع سلاح المقاومة. وعليه، يعتبر حمدان ان إسرائيل في خطّتها للاغتيالات والتصفيات، قرّرت تنظيم عملية "تنظيف" في قطاع غزة بحيث يختلّ التوازن ضمنه فيأتي من يتسلّمه من دون "مشكلة" كما تعتقد إسرائيل.
ثالثاً ـ وإذا كان المسؤول في "حماس" يشدّد على ان هذه الخطّة الإسرائيلية جعلت "الجميع" فلسطينياً يدرك حجم الاستهداف الإسرائيلي للشعب الفلسطيني ككل، ويتوحّد تالياً، فإنه يلفت الى ان "التركيز" الإسرائيلي على غزة في خطة التصفيات، يتوازى مع سعي حكومة ارييل شارون الى استكمال إجراءاتها في الضفة الغربية لاسيّما لجهة الانتهاء من "الجدار الفاصل" والذي حُدّد موعد الانتهاء منه في كانون الثاني 2005. وبهذا المعنى، يرى حمدان ان تجميد الانسحاب من غزة سيتزامن مع خطّين: مواصلة خطّة التصفيات في غزة، واستكمال الإجراءات في الضفة بحيث يكون مشروع "غزة أولاً" عندئذٍ "غزة أولاً وأخيراً"، وتفرض على الفلسطينيين تسويات "إدارية".
رابعاً ـ ويشير القيادي في "حماس" الى ان الحركة ومعها فصائل المقاومة الفلسطينية، لم يعد لها أي همّ خصوصاً بعد اغتيال ياسين، سوى إعادة "التوازن" مع إسرائيل، أي الردّ على الاغتيال بما يعيد التوازن الى معادلة الصراع مع إسرائيل. ويقول في هذا المجال ان مصير "الانسحاب من غزة" على المدى الطويل كما مصير الإجراءات في الضفة، سيتحدّد في ضوء ردّ الفعل الفلسطيني وتداعياته.
خامساً ـ وما لم يقله حمدان بشكل واضح وقاطع هوان "حماس" والمقاومة الفلسطينية المستهدفتان بخطّة شارون لما يسمّى "تنظيف القطاع"، تشعران بعد فشل القمة العربية في الانعقاد، والفشل تالياً في تكوين حماية عربية سياسية حدّ أدنى للفلسطينيين، بأن إسرائيل في ظل هذا الانهيار لـ"النظام العربي الرسمي"، وفي أحسن الأحوال في ظل "تعليق" النظام العربي، ستكون مستفيدة ومتّجهة الى تصعيد عدوانيتها ضدّ الفلسطينيين.
"حزب الله" وضرورات "الموقف القويّ"
على خلفية المقدّمات مطروحة من جانب "حماس"، يمكن فهم الجانب الفلسطيني من التفاهم والتعاون مع "حزب الله". أما من زاوية "حزب الله"، فإن مصدراً مسؤولاً في الحزب يشرح ما قاله السيّد نصرالله وما أُعلن عن وضع الإمكانات بتصرّف الحركة، على النحو الآتي:
أ ـ في لحظة تاريخية صعبة، يؤكد الحزب انه لن يتخلّى عن دعم المقاومة الفلسطينية وفصائلها، للمساهمة في صمودها وتماسكها في وجه الاحتلال الإسرائيلي وخططه، وفي هذا الإطار كان لا بدّ من موقف قوي ورادع.
ب ـ انّ ما أعلنه الحزب وأمينه العام، يدخل في باب إعادة تأكيد رؤية "حزب الله" الى الصراع مع العدو الصهيوني، على أساس وحدة المعركة على الرقعة الجغرافية التي يجثم فوقها الاحتلال الإسرائيلي.
ج ـ في ظل انهيار النظام العربي الإقليمي ممّا ينعكس سلباً على الوضع العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً، لا بدّ من وقفة قويّة لـ"التعويض" عن وقائع الوضع العربي الرسمي المحبطة.
د ـ انّ "المبادئ" الواردة في ما تقدّم تؤكد الحاجة الى تصعيد وتيرة التعاون والتنسيق في هذه المرحلة "الحسّاسة والخطيرة".
ويمكن من خلال كلام حمدان من جهة وكلام المصدر القيادي في "حزب الله" من جهة اخرى، استنتاج الآتي:
1 ـ ثمة شعور لدى الحركة والحزب بأن ثمة استهدافاً مشتركاً لهما في هذه المرحلة، ممّا يرتّب ليس فقط وعياً بخطورة هذه المرحلة بل تعاوناً في مواجهتها.
2 ـ ثمة قناعة لدى "حماس" بأن الإعلان المشترك مع "حزب الله" بصورة صريحة ومباشرة عن التعاون والتنسيق، هو (الإعلان) جزء أساسي من عملية "إعادة التوازن" مع إسرائيل التي تحدّث عنها حمدان، بإدخال "حزب الله" مباشرة كعامل رئيسي في هذا "التوازن"، بما يحمي المقاومة الفلسطينية عبر إدخال "عامل رعب" لإسرائيل.
