8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك يسدّد ضربة قاصمة لـ"مقولة" الصلاحيات ويشدّد على العلاقة المسيحية ـ الإسلامية

يروي بعض من التقى البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير يوم الجمعة الفائت، أي غداة جلسة مجلس الوزراء التي طرح فيها تفسير الصلاحيات الدستورية، وعرض خلالها الوزيران ميشال سماحة وكرم كرم ضرورة إعادة البحث بدقة في اتفاق الطائف ككل، ان سيّد بكركي كان شديد الاستياء حيال هذه الطروح كافة، وتساءل أمام محدّثيه: هل هكذا يجري الإقبال على المرحلة الجديدة أم ان العكس مطلوب؟ ماذا يفعلون في مرحلة تقتضي تعزيز اللُحمة بين اللبنانيين؟
ولم يتأخر البطريرك في الانتقال من التساؤل الى تحديد الموقف، فأعلن للزميلة "النهار" أول من أمس ان "الطائف لم يطبّق في الأساس كما يجب وعدم تطبيقه في شكل سليم هو علّة العلل". وإذ كرّر دعوته الى "تطبيق الطائف أولاً كي نتبيّن الثغر فيه قبل أي تعديل عليه"، لاحظ صفير ان "الكلام على إرضاء بكركي هو للاحتماء بنا، وانا يرضيني أن تمشي الأمور فلا يتمترس أحد وراء طائفته ليحصل ما يعتبره تعزيزاً لموقعها".
وفي تعبير عن "الامتعاض" من كلام "الصلاحيات وإعادة البحث في الطائف"، ذهب ركن في المعارضة المسيحية الأكثر قرباً من بكركي الى حد القول انّ "لا بحث في الدستور أو الطائف إلا بعد الاستحقاق الرئاسي المقبل وحصول انتخابات نيابية نزيهة ينبثق عنها مجلس نيابي مؤهل لبحث من هذا القبيل، يراعي (البحث) مواقف جميع الفرقاء"، مشدّداً على "الانتهاء من الغرضية الشخصية قبل الشروع في بحث وطني عام".
الشراكة الإسلامية ـ المسيحية
ماذا يعني موقف البطريرك في المدى المباشر؟
أولاً ـ عن هذا السؤال، تجيب مصادر متابعة، فتلفت الى ان موقف البطريرك الذي أبلغ الى من يهمه الامر خلال الساعات القليلة الماضية، أتى (الموقف) يقصم ظهر"فريق السلطة"واستراتيجيته القائمة على "تصعيد" البُعد الطائفي لموقع الرئاسة، بأمل استدراج دعم مسيحي وبأمل خوض الاستحقاق المقبل على هذه الخلفية.
وتقول المصادر في هذا المجال ان تلك "الاستراتيجية" التي عبّر عنها بشكل لافت، وزير الداخلية الياس المرّ قبل أسابيع قليلة حين أثار مسألة حق الرئيس الماروني بالتجديد في وقت يستطيع رئيسا المجلس والحكومة، الشيعي والسني، التجديد، لم تجد من يدعمها من بين الموارنة، بمن فيهم المنتسبون الى معسكر "مسيحييّ السلطة". أما دعوة سماحة وكرم الى إعادة البحث في الطائف ككل، فهي من وجهة نظر الأوساط تندرج في خانة الاشتغال لمرشح ماروني آخر أكثر ممّا هي في مصلحة التجديد للعهد، ويسعى الوزيران الى تحسين فرص مرشحهما فـ"يصعّدان" من "مارونيته" بهدف محاولة "ضرب أكثر من عصفر بحجر واحد".
ثانياً ـ وإذ تعرب المصادر نفسها عن اعتقادها ان هذه الطروح بمجملها، سواء الصادرة عن "فريق السلطة" في إطار استراتيجية الاستحقاق بـ"استنهاض" البعد الماروني ، أو تلك الصادرة عن فريق آخر يشتغل على المجيء برئيس آخر عبر محاولة استمالة البيئة المارونية، هي طروح على قدر من الخطورة لأنها جميعاً تحاول مواجهة "الشريك المسلم". وتستغرب تلك "الاستفاقة" المتأخرة على مارونية الرئيس ، في وقت لا مشكلة للمسيحيين مع الصلاحيات ، بل في ما يؤديه الحكم على صعيد استعادة للوضع اللبناني ككل الى سياق طبيعي. وبكلام آخر، تعتبر هذه المصادر ان استراتيجية كل من الفريقين تتعارض على طول الخط مع استراتيجية البطريرك، الذي ما فتئ يكرّر ان المطلوب هو الحفاظ على العيش المشترك الإسلامي ـ المسيحي، وعلى مقاربة إسلامية ـ مسيحية مشتركة للمرحلة، وعلى عمل إسلامي ـ مسيحي مشترك ينقل البلاد الى مزيد من الاستقرار في اللحظة الإقليمية ـ الدولية الراهنة المتّسمة بالخطورة.
