8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عون بين "الجدار السميك" مع المسلمين والارتداد الإلغائي نحو المسيحيين

أين بالتحديد تكمن "مشكلة" العماد ميشال عون وتيّاره في السياسة؟
طُرح هذا السؤال في الآونة الأخيرة على أوساط عدّة، إسلامية ومسيحيّة، فكانت في الإجمال أجوبة مبنيّة على الملاحظات الآتية:
أولاً ـ لم يستطع العماد عون طيلة السنوات الطويلة الماضية أن يحطّم الحاجز السميك الذي يفصله عن البيئة الإسلامية بتيّاراتها كافة لا بل هو بقي على استنفاره ضدّها مستثيراً استنفاراً مقابلاً، وفي عدد من الأحيان لا تكاد بعض المحاولات الحواريّة تتقدّم من مداخل قطاعيّة تارة أو من مداخل سياسيّة جزئيّة تارة اخرى حتّى يجهز الجنرال عليها سياسيّاً.
ونقطة انطلاق أزمة الثقة بينه وبين البيئة الإسلامية ليست فقط موقفه من اتفاق الطائف أو خطابه السياسيّ الاجماليّ، بل هي تحديداً اعتبارُه للتيّارات الإسلامية الأكثر نفوذاً في بيئتها صنيعةً سورية أي "اخترعها" ما يسمّيه الجنرال "الاحتلال السوري" للبنان. وحتّى عندما "يميّز" ضمنها، وهو نادراً ما يفعل، ينسب مواقفها الى الخوف من سوريا أو الرضوخ للأمر الآتي من دمشق.
ولم يستطع في أي لحظة من اللحظات إحداث أي خرق في الجدار بمبادرة مطلوبة منه لفكّ الحصار عنه إسلامياً.
هكذا، يستمر الجنرال و"التيّار" على الصعيد السياسيّ المباشر، في حالة من العجز عن التواصل مع أي فريق إسلامي حقيقي، الأمر الذي يفقده أهلية التشارك مع القيادات الإسلامية. فلا علاقة مع الرئيس رفيق الحريري، أو مع الرئيس نبيه برّي، أو مع الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه النائب وليد جنبلاط، أو مع قيادات صفّ ثانٍ.. وذلك بـ"السياسة" المباشرة، وهو ما يقود اليه عادة الخط السياسيّ "المسطّح" و"الشموليّ" في آنٍ معاً.
المعارضة المسيحيّة
ثانياً ـ وينسحب "جدار الفصل" بينه وبين المسلمين على الساحة المسيحيّة أيضاً. وإذا كان الموقف من "مسيحيي السلطة" مفهوماً في إطاره العام، فاللافت ان الجنرال يستنفر ضدّ المعارضة المسيحيّة بمختلف تيّاراتها. وإذا كان الجنرال يخطئ في تقدير موقعيّة القوى الإسلامية وحجم تمثيلها لبيئاتها ونفوذها بمعزل عن الدور السوري، ويرفض القيام بأي اختراق للجدار، فالمستغرب ألا يكون قادراً على إرساء تفاهم حدّ أدنى مع المعارضة المسيحيّة لأنه يكرّر اتهامه لها بأنها تحت السقف السوري كما يقول، كما المستغرب ألا يستطيع التوصل الى تحالف سياسيّ معها يحتفظ كلّ فريق بموجبه باستقلاليّته. فهو دائم النقد لبكركي و"قرنة شهوان" و"القوّات" والتيّارات الاخرى، ويحرّض عليها تحت عنوان انه هو "المعارضة الحقيقيّة" وان الآخرين ليسوا معارضة.
ثالثاً ـ غير ان أخطر ما في "مشكلة" عون وتيّاره، هو ان عجزه عن التواصل مع المسلمين من جهة "وتعاليه" على المعارضة المسيحيّة بحسابات بعضها ثأريّ من مخلّفات مراحل سابقة من جهة اخرى، يرتدّان (العجز والتعالي) بمنطق إلغائي على الساحة المسيحيّة، وكلّما ازداد الجدار بينه وبين المسلمين سماكةً ارتدّ الى "الداخل المسيحيّ" لاختزاله ومحاولة إرساء معادلة جديدة حتى انه بأدائه يقطع الطريق على إمكان أن يشكّل معارضون آخرون بحكم علاقاتهم الإسلامية جسر عبور نحو التواصل المسيحيّ ـ الإسلامي.
