لماذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ جريمة اغتيال قائد حركة "حماس" وزعيمها "الروحي" الشيخ أحمد ياسين في غزة أمس؟
عن هذا السؤال تجيب أوساط فلسطينية مطّلعة، محدَّدةً مجموعة من الأسباب والاعتبارات.
أوّلاً ـ لا شكّ من وجهة نظر الأوساط الفلسطينية في أن جريمة اغتيال الشيخ ياسين تحصل في ظلّ حرّية مطلقة معطاة لرئيس الحكومة الإسرائيلية آرييل شارون من قبل الولايات المتّحدة بأن يفعل ما يشاء على الصعيد الفلسطيني، وصولاً الى تصفية القيادات الفلسطينية والرموز الوطنية من بينها خاصّة، بعد ان قام شارون بمحاصرة القيادة الشرعية المنتخبة ممثّلة بياسر عرفات في رام الله. وبهذا المعنى، فإن اغتيال ياسين يأتي ليؤكّد أن ليس ثمّة خطوطٌ حمرٌ أمام شارون.
ثانياً ـ وإذا كان ممّا لا شك فيه أيضاً أن السياسة الأمنيّة التي تتّبعها إسرائيل حيال المسألة الفلسطينية سجّلت إخفاقات طيلة المرحلة المنصرمة منذ اندلاع الانتفاضة في أيلول من العام 2000، وآخر هذه الإخفاقات العمليّة الفدائيّة المشتركة بين "كتائب عز الدّين القسّام" التابعة لـ"حماس" و"كتائب شهداء الأقصى" التابعة لـ"فتح" في ميناء إيلات، فمما لا شك فيه أن الحكومة الإسرائيلية باغتيالها ياسين تعتقد أنها تردّ "الاعتبار" من ذلك الخرق الفلسطيني للأمن الإسرائيلي في عمقه، على الرّغم من "جدار الفصل" الذي لم يجلب لإسرائيل أمناً. وفي هذا السياق تذكّر الأوساط الفلسطينية بأنّ قرارات مشابهة باغتيال قيادات فلسطينية كبيرة اتّخذت عندما أثبت الفلسطينيون قدرتهم على اختراق الأمن الإسرائيلي في العمق، وهذا ما حصل بعدما نفّذت "فتح" عملية ديمونا بين أواخر العام 1987 وبداية العام 1988، إذ عمدت إسرائيل إذذاك الى اغتيال الشهيد خليل الوزير "أبو جهاد"، وهذا ما حصل بعدما نفّذت "الجبهة الشعبية" عملية اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي في القدس، فكان قرار إسرائيل اغتيال الشهيد أبو علي مصطفى قائد الجبهة.
عقدة الانسحاب المذلّ من جنوب لبنان
ثالثاً ـ على أن الأوساط نفسها التي أشارت الى السببين الآنفين وراء جريمة اغتيال ياسين، تسأل: ما علاقة اغتيال قائد "حماس" بما يجري تداوله منذ فترة عن مشروع انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة؟ وعن هذا السؤال تجيب بالآتي:
أ ـ ان إسرائيل التي تلاحقها "عقدة" الانسحاب المذلّ من جنوب لبنان في أيار من العام 2000، ترغب في حصول انسحابها من غزة وسط بحر من الدماء من ناحية، وفي ظلّ أوسع تدمير للبنية السياسية الفلسطينية من ناحية ثانية، وعلى أساس تحقيق إنجاز سياسيّ معيّن سيتم تسليط الضوء عليه بعد قليل من ناحية ثالثة.
ب ـ إن مشروع الانسحاب الإسرائيلي من غزّة يقترن من زاوية حكومة شارون بشرطين مُعلنين بحسب المعلومات المتوافرة: الأول عدم تنسيقه (الانسحاب) مع السلطة الفلسطينية رئيساً وحكومةً تحت عنوان أن ليس ثمّة "شريك فلسطينيّ" مؤهّل لهذه العملية، والثاني أن تتولّى مصر ضبط الوضع الأمنيّ مباشرة في القطاع. وفي المعلومات المتوافرة أيضاً أن الجانب المصريّ لا يزال يرفض الاضطلاع بأيِّ دورٍ في غزّة بمعزل عن التنسيق مع الفلسطينيين، وان هذا الأمر سيكون موضوع بحث مصري ـ أميركي ـ إسرائيلي على مستوى القمّة في واشنطن خلال الأيام الأولى من شهر نيسان المقبل، أي بعد القمّة العربية في تونس التي يفيد بعض المعلومات أنها ستفعّل المبادرة العربية بعد "تنعيمها"باتجاه الاقتراب بها من "وثيقة جنيف"غير الرسميّة.
دور ياسين في الوحدة الوطنية
ج ـ بالعلاقة مع مشروع الانسحاب الإسرائيلي من القطاع إذاً، فإن اغتيال الشيخ أحمد ياسين يندرج ليس فقط في إطار تصعيد خطة التصفيات وإفراغ الوضع الفلسطيني من القادة التاريخيين، بل تمهيد الطريق أمام الانسحاب بالشرطين المذكورين.