العودة إلى ما قبل الجمهورية
ثالثاً ـ وترى المصادر ان تلك الاستراتيجية الواحدة لفريقين، إذ تلعب على "وتر طائفيّ"، انما تحاول في العمق التخريب على إمكان التواصل بين الفرقاء الأكثر تمثيلاً في بيئاتهم، وهو التواصل القادر وحده على تأكيد ان في لبنان قوى تمتّ الى المرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد الاستحقاق الرئاسي، بصلة وثيقة.
رابعاً ـ وتؤكد المصادر ان أخطر ما في تلك الاستراتيجية الواحدة التي يعتمدها فريقان على الأقل، انها (الاستراتيجية) في الحقيقة وفي العمق، وتحت عنوان "الصلاحيّات"، لا تتجاوز على الطائف فحسب بل حتى"ميثاق 1943" لا يقرّها ولا يشكّل مرجعية لها.
هنا، يروي ركن مخضرم ان في مرحلة النظام السابق على الطائف، قبل الحرب وأثناءها لم يقبل أي رئيس للجمهورية التصرّف على أساس ان رئيس الحكومة ليس شريكه، علماً انه كانت لرئيس الجمهورية آنذاك صلاحيات وسلطات شبه استثنائية، بما في ذلك إقالة الوزراء "الذين يعينهم ويختار من بينهم رئيساً". ويقول انه حصل في مرّات عدة آنذاك أن بادر رئيس الحكومة الى تعليق الحكم، وكان رئيس الجمهورية يحترم رئيس حكومته ويتعاطى معه ويتوصلان الى تسويات واتفاقيات. ويسأل: ما بال هؤلاء لا يكتفون بالقفز على الدستور المنبثق من ميثاق الوفاق الوطني بل يتجاوزون على تاريخ لبنان وتجربة جناحيه؟
وتخلص المصادر في هذه النقطة الى القول ان استراتيجية إبقاء الوضع على حاله أو استراتيجية المجيء برئيس آخر ربما يكون "واجهة" سياسية لـ"دولة أمنية"، ان هذه الاستراتيجية ليس فقط لا تكسب تأييد "الشريك المسلم" بدليل ما يعلنه الرئيسان سليم الحص وعمر كرامي من مواقف، ولو من مدخل انتقاد الرئيس رفيق الحريري، لكنها في الأساس وقبل أي شيء لا تكسب تأييداً مسيحياً.
خامساً ـ على ان المصادر، وتأسيساً على كل ما تقدّم، تسجّل ان تلك الطروح المنتسبة الى الاستراتيجية نفسها، أدّت الى عكس ما أراده "استراتيجيّو" الفريقين، ذلك ان التحفظ المسيحي عموماً والماروني خصوصاً عنها من جهة والتحفظ الإسلامي العام عنها ايضاً من جهة اخرى، اسقطاها فعلياً، وخلقا مناخاً من وحدة الموقف الإسلامي ـ المسيحي، لا شك ان على هؤلاء "الاستراتيجيين" أخذه في الاعتبار بعد الآن.
الاستنفار العام
وفي هذا السياق، تدعو المصادر المتابعة الى ملاحظة العدد الكبير من "الضربات" القاصمة التي وجّهت الى تلك الاستراتيجية الواحدة لفريقين، من جهات عدة:
1 ـ الرئيس نبيه برّي بما ومن يمثّل، حين اعتبر ان هذه "الطروح "فشّة خلق"، وكان يمكنه اعتبارها "توتراً عصبياً" من جانب أصحابها.
2 ـ الرئيس عمر كرامي، الذي تحت عنوان ان الرئيس الحريري "يتساهل في الدفاع عن صلاحياته"، أكد ان هذه "الصلاحيات ملك لرئاسة مجلس الوزراء"، ولا يجوز التعرّض لها.
3 ـ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي سبق له قبل نحو أسبوعين أن شدّد على الطائف وعلى ما يتضمّنه من أصول وصلاحيات.
4 ـ وعلى أهمية من سبق ذكرهم، فإن الضربة أتت من البطريرك صفير الذي رفض استرضاءه بالتمترس وراء الطائفة.. ولم يخرج صوت ماروني فاعل ومؤثر يعاكس ما أعلنه البطريرك.
وهنا، تلفت المصادر الى انه عندما يكون كل هؤلاء وفي مقدّمهم البطريرك، معارضين لتلك الاستراتيجية، يصبح السؤال مشروعاً عن مصيرها وعمّا تستهدفه وعن اللعبة الخطيرة التي تلعبها، مع التأكيد في الوقت نفسه على انه عندما يكون كل هؤلاء معارضين لها، فمعنى ذلك ان الوحدة اللبنانية بخير وان التفاهم الوطني عريض، كما تختم المصادر المتابعة نفسها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00