نماذج من التحالفات
على ان العناوين الثلاثة المشار اليها آنفاً لـ"مشكلة" عون وتيّاره، لا تختزل "الصورة" عنهما. ذلك ان الاكتفاء بها قد يؤدي بالبعض الى الظنّ بأن الجنرال على درجة عالية من "المعارضة المبدئية" التي لا تحيد عن خط تلتزمه، بينما "مشكلة" عون ليست في المواقف والحسابات المحكي عنها فقط، بل في "الصدقية" على صعيد الممارسة أيضاً. وفي هذا الإطار تسجّل أوساط متابعة عدداً من النقاط المتّصلة بممارسة عون على صعيد الانتخابات البلديّة:
1 ـ تفيد المعلومات المتوافرة ان "التيّار الوطني الحرّ" (العونيّ) قطع شوطاً كبيراً في الحوار مع "الحزب السوري القومي الاجتماعي" باتجاه التعاون في لوائح مشتركة في دائرة المتن الشمالي.
2 ـ وتفيد المعلومات ايضاً ان "التيّار" يستكمل خطوات التعاون مع "الحزب الديموقراطي اللبناني" برئاسة الوزير طلال ارسلان في عاليه.
3 ـ وتفيد المعلومات ايضاً وايضاً ان "التيّار" يفاوض بقوة مع تحالف الوزير فارس بويز ـ النائب فريد الخازن في كسروان.
4 ـ وتؤكد المعلومات أخيراً ان التعاون لا يزال مستمراً في بيروت مع النائب السابق نجاح واكيم، في وقت وصلت مساعي تشكيل لائحة مواجهة للرئيس الحريري الى حائط مسدود.
أسئلة كثيرة
وفي ضوء هذه الملاحظات، تسأل الأوساط المتابعة: ما "القاسم" المشترك الذي "يجمع" عون بـ"القومي" وارسلان والخازن وواكيم؟ ما القاسم المشترك الذي يستطيع أن يجده مع هؤلاء الفرقاء ولا يستطيع أن يجده مع "قرنة شهوان" مثلاً؟ ما الذي يجعل عون مستعدّاً لتصفية الحساب مع الرئيس أمين الجميل بشأن معركة انتخابات بعبدا ـ عاليه الفرعية في مقابل صفحه مثلاً عن عميد "الكتلة الوطنية" كارلوس اده بشأن معركة انتخابات المتن الفرعية؟ وما الذي يمكن أن يقوله الجنرال: هل يمكنه مثلاً أن يسمّي حليفاً مسلماً واحداً له؟ هل يمكنه إعلان تحالفاته المسيحيّة المعارِضة فعلاً؟
وأكثر من ذلك، تسأل الأوساط نفسها: هل يكون العماد عون ناجحاً عندما يعادي كل من سبق ذكرهم؟.. وهل يستطيع الاستمرار في هذه العشوائية التي يحكمها تناقض عجيب بين الادعاء المبدئي والأداء المصلحيّ؟. وهل يغطّي "الخطاب الشمولي" الذي لا يقرأ تناقضاً من هنا وآخر من هناك والذي يزعم ان السلطة كلها واحد، ممارسات تثبت انه يغازل أطرافاً في السلطة؟
هدر الفرص
وما يثير الاستغراب أكثر فأكثر ان الجنرال لم يردّ بعد مرور نحو سبعة أشهر على انتهاء الانتخابات الفرعيّة في بعبدا ـ عاليه على ما جرى كشفه صحافياً عن عروض نقلت اليه آنذاك يحصل بموجبها على تسهيلات سلطوية في مقابل "تنعيم" موقفه من سوريا و"قانون محاسبتها". واذا كانت الوقائع بعد ذلك أتت تثبت ان الجنرال لم "ينعّم" موقفه من "قانون المحاسبة"، فذلك لا يعفيه من الجواب عمّا إذا كان تلقّى عروضاً أو لا، ما إذا كان وعد أم لا، وما إذا كان استفاد من "تسهيلات سلطويّة" اثناءتمريره الوقت أم لا، وما هي تلك التسهيلات إذا كان حصل عليها بالفعل؟. ذلك يثير الاستغراب بعد أن ظهر انه يردّ بسرعة على معلومة ذكرت انه تلقّى عرضاً بمواجهة الحريري في بيروت في مقابل تسهيلات له في مناطق اخرى، ولم تقل المعلومة انه وافق على العرض.
على أي حال تحمد أوساط معنيّة متابعة الله على ان قوة "التيّار العونيّ" حيث هي موجودة، لا تعدو كونها قوة ترجيح، وان القاعدة العونيّة المعارضة لن تختار إلا مرشحين للمعارضة في البلديّات. وتختم بأنه إذا كانت الانتخابات البلديّة فرصة سياسيّة، وإذا كان الرجل السياسي "يقاس" بقدرته على بناء علاقات وعلى التزام قدر من الصدقيّة، فإن الجنرال وتيّاره يهدران بلا شكّ هذه الفرصة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00