3 ـ وثمة قناعة مشتركة لدى "حزب الله" و"حماس" بأن أخطر ما يواجهانه هو سقوط "النظام العربي الرسمي"، وفي أحسن الأحوال "تعليقه" الى حين. ذلك ان "الفوضى" الإقليمية التي تنتج عن هذا الأمر في ظل دعم أميركي لإسرائيل، تبيح لإسرائيل الاندفاع أكثر في عدوانيتها، وإن كان الأمر ليس في اتجاه واحد، أي ان "الفوضى" الإقليمية يمكن أن تكون "سلاحاً" في يد فصائل المقاومة أيضاً.
التقاطع
من هنا، يرى المراقبون ان خطاب السيّد نصرالله من ناحية والإعلان المشترك بين "حزب الله" و"حماس" من ناحية ثانية، يحصلان على تقاطع القناعة بإعادة التوازن مع إسرائيل بعد الاختلال الفادح الذي أصابه باغتيال الشيخ أحمد ياسين، والقناعة بخطورة الوضع المعلّق للنظام العربي الرسمي... ممّا يعني ان "التعاون والتنسيق" بينهما ليسا مجرّد "فزّاعة" كلاميّة، بل هما مفتوحان على احتمالات عملية، بمعنى أن يواكب "حزب الله" الوضع الفلسطيني عملياً من لبنان. لكن تجدر الإشارة في هذا المجال الى ان الطرفين أي الحزب والحركة ليسا مع تحوّل الجنوب اللبناني الى مسرح لعمليات لبنانية ـ فلسطينية، وهذا ما أكده "حزب الله" مراراً، وذلك ما تشدّد عليه "حماس" إذ تصرّ على المواجهة مع إسرائيل في فلسطين، وأكثر من ذلك فمن المعلوم ان الجهتين كانتا "ممتعضتين" من "العمل" الذي أقدمت عليه عناصر من "القيادة العامة" الأسبوع الماضي، وأبلغتا الجانب المعني بملاحظاتهما و"نقدهما".
جنبلاط و"الاشتراكية الدوليّة"
وليس بعيداً عن "حزب الله" و"حماس"، ثمة تطوّر سياسي لافت في موقف "الحزب التقدمي الاشتراكي" ورئيسه النائب وليد جنبلاط، على مستوى النظرة الى عضوية الحزب في "الاشتراكية الدوليّة". فجنبلاط الذي يتّخذ موقفاً راديكالياً من الصراع العربي ـ الإسرائيلي يجعله أقرب الى هذين الطرفين، يدرس منذ فترة مصير عضوية "التقدمي" في هذا الإطار الدوليّ، والتي كان أعلن تجميدها منذ نحو سنتين في امتداد عدد من التطوّرات التي جعلت "الاشتراكية الدوليّة" في حينه ترفض إدانة الممارسات الإسرائيلية.
ويوضح مصدر قيادي في "التقدمي الاشتراكي" ان جنبلاط عقد في الفترة السابقة عدداً من اللقاءات مع قيادات أوروبية، خاصة مع هانس يورغن فشفنسكي الذي كان الساعد الأيمن لأحد أبرز مؤسسي "الاشتراكية الدوليّة" المستشار الألماني الراحل فيلي برانت، وقد جرى لقاء جنبلاط ـ فشفنسكي الأسبوع الماضي في برلين. ويضيف المصدر ان الزعيم الاشتراكي اللبناني على صلة وثيقة بأهم حزبين اشتراكيين في أوروبا، الألماني والفرنسي، وهو مقتنع بأن التفاهم الألماني ـ الفرنسي ضروري في ما يتعلّق بمنطقة الشرق الأوسط.
ويلفت الى ان جنبلاط الذي سمع من فشفنسكي تشجيعاً على التواصل مع الحزبين الألماني والفرنسي وعلى استئناف العضوية في "الاشتراكية الدوليّة" تأميناً لحضور الصوت العربي في هذا "المحفل"، يدرس العودة وهو يميل اليها. ويؤكد المصدر القيادي نفسه ان جنبلاط يضع في خلفية قراره في هذا المجال، ضرورة مواكبة النضال الفلسطيني أوروبياً، وأهمية الحوار مع الأوروبيين ومخاطبة مصالحهم التي لا تتماثل مع أميركا ومصالحها.
وهنا، يرى المراقبون ان الموقف المشترك بين "حزب الله" و"حماس" يمثّل صعيداً من جهة، وبحث جنبلاط تفعيل عضوية "الحزب التقدمي الاشتراكي" في "الاشتراكية الدوليّة" كمنبر سياسيّ، يمثّل صعيداً آخر غير متناقض مع الأول.. من جهة ثانية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.