فالشيخ ياسين كما يقرأه المتابعون للساحة الفلسطينية يتمتع بمميّزات عدة: فهو فضلاً عن دوره في "حماس" ومحطّاتها كافة، رمزٌ يتجاوز الحدود التنظيمية للحركة الى الإطار الوطني العام أوّلاً، وهو من موقعه الملتزم ذو عقل "مرِن" بمعنى قدرته على استيعاب "المرحلية" في النضال الفلسطيني ثانياً، وهو على علاقة جيّدة بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ثالثاً، وهو الدافع باتجاه مزيد من الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني رابعاً، وهو لا يقدّم المشروع السياسي لـ"حماس" بوصفه مشروع سلطة بديلة من السلطة القائمة ولا موازية لها خامساً، وهو لكلّ ذلك إحدى أبرز الضمانات في وجه أيّ مشروع فتنة داخلية "قد" تجد بفعل التناقضات والصراعات هنا وهناك جسرَ عبورٍ لها.. سادساً. ذلك أن معلومات توافرت أيضاً عن سعي بعض الأمنيّين الفلسطينيين في موازاة الكلام عن انسحاب إسرائيلي من غزة، الى تجميع قوات بهدف فرض أمر واقع على هذه المنطقة الفلسطينية، بالتمرّد على الرئيس عرفات، وقد حصلت حوادث في هذا الاتجاه في الآونة الأخيرة تؤشرالى تصفية حسابات داخلية.
من هنا فإن إقدام إسرائيل على اغتيال زعيم "حماس" يهدف بالدرجة الأولى الى هزّ المعادلة السياسية الفلسطينية بما يؤدي الى منع ترتيب البيت الفلسطيني ضمن الوحدة الوطنية، والى منع تحوّل غزة قاعدة ارتكاز للنضال الوطني باتجاه الدولة الفلسطينية المستقلّة، لأن أقصى ما يظهر من مشروع الانسحاب الإسرائيلي هو جعل "غزّة أوّلاً غزّة أخيراً". وإذا كان الشرط الإسرائيلي أن تتولى مصر وضع القطاع، كما تفيد المعلومات، فليس معلوماً ما ينتظر الضفّة في ظلّ الجدار العنصري.
عرفات هدف ثانٍ
رابعاً ـ وفي تقدير الأوساط الفلسطينية انه إذا كان اغتيال الشيخ ياسين ينطلق من الحسابات الإسرائيلية المذكورة أعلاه، وإذا كان يكتسب كل الدلالات والأبعاد السياسية الآنفة، فإنه لا بدّ من أخذ التصريحات الإسرائيلية بشأن "أبو عمار" على محمل الجدّ، لاسيما أن ما تتضمّنه من تهديدات للرئيس الفلسطيني يقترن بخطط باتت معدة لتصفيته وتنتظر القرار السياسي الإسرائيلي.
وتلفتُ الى أن إسرائيل تعتبر أن إبقاء عرفات مُحاصَراً في "المقاطعة" في رام الله لم يعد كافياً لأنه لا يزال مؤثّراً وممسكاً بشطر مهمٍّ من الخيوط في الوضع الفلسطيني. وترى الأوساط نفسها أن استهداف عرفات بالقتل لم يعد مستبعداً في أي وقت، طالما أن المطلوب إسرائيلياً إخلاء الوضع الفلسطيني من "رجال أوائل"، وطالما أن الهدف هو الوصول الى "دولة" لا تكون بمستوى المطلب الوطني الفلسطيني.
خامساً ـ وتؤكّد الأوساط أن تعاطي عرفات والسلطة و"فتح" و"كتائب الأقصى" مع اغتيال ياسين بوصفه استهدافاً لهم جميعاً يقرّب "السكّين" الإسرائيلية من عنق "أبو عمار"، وتعاطي "حماس" مع كل هؤلاء على أساس أن "المصيبة" واحدة، إن كلّ ذلك ينبغي أن يستمرّ بعد غياب مؤسس "حماس" الذي نجح في أن يظهر أقصى "الاعتدال" و"الحكمة" عندما يتعلّق الأمر بالوحدة الوطنية.
.. ونصر الله أيضاً
سادساً ـ ويتعزّز الكلام السابق عن عدم استبعاد استهداف "أبو عمار" بعد الشيخ أحمد ياسين، من واقع أن الإثنين لعبا دوراً كبيراً في ضبط العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية ومنع الفتنة الداخلية، ولذلك، فإن إسرائيل ستكون بعد اغتيالها الشيخ في موقع مراقبة ردود الفعل على ما جرى. ومع توقّع ردود فعل فلسطينية "كبيرة" على الاغتيال، تنتظر الأوساط الفلسطينية أن يتماسك الوضع في الضفة والقطاع أكثر فأكثر.
سابعاً ـ أما في ما يعني لبنان، وإذا كان هذا الوضع سيكون موضع متابعة خلال الساعات والأيّام القليلة المقبلة لجهة ردود الفعل المحتملة على ما جرى في غزّة، لا سيّما أن إسرائيل تراقب ردّ الفعل من لبنان على ما تذكر الأوساط التي تضيف أن حكومة شارون ترغب في التعرّف الى موقف "حزب الله" من هذا الاختبار، فإن الأوساط الفلسطينية المطّلعة لا تستبعد في السياق نفسه عملاً إسرائيلياً أمنياً كبيراً ضد "حزب الله" وبالتحديد ضدّ أمينه العام السيد حسن نصر الله، وتقول إن معلومات أمنية توافرت لديها في هذا الاتجاه قد أُبلغت الى الحزب. وفي رأي الأوساط أن الربط إسرائيلياً بين ياسين وعرفات ونصر الله قائم، لا سيّما من منظور "مشروع غزّة"، وطالما أن مع شارون "كارت بلانش" على صعيد التصفيات.
وتختُم بالتشديد على ضرورة الحذر الكبير حيال المنعطف الخطير الذي تأتي جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين في سياقه، وعلى أية حال فانّ لبنان دخل أمس طوراً جديداً في ظلّ التطورات المتسارعة جنوباً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.