8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عون يتلقّى عرضاً من "فريق السلطة" بمواجهة الحريري في بيروت مقابل دعمه خارجها

ماذا يدور في ذهن العماد عون في "مناسبة" الانتخابات البلديّة؟
سؤال تكرّر في الآونة الأخيرة في أوساط سياسيّة متنوّعة تراقب التناقض الكبير بين ما يعلنه "الجنرال" من مواقف وتوجّهات سياسيّة في الإطار العام من جهة والممارسة الميدانيّة تجاه الاستحقاق البلديّ من جهة أخرى.
وبحسب الأوساط، يتجلّى ذلك التناقض بين ما يعلنه وما يمارسه في عددٍ من العناوين الرئيسيّة. فبينما يعتبر قائد "التيّار العونيّ" نفسه "أباً شرعيّاً" لما يسمّى "قانون محاسبة سوريّا واستعادة سيادة لبنان" الذي ينطلق في أحد أبعاده من اعتبار "حزب الله" منظمة "إرهابية" كما يقول الأميركيون، وفي وقت لم يُسمع للعماد موقف يميّز بين المقاومة و"الإرهاب" أو يعلن التضامن مع الحزب حيال ما يستهدفه أو يبدي الاستعداد لاحتضانه بوصف الحزب جزءاً لا يتجزأ من النسيج اللبناني والاجتماع السياسيّ في البلد، على غرار ما يتصرّف غيارى كثيرون من المعارضة المسيحية، تتأكد المعلومات عن "استقتال" الجنرال في السعي الى تحالف مع "حزب الله" تنبثق عنه لوائح في عدد من بلدات بعبدا الساحليّة.
وفي حين كان لعون موقف مزايد على الولايات المتحدة في الحرب على العراق، ذهب الى حدّ الإعلان الصريح عن الرهان على الانتصار الأميركي في العراق، خلافاً للموقف المسيحي الذي عبّر عنه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الذي رأى في تداعيات الحرب أخطاراً كبيرة على المنطقة ككل وعلى المسيحيين بشكل خاص، تتأكد المعلومات ايضاً عن اندفاعه للتحالف في بيروت مع أحد المقرّبين من النظام العراقي السابق ممّن أقاموا علاقة متعدّدة الأوجه مع الحاكم العراقيّ المخلوع.
وفي الوقت الذي ينعت السلطة بأقذع النعوت وصولاً الى اتهامها بـ"العمالة" لنظام "الوصاية" كما يقول، لا يتردّد عون وفقاً لمعلومات مؤكدة في استقبال عروض من "فريق السلطة"، كان آخرها قبل أيّام قليلة عرض بالتحالف مع القوى والجهات المناوئة لرئيس الحكومة رفيق الحريري في بلديّة بيروت في مقابل أن يعطيه "فريق السلطة" في أماكن أخرى، نظراً الى ما تعنيه معركة بيروت بالنسبة الى هذا الفريق، وفي الممارسة لا شيء ينبئ حتى الآن برفضه هذا العرض. كذلك تفيد المعلومات ان الخط مفتوح بينه وبين "فريق السلطة" في منطقة المتن الشمالي ممثّلاً بآل المرّ
الخنجر المسموم في جبيل وجونية
وإذ تكتفي الأوساط نفسها بهذا القدر إظهاراً لـ "التناقض" بين القول والفعل عند العماد عون، وإذ لا تستبعد أن يأتي من يعلن هذه المعلومات في مانشيت بصفحة كاملة على الصفحة الأولى من إحدى الصحف، كما حصل سابقاً بعد الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه في أيلول من العام الماضي، تعزز الأوساط شكوكها بالجنرال عبر ملاحظة مسكله حيال أطراف المعارضة المسيحية.
فبعد استقباله عضوي "لقاء قرنة شهوان" النائبين فارس سعيد ومنصور البون في باريس، وقد ذهبا اليه لتنسيق معركة المعارضة في البلديات، ولاعطاء هذه المعركة بعدها السياسي المعارض التغييري، سدد عون طعنتين في جبيل وجونية، إذ سارع الى محاولة فرض أمر واقع
فيهما. والغريب هنا لا يكمن في إعلان التحالف بين "التيار" وعميد "الكتلة الوطنية" كارلوس اده الذي لا يذهب أحد الى التشكيك في إرثه السياسي، بل الغريب ان عون الذي يحمل حقداً قد يكون مفهوماً على الرئيس أمين الجميل. والذي ربما يرى ان ثمة فرصة لـ "الثأر" من الجميل الذي لم يقف بجانب مرشحه في بعبدا ـ عاليه، ان عون لا يحقد على إده الذي وقف من انتخابات المتن الفرعية موقفاً متعارضاً مع دعم عون لغبريال المر في معركة فاصلة آنذاك بين المعارضة والسلطة، والذي انسحب من "قرنة شهوان" في نفس الوقت تقريباً الذي كان يتم إبطال نيابة غبريال المر.
الخطوط المفتوحة متنياً
طبعاً ليس المقصود أن يحقد عون على اده، بل المقصود هنا تبيان التناقض السلوكي في ممارسة الجنرال، الأمر الذي لا تفسير له الا الخطوط المفتوحة مع "فريق السلطة"، وربما ما هو أكثر من مجرد خطوط مفتوحة، أي التصرف بما يؤدي الى سقوط المعارضة في أماكن قد يكون"التيار" فيها مرجحاً. وطبعاً، ليس المقصود بالكلام عن تناقضات الجنرال، اطراف يسعى اليها عون، وإن كان المقصود بطبيعة الحال الكشف عن "لعبة" تتكرر بين عون و"فريق السلطة" بهدف يستفيد منه هذا "الفريق" في المطاف الأخير.
"القوات"
بعد هذه المقدمات بما تنطوي عليه من معلومات، تصل الأوساط الى صوغ الملاحظات والاستنتاجات السياسية الآتية:
أولاً ـ لا مقارنة على الإطلاق بين ما يقوم به الجنرال مما لا يرضي كامل تياره، وبين الأداء المعارض الجدي الذي تلتزمه "القوات اللبنانية" على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها هذا "التيار" في ظل ضغوط "فريق السلطة" عليه، وهي ضغوط لا تحجب حقيقة ان "القوات" لا تزال التيار الحزبي المسيحي الأكثر شعبية.
عاصم سلام
ثانياً ـ ان ما تقدم، خصوصاً لجهة المعلومات عن عرض تلقاه عون بخصوص مقايضة بيروت بأماكن أخرى، يهدف الى إنارة الشخصية الإسلامية البارزة النقيب السابق للمهندسين عاصم سلام، حول ما يجري. فالمهندس سلام الذي يسعى اليه عون لا بد أن يحسم بعدم التحالف مع عون، وهو على أي حال لم يعط موافقته على ذلك حتى الآن، ذلك انه معني بالحسم سلباً من زاويتين على الأقل: الأولى أنه شخصية معارضة منسجمة مع نفسها وهي معارضة للرئيس الحريري قدر معارضتها لـ "فريق السلطة"، والثانية ان سلام عضو مؤسس في "حركة التجدد الديموقراطي" المعارضة، في وقت يبدو ان انفتاح عون على "فريق السلطة" في المتن الشمالي يصيب مباشرة رئيس الحركة النائب نسيب لحود.
ثالثاً ـ ان المقدّمات الآنفة إذ تفيد بـ"ميوعة" الطابع المعارض لأداء الجنرال وبـ"المفارقة" الكبيرة بين المواقف والممارسات، تسلّط الضوء على غاية دفينة لديه، هي احتكار المعارضة واختصارها، أو إلغاء أيّ معارضة أخرى... حتى بـ"واسطة" أساليب مشكوك في صدقيّتها. ولعلّ تجاهل "القرنة" أو "الانتي قرنويّة" أو المسافة الحادة الفاصلة عن سائر المعارضات... كلّ ذلك يفسّر عدم تقدّم المفاوضات بين عون و"قرنة شهوان" في أماكن ثلاثة: المتن وجبيل وكسروان.
الفرص المهدورة
رابعاً ـ والأهم، هو ان الجنرال لا يزال بالرغم من اختلاف الظروف، اختصاصيّاً في إضاعة الفرص. ذلك ان الانتخابات البلديّة تشكّل خاصّة في الظروف الحالية، فرصة لتحقيق نوع من "اللحمة" بين تيّارات المعارضة كافة بدءاً من الأقرب، ولتحقيق تواصل مسيحي ـ إسلامي بالغ الأهميّة. ولعلّ الجنرال عون هو من بين الجميع، الأكثر حاجة الى ذلك ومصلحته بحدوثه، لكنه يهدر فرصة ثمينة كما يبدو حتى الآن.
وبعد الإجابة عن السؤال المطروح في مطلع هذه السطور، ثمة سؤال آخر مطروح على العماد نفسه: هل تشكل السطور السابقة "صدمة" له فيعدِلَ ليعتدل؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00