يكرّر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط علناً وفي مجلسه الخاص أن ثمة "عاصفة" تمرّ على المنطقة وأن لها تداعيات خطيرة. ويشرح ذلك بالقول إن الولايات المتحدة في صدّد مشروع عنوانه إعادة هيكلة منطقة الشرق الأوسط، تقع الحرب على العراق والضغوط المسلّطة على سوريا في سياقه.
ويذكّر جنبلاط في هذا الإطار بمقابلة أجريت مع أحد أركان "البنتاغون" دوغلاس فيث في صحيفة "نيويوركر"، أطلق فيها هذا المسؤول الأميركي مقولة "إعادة الهيكلة"، ودعا الى سقوط ما سمّاه "الأنظمة الكليّة البعثية" في العراق وسوريا، واعتبر ان "القومية العربية نظرية مستوردة". ويشير الى أن هذه المقابلة التي أجريت قبل الحرب على العراق لا تزال تملك الراهنيّة على أساس أن "فكرتها" توجّه السياسة الأميركية.
وفي فهم جنبلاط لـ"إعادة الهيكلة" أنها تعني التفكيك والتفتيت ضمن الكيان الواحد، وفي تقديره أن ما جرى في العراق بعد ذلك في ضوء هذه المقولة يوضح أن أميركا أسقطت النظام في بغداد بالفعل، وأقامت الدولة الكردية في شمال العراق بالفعل أيضاً ومنحت الأكراد حقّ "الفيتو" ضمن العراق، وهي تسعى الى التفتيت المذهبي هناك. وإذ يعتبر أن التفكيك حصل ويحصل، يسأل جنبلاط: هل ينجح التفتيت المذهبي أيضاً؟
وفي قراءة الزعيم الاشتراكي للتطوّرات الإقليمية أن "الفوضى" سلاح في يد أميركا، بمعنى أن الولايات المتحدة تملك القدرة على إدارة الفوضى في وجه من يعارض سياساتها، كما أنها تستطيع التجاور مع "الفوضى" طالما أن قواتها تحتل رقعة المصالح الاقتصادية في المنطقة، وطالما أن هذه القوات تملك حريّة الحركة الاستراتيجية دفاعاً عن هذه المصالح.
بيد أن جنبلاط الذي يشدّد على أن الدولة الكردية قامت بالفعل في شمال العراق، يعتبر في الوقت نفسه أن أميركا في صدّد استخدام "الصاعق الكردي" ضدّ سوريّا، في موازاة تحريكها المسألة السياسية في سوريّا، وهو ينظر الى الأحداث التي جرت في منطقة القامشلي شمال سوريا قبل أيام، في موازاة التحركات الداخلية في دمشق وعدد من المدن، على أنها من وحي أميركي في "النطاق الاستراتيجي" في جانبها الرئيسي، وليس مستبعداً أن تقرن واشنطن تنفيذ عقوبات متضمّنة في ما يسمّى "قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان" بتحريك اللعب على حساسيات معيّنة في الداخل السوري، وكل ذلك ضغطاً على دمشق لتنفّذ المطالب الأميركية منها.
وفيما يبدو جنبلاط شديد التخوف على سوريّا مّما يستهدفها في سياق المشروع الأميركي لما يسمى "إعادة الهيكلة"، وفي وقت يتخوف من تداعيات كل ذلك على لبنان، وبينما يرشّح الضغوط الأميركية على دمشق للتصاعد داعياً الى التضامن معها مع أنه لا ينشد خيراً من النظام العربي، تؤكد مصادر ديبلوماسية غربية جزءاً مّما ذكره رئيس "التقدمي" لجهة أنّ الضغوط على سوريا ستشهد تصاعداً خلال الفترة المقبلة.
معلومات غربية: مشروع "غزة أولاً"
تشير هذه المصادر الى أنّ الإدارة الأميركية تستعد لتنفيذ عقوبات "قانون المحاسبة"، وإلى أنّ دخول الولايات المتحدة في مرحلة الانتخابات الرئاسية قريباً لن يثني الإدارة عن هذا التوجه، بل على العكس من ذلك، تعتبر أنّ الرئيس جورج بوش سوف "يحمل" المشكلة مع سوريا الى الانتخابات. على أن هذه المصادر تعتبر أن ما جرى أخيراً لا يعدو كونه جزءاً من الضغوط التي تصل الى "الحدّ الأقصى" بهدف جعل سوريّا تستجيب لما هو مطروح أميركياً مما يقع تحت العناوين المتضمنة في مشروع "الشرق الأوسط الكبير".
وتكشف المصادر الديبلوماسية الغربيّة أنّ ما يبدو إسراعاً من جانب واشنطن في ممارسة الحدّ الأقصى من الضغوط على سوريا، يعود الى تطور سياسي اقليمي "منتظر"، يتمثل في قرب إنجاز مشروع "غزة أولاً" من ضمن "خارطة الطريق" على المسار الفلسطيني، وهو ما سوف يتحدد بشكل نهائي خلال زيارة متوقعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون إلى الولايات المتحدة نهاية الشهر الجاري، وتقول إنّ هذا المشروع يمثل حاجة أميركيّة في المنطقة، وإنّ واشنطن لا ترغب في أن ترى ممانعة عربية له، وإن الضغوط على دمشق تتعلق بهذا الاعتبار الإضافيّ أيضاً.
دمشق ـ الرياض ـ القاهرة
في غضون ذلك، أي بين مخاوف جنبلاط من جهة وكلام المصادر الديبلوماسية الغربية من جهة ثانية، ينقل زوار دمشق ممن التقوا القيادة السورية الأسبوع الماضي، أن القيادة لا تنكر أنّ الأوضاع التي تواجهها سوريا "صعبة"، لكنها في المقابل لا تعتبر أنّ الأوضاع هذه "مطلقة الصعوبة" على قاعدة أنّ الولايات المتحدة لا تستطيع أن تضع المنطقة كلها فوق كتفيها.
على أنّ الزوار يلفتون الى عوامل رئيسية أخرى لا تجعل سوريا "هلعة" حيال التطورات. والعامل الرئيسي الأول الذي تتحدث عنه سوريا في هذا المجال هو العلاقة المتينة بينها وبين المملكة العربية السعودية والثقة العميقة بين القيادة السورية وولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، والعامل الثاني، في امتداد الأول، هو التنسيق السوريّ ـ السعوديّ ـ المصريّ، أي "المحور" الذي أدى تاريخياً دور بلورة محصلة الوضع العربيّ. أما العامل الثالث فهو الارتياح الكبير الذي تبديه القيادة السورية إزاء تطور العلاقة مع تركيّا، خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها قبل مدة الرئيس السوري بشار الأسد الى أنقرة، والتي انتجت تنسيقاً ملحوظاً، قاعدته الرئيسيّة الحرص السوريّ ـ التركي المشترك على وحدة العراق ورفض "فدرَلة" هذا البلد، لأن الفدرالية تمثل باباً خطيراً على سوريا وتركيا معاً.
قمة تونس.. والمحصّلة
ويفيد زوار العاصمة السّورية أنّ القيادة أبلغت القادة العرب أنّ القمة العربية المقبلة في تونس أواخر آذار الجاري، يجب ألا تخضع للمطالب الأميركية أي ألا تنعقد تحت وطأة الضغوط الآتية من واشنطن، وأن هذه القمة كي تكون مجدية لا بد أنّ تكون متحررة من المطالب وأن تبحث في سبل وقف التداعي العربيّ الرسميّ وأن تبت بـ"كلمة" عربية موحّدة أساسها المواقف العربية التي كان تأكيد عليها في قمم سابقة.
وفي تقدير زوّار دمشق أن سوريا التي تواجه ضغوطاً أميركية متصاعدة، "تحمي" نفسها بالموقف العربي، أي أنها تسعى الى رفع سقف محصّلة الموقف العربي ولا تسعى الى الخروج منه أو تجاهله، وبهذا المعنى فإن قمّة تونس تمثّل مفصلاً مهمّاً بالنسبة اليها ستزين على أساس مقرّراتها معطيات الوضع برمّتها.
بدورهم، يوافق مراقبون سياسيّون على الخلاصة التي انتهى اليها زوّار دمشق والمبنية على المعطيات التي سمعوها من القيادة السورية، أي أن سوريا تسعى الى تكوين محصّلة عربية تشكّل حماية لها وللوضع العربي ككل، محصّلة تتيح "موازنة" الضغوط وتسمح بـ"التعامل" مع الولايات المتحدة على نحو مختلف. ويضيف المراقبون أن قمّة تونس بهذا المعنى ستمثّل اختباراً لما إذا كان ثمّة إمكان لأن يخاطب "النظام العربيّ" أميركا بموقف بالمنحى المشار اليه سابقاً أو ما إذا كان هذا "النظام العربي" قد غدا أميركياً "يحمي" أطرافه بالتنازل أمام ما تدعو اليه واشنطن. ويختمون بالقول إن الوضع الدقيق يستوجب أقصى التضامن مع سوريا، ذلك أن لا قعرَ مرئياً لما يمكن أن يصل اليه "المشروع الأميركي" في المنطقة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.