توقّفت أوساط سياسية معنية خلال اليومين الماضيين عند محاولة بعض الجهات تعميم استنتاجات خاطئة بشأن الكلام الذي صدر عن رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري خلال حواره مع طلاب الجامعة الكندية في "المشرف" يوم السبت الماضي، كما استوقفها التناقض بين استنتاج وآخر وإن كان ذلك ليس مستغرباً عندما يكون همّ هذه "الجهات" ممارسة التحريض ضدّ الرئيس الحريري.
أولاً ـ في الاستنتاج الخاطئ الأول الذي قاربت "الجهات" كلام الحريري من خلاله، ان رئيس الحكومة وصلته ايحاءات سورية نقلها اليه أحدهم فأضاءت أمامه الشارة الخضراء لإطلاق مواقفه السياسية الأخيرة. وفي رأي الأوساط السياسية المعنية ان المروّجين لذلك أرادوا اتخاذه وسيلة لاستثارة المواقف حول ما قاله الحريري من ناحية، كما انهم (المروّجون) يقومون بمحاولة مكشوفة لاستخدام اسم سوريا في التعبير عن مواقف سياسية داخلية من ناحية ثانية
وفي هذا المجال، تذكّر الأوساط بأن الحديث عن "ايحاءات" يتجاهل واقع ان لدى الحريري من العنفوان ما يخوّله الإدلاء بأي موقف بعيداً عن أي ايحاء، خاصة عندما تخرج ممارسات معيّنة عن المألوف والطبيعي من الأصول السياسية والدستورية، وعندما تصبح سمعة الأشخاص والمؤسسات مهدّدة على نحو يسيء الى لبنان واللبنانيين في المجالات كافة.
وتلفت الأوساط هنا الى انه إذا كان الحريري قد التزم مقتضيات التهدئة لفترات طويلة واعتصم بالحكمة وصنع لنفسه أعصاباً فولاذية في مواجهة الاستفزازات التي لم تتوقف يوماً، سياسياً وإعلامياً، فإنه كان يعي ان من بين المسؤوليات الملقاة على عاتقه، مسؤولية تجنيب النظام العام في البلاد محاولات تخريبه، وكل ذلك بهدف تمكين لبنان وسوريا معاً من مواجهة التحديّات بأعلى قدر من الاحساس بالمسؤولية الوطنية.
"حاجة سوريا إلى الحريري"؟
ثانياً ـ أما الاستنتاج الثاني الخاطئ الذي روّجت له "الجهات" إياها، فهو ان الرئيس الحريري انطلق في "قنبلته" السياسية الأخيرة من شعوره بحاجة سوريا الى دوره على المستويين المحلي والإقليمي. وفي هذا الإطار تعتبر الأوساط نفسها ان ذلك يدخل في باب محاولة قديمة ـ جديدة للايحاء بأن الحريري يحاول استغلال المتغيّرات الخارجية لتوظيفها في الداخل اللبناني، وبأنه يتجاوز الإلتزام بالثوابت اللبنانية ـ السورية لإحراج سوريا في لبنان. وترى الأوساط ان هذه الايحاءات باتت من المخلّفات التي لم تقدّم في التأسيس لأي خلاف بين الحريري والقيادة السورية.
وفي هذا السياق، شدّدت الأوساط على أن لا جدوى من وضع الحاجة الى الحريري موضع اتهام أو تساؤل، في الوقت الذي يعتبر الحريري نفسه ان ما يسمّى"الحاجة" بمثابة واجب وطني وقومي التزمه قبل توليه رئاسة الحكومة في لبنان وبعده، وان القيادة السورية أعلم من سواها بذلك، وهي بالتأكيد تدرك أهداف "المروّجين" الذين يحاولون "اللعب" على هذه المعادلة، والإساءة الى سوريا بقدر الإساءة الى رئاسة الحكومة في لبنان. ذلك ان وضع سوريا في موضع الحاجة الى أي مسؤول في لبنان مهما كان موقعه السياسي، هو في حدّ ذاته شكل من أشكال التجريح بسوريا، وشكل من أشكال الايحاء بأن سوريا في حالة ضعف وتحتاج الى موقف يشدّ أزرها من هنا أو من هناك، والحال ان لبنان بقياداته كافة وعلى مستوى مختلف المسؤوليات، ما زال يتطلع الى سوريا بمنظار دورها القومي الرئيسي.
تناقض الاستنتاجات
ثالثاً ـ وتسجّل الأوساط المعنية تناقضاً بين الاستنتاج الخاطئ الأول الذي يقول بـ"ايحاء" نزل على الحريري من دمشق، أي ان رئيس الحكومة يستقوي بسوريا في هذه الحال، وبين الاستنتاج الخاطئ الثاني الذي يقول ان الحريري يستقوي على سوريا وضدّها، الأمر الذي لا يعني سوى التخبّط الذي تعيشه "الجهات" المروّجة، التي تتوخّى تحريض سوريا على الحريري تحت عنوان انه يحاول فرض أمر واقع عليها.
في مطلق الأحوال، تؤكد الأوساط نفسها ان هذه "اللعبة" مكشوفة، وهدفها "حَكش" النار تحت الرماد وايجاد منافذ جديدة لإشعال الوضع السياسي بعد أن استدعى هذا الوضع "إطفائية" عاجلة تردّد ان القيادة السورية دخلت على خطها في الوقت المناسب.
الانزعاج
ولا تستبعد الأوساط أن تكون "الجهات" العاملة على ترويج استنتاجات خاطئة عن أهداف كلام الرئيس الحريري، في صدّد التعبير عن انزعاجها مما آلت اليه نتائج "الاشتباك السياسي" الأخير، وهي التي كانت تراهن على أن تسلك الأمور مجريات مختلفة ليس أقلها إغراق البلاد في أزمة حكومية مفتوحة.
على أن الأوساط ترى أن هذه الاستنتاجات الخاطئة التي جرى تعميمها خلال اليومين الماضيين من "الجهات" المتضررة من تجديد مفاعيل ما يسمى "الهدنة"، انما هي (الاستنتاجات) إشارة واضحة الى انزعاج هذه "الجهات" من الرسائل السورية التي أبلغت الى المسؤولين اللبنانيين ومفادها امتناع دمشق عن التدخل بعد الآن، وتشديدها على أن يتخذ المسؤولون اللبنانيون المواقف التي تقتضيها المصلحة العامة، هو انزعاج أراد المعنيون به الارتكاز الى خلفيات وهمية لكلام الحريري في "المشرف".
ولا تخفي هذه الأوساط توقعها أن تتواصل عمليات "الترويج" و"التزوير" في موازاة المواقف الصادرة عن مراجع رسمية ومقربين منها تكشف ان أصحابها (المواقف) ليسوا في وارد الاستكانة على الرغم من كثرة الثرثرة حول حراجة الظروف ودقتها، الأمر الذي يعني ان ثمة أعصاباً "محروقة" في مكان ما، يسعى أصحابها الى استعجال البت بوجهة التطورات داخلياً لمصلحتهم أياً تكن النتائج على البلد وهذا ما يسعى الحريري بالضبط الى تجنبه أي النتائج التي تترتب على البلد في شتى الميادين جراء "الأعصاب المحروقة"، ما يكشف في واقع الأمر من يريد استخدام اسم سوريا في التعبير عن مواقف سياسية داخلية ومن لا يريد ذلك.
وتختم الأوساط بالتشديد على أن المنعطف الاستراتيجي الخطير الذي دخلته المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية بعد التطورات الدراماتيكية في فلسطين في ضوء السياسة المتطرفة المنفلتة في إرهابها لارييل شارون، بات (المنعطف) يفرض نفسه، وفي ظله يُختبر الناس، بين ضيقي الأفق وواسعيه، بين "المحرتقين"، على طريقة أصحاب الاستنتاجات الخاطئة، والواثقين من مواقفهم ودقة احتسابهم لمصلحة البلد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.