8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بعض القراءات المتسرّعة يخطئ في تقدير حصول استنفار شامل ضدّ الحريري

في وقتٍ يكتسب الاستحقاق البلديّ ككل أبعاداً سياسية فعلية، وفيما يبدو واضحاً سلفاً أن المنسوب السياسي سيكون عالياً جداً في المعارك البلدية في عدد كبير من المناطق، لا يخفى أن المعركة في بيروت اتخذت مسبقاً طابعاً سياسياً مطلقاً في ظل الحملة المتشنّجة التي تنخرط فيها جهات وأطراف عدّة بقيادة فريق السلطة ضدّ رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري.
وإذا كانت دوافع تلك الحملة معروفة واستهدافها لموقع الرئيس الحريري كذلك، فإن في المقابل ثمّة تبسيطاً سياسياً في مقاربة البعض لـ"معطيات" المعركة في العاصمة، الى حدّ أن من يعنيهم حصول اصطفاف شامل ضدّ الحريري بحيث تصبح المعركة ثنائية بين رئيس الحكومة من جهة وكل الآخرين من جهة ثانية، يضيّعون البوصلة تماماً فيخلطون شعبان برمضان، من غير تدقيق في تلاوين المواقف.
وعلى أيّ حال، وبصرف النظر عن مآل "مساعي" تشكيل لائحة "مواجهة" ضدّ تيّار الحريري، ومن دون غوص في التوقّعات لنتائج المعركة خصوصاً عندما يجري استنفار "انتي حريري"، فإن التدقيق واجب في مواقف القوى الآتية: "حزب الله" و"الجماعة الإسلامية" على الضفّة الإسلامية، و"التيّار العونيّ" و"القوّات اللبنانية" على الضفّة المسيحية، وذلك قبل أن تتّخذ كل الأطراف من دون استثناء قراراتها النهائية.
"حزب الله"
بالنسبة الى "حزب الله" أولاً، والذي لم يتّخذ قراراً رسميّاً بخصوص البلديّة في بيروت بالرغم من أنه كان ممثلاً في المجلس البلدي الحالي بأحد أعضائه وتلّقى عرضاً من الحريري قبل مدة بتجديد تمثيله على اللائحة التي يدعمها، فإن الاحتمالات جميعها لا تزال واردة لديه. فهو بحسب متابعين يفضّل خيار التوافق الواسع ويسعى اليه، لكنه لا يستبعد نظريّاً احتمال المشاركة في لائحة تنافس تلك المدعومة من الحريري، كما لا يُسقط احتمال الترشّح المستقل، وهو في صدد تقليب الأمور من جوانبها كافة ليتّخذ قراراً يأخذ في الاعتبار اللحظة السياسية ومصلحة الحزب في إطار هذه اللحظة كما يقدّرها.
بيد أن المتابعين لتجربة الحزب في العمل السياسي في العديد من مستوياته، يعتبرون أن "أبغض الحلال" عنده الانجرار الى معارك سياسية خصوصاً إذا كانت من طبيعة "كسر العظم" لأن من شأنها من وجهة نظره أن تجرّح موقعيّته التي يحرص عليها. وبهذا المعنى، فإن خيار الانخراط في لائحة "مواجهة" ضدّ الحريري، ليس سلفاً خياراً "مستحبّاً" بالنسبة اليه، وإن كان لا شيء مقفلاً "نظريّاً".
ويرى المتابعون أن التريّث الذي يبديه "حزب الله" في اتخاذ قراره الأخير، يعود الى أنه يحسب جيداً مجموع "الحساسيّات" في بيروت، وهو لا يرى مصلحة في خوض معركة هي حادة بالتعريف، من شأنها أن تخلّف حساسيّة شيعيّة ـ سنّية لا تحتملها الظروف العامة ولا الظروف الخاصة بالحزب ولا هي في تراثه على امتداد العقدين ونيّف من وجوده التنظيمي. وإذا كان صحيحاً أن العلاقة بين الحزب والرئيس الحريري اعترتها خلافات كثيرة اتخذت طابعاً حاداً في عدد من الأحيان، فالصحيح أيضاً أن الحزب يحسب بدقّة قوة الحريري ويتجنّب مناطحتها خصوصاً في بيروت. والى ذلك يضاف أن "حزب الله" لا يرى مصلحة في توليد حساسيّة شيعيّة ـ مسيحية لا مبرّر لإثارتها، فضلاً عن حساسيّات أخرى متشعّبة.
لذلك، يبدي المتابعون اعتقادهم أن المسارعة الى وضع "حزب الله" في خانة التحالف "المعادي" للحريري، ليست في محلّها، ولا هي تُدخل في اعتبارها حسابات الحزب نفسه، في وقت لا مصلحة لأحد في دفعه باتجاه معيّن، ويقدّرون أن الحزب إذا تعطّل التوافق العام كما يبدو حتى الآن، قد يعمد الى خيار الترشّح خارج أي لائحة، وهو احتمال يراه المتابعون منطقيّاً.
"الجماعة الإسلامية"
أما بالنسبة الى "الجماعة الإسلامية"، ومع أنها تتريّث في اتخاذ القرار النهائي، فإن موقفها يشبه موقف "حزب الله" الى حدّ كبير. فـ"الجماعة" التي كانت ممثّلة في المجلس البلدي الحالي للعاصمة، لا تزال تفضّل التوافق، حتى ان أوساطها تقلّل من وزن أي تحالف يواجه الحريري فضلاً عن قراءتها للكمّ الكبير من التناقضات في إطار التحالف المعروض تحت عنوان "المواجهة"، ولا تزال أوساطها تعتقد أن الكلام عن تحالف مواجه لرئيس مجلس الوزراء يدخل في باب الضغط عليه لـ"تطويع" لائحته، وتستبعد في الوقت نفسه أن ينضمّ ممثلون جدّيون للبيئة المسيحية الى لائحة ضدّ الحريري.
وموقف "الجماعة" يتشكّل برأي المتابعين على أساس عدة عوامل: فهي وإن كانت تختلف مع الرئيس الحريري حول أمور عدة، فإنها تحرص على عدم التصادم لا بل تسعى الى حصول تنسيق معه، وهي حريصة أيضاً على أن تبرز موقعها الإسلامي المعتدل، وتؤكد أوساطها باستمرار أن لها اعتدالها كما للحريري اعتداله... وهي قبل إنتاج "ميثاق العمل الإسلامي" الأخير وبعده تبدي تشديداً واضحاً على العيش المشترك وعلى "اللبننة" بمعنى الانتماء الى وطن تعدّدي. ولكلّ هذه الأسباب، يعتبر المتابعون أن "الجماعة" إن لم تكن ممثّلة في اللائحة التي يدعمها الحريري، فليس محتّماً أن تكون في اللائحة المواجهة، وربّما إذا تبلور خيار "حزب الله" باتجاه الترشّح خارج أي لائحة، تتّخذ "الجماعة" الموقف نفسه، وربّما تشكّل تحالف بينهما، وقد أدّت في الفترات السابقة دوراً ايجابياً لصالح علاقة الحزب بالوضع السنّي.
عون
وبالانتقال الى الضفّة المسيحية، بدءاً من "التيّار العونيّ"، فإن موقفه على قدر كبير من الوضوح في ما يتعلق بالعاصمة، بين رفضه دعم ما يسمّيها "لائحة السلطة"، أي لائحة الحريري من وجهة نظره، ورفضه دعم اللائحة المناهضة للرئيس الحريري التي يرى فيها "لائحة أمنية"، وكلّ ذلك من منطلق قراءته للواقع اللبناني بعد الطائف، ولواقع المعارضات على الخارطة السياسيّة.
ويلوّح "التيّار العونيّ" منذ مدّة بما يسمّيه "الحل الثالث" في بيروت، أي تشكيل لائحة ثالثة. غير أن ثمة من التقى العماد ميشال عون أخيراً في باريس، وسمع منه كلاماً مفاده أن موقف "التيّار" في مناطق الاختلاط مثل بيروت، سيلتزم خطاً أحمر هو العيش المشترك، أي أن قيام لائحة يدعمها "التيّار" مرهون بمدى القدرة على تشكيلها بين مسلمين ومسيحيين. وعلى هذا الأساس، يعتقد المراقبون أنه في حال تعذّر تحقيق هذا "الشرط المانع" بالنسبة الى الجنرال، فإن ثمة احتمالاً لأن يخوض تيّاره المعركة البلديّة بترشّح مستقلّ.
"القوّات"
أما "القوّات" التي تتريّث في إصدار موقف نهائي في هذا المجال، فإن مصلحتها "السياسيّة" بصرف النظر عن قوّتها الانتخابية، تقضي على ما يقول العارفون بعدم إسقاط أي فرصة تتيح لها إمكان البروز كطرف غير مغلق على الآخر، أو فرصة تشجّع الآخر على كسر "الحاجز" بينه وبينها. و"القوّات" التي تعدّ نفسها بحسب متابعين لها، لتجديد الانطلاقة السياسيّة في المرحلة المقبلة، لا تبدو من موقع ما تمثّله مسيحياً ومن موقعها ضمن المعارضة المسيحية، معنيّة بـ"المواجهة" أو بالشطر الأكبر من قوى هذه المواجهة ضدّ الحريري. وعليه لا يستبعد المراقبون الترشّح المستقلّ أيضاً.
خطأ إسقاط الإشكاليات.. وطبيعة المرحلة
ثمّة عناوين كثيرة يمكن طرحها بمناسبة الحديث عن المعركة البلديّة في بيروت. بيد أن ما تقدّم هدف الى تسجيل الملاحظات الثلاث الآتية:
أولاً ـ إن احتساب القوى الآنفة في الخانة ضدّ الحريري، أي في لائحة مواجهة له، ينطوي على تبسيط سياسيّ إن لم يكن على سذاجة سياسيّة.
ثانياً ـ إن مقاربة هذه القوى بمقياس المسافة بينها وبين الرئيس الحريري فقط تمثّل سقطة كبيرة ليس فقط لأن هكذا مقاربة تتعمّد إغفال المسافة التي تفصلها عن القوى المناوئة لرئيس الحكومة، بل لأنها تتجاهل الإشكاليات المتعدّدة الأبعاد التي تتحرّك هذه القوى في إطارها.
ثالثاً ـ إن المعركة البلديّة في كل المناطق لكن في بيروت أساساً، تعني هذه القوى من زاوية "الصورة" التي ستقدّمها عن نفسها ومن زاوية النتائج التي يمكن أن تحصدها، بصرف النظر عن مقياس التحالف مع الحريري أو معارضته، وكلّ ذلك بأفق المرحلة السياسيّة المقبلة حيث التموضعات محسوبة وحيث عدم القطع مع أحد ضروري.
وبعد ذلك، لا شكّ أن المعركة البلديّة في بيروت حسّاسة بمنسوبها السياسي العالي، ولن تكون بلا خلاصات سياسيّة، وإذا كان الاستنفار على معيار "ضدّ الحريري" يعطي نتائج عكسيّة، فأخذ كلّ ما ذكر آنفاً في الاعتبار يوضح أن حسابات البعض خاطئة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00