طرح حديث وزير الداخلية والبلديات الياس المر الى برنامج "كلام الناس" أول من أمس، سؤالاً كبيراً في الوسط السياسي يتعلق بما إذا كان يحق لوزير في الحكومة أن يكون على هذا القدر من الجهل بالدستور وبميثاق الوفاق الوطني أو ما إذا كان يستطيع أصلاً ممارسة مهمّاته الوزارية على خلفية عدم المعرفة بالدستور.
سأل المر خلال الحديث: مقارنة بفرنسا والولايات المتحدة الدولتين الديموقراطيتين حيث يحقّ لرئيسي الجمهوريّتين السعي الى تجديد الولاية، لماذا لا يحقّ في لبنان لرئيس الجمهورية الماروني أن يسعى الى تجديد ولايته بينما يستطيع رئيس المجلس النيابي الشيعي ورئيس مجلس الوزراء السنّي البقاء في مركزيهما عشرين سنة؟ ولماذا يمكن للطائفتين في الرئاستين الثانية والثالثة أن تجدّدا بقاء ممثليهما فيهما؟
وعن أسئلة المر تجيب الأوساط السياسية بالآتي:
أولاً ـ انّ الدستور اللبناني يحدّد أن رئيس الجمهورية ينتخب من المجلس النيابي لولاية مدّتها ست سنوات "غير قابلة للتجديد".
ثانياً ـ انّ الدستور اللبناني يحدد أن رئيس المجلس النيابي ينتخب لمدة ولاية المجلس أي أربع سنوات بعد الانتخابات النيابية العامة، وان رئيس مجلس الوزراء يسمّيه رئيس الجمهورية بعد استشارات نيابية ملزمة ولا ولاية محدّدة زمنياً للحكومة ورئيسها لأن الدستور نصّ أيضاً على شروط ذهابها.
الوفاق الوطني .. والدستور
ثالثاً ـ انّ مارونية رئيس الجمهورية وشيعيّة رئيس مجلس النواب وسنيّة رئيس الحكومة، أمور من ضمن الوفاق الوطني الذي جرت صياغته على أساس وعي بحقيقة التعدّد الطائفي في لبنان وبمقتضيات إدارته على نحو سليم، وهو وفاق وطني يراعي التعدّد لكنه يرفض العدد، ولذلك كان من شروطه المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في جميع الأحوال.
رابعاً ـ انّ مجلس الوزراء هو بموجب الدستور سلطة المشاركة ولذلك قيل في الدستور والميثاق أن لا شرعيّة لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. ومجلس الوزراء هو سلطة المشاركة، والمشاركة تتحقّق بواسطة ممثلين للطوائف من قوى وشخصيات تكتسب شرعية هذا التمثيل امّا من خلال انتخابات نيابية ديموقراطية ونزيهة أو من خلال ثقة المجلس النيابي الذي تنتجه انتخابات ديموقراطية.
خامساً ـ والدستور يقول أن رئيس الحكومة هو رئيس مجلس الوزراء، وانّ رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة الذي ينفّذ قرارات مجلس الوزراء مجتمعاً ويتابع هذا التنفيذ عبر الوزراء ويمثّل الحكومة، وليس دوره "إدارة الجلسة" كما يقول المر، بل هو رئيس لكل الوزراء ويعطيهم التوجيهات. ورئيس مجلس الوزراء ليسَ "وزيراً أولّ" كما يراه المر، بموجب دستور الطائف، لأن الدستور لا يقول أن رئيس الجمهورية يعيّن الوزراء ويسمّي من بينهم رئيساً كما كان الأمر في دستور ما قبل الطائف، بل تشكيل الحكومة من صلاحية رئيسها المكلّف بموجب استشارات ملزمة لرئيس الجمهورية.
سادساً ـ عندما وزّع الميثاق الرئاسات الثلاث على الطوائف، فإنه توخّى أن يكون لكل منها دور في الوفاق الوطني، فرئيس الجمهورية الماروني ليس رئيس السلطة التنفيذية لكنه رئيس البلاد وفوق السلطات والحكَم بينها وحامي الدستور وراعي الوفاق، ورئيس المجلس الشيعي هو رئيس السلطة التشريعية وسلطة المراقبة والمحاسبة، ورئيس مجلس الوزراء السنّي هو رئيس السلطة التنفيذية الذي يتحمّل مسؤولية إدارة أعمالها ويحاسب على أساسها... وفي المجلس النيابي تتمثّل جميع الطوائف وتحضر القوى بعد الانتخابات، وفي مجلس الوزراء تتمثّل جميع الطوائف.. والقوى أو الشخصيات الحائزة رضى الفئات الأكثر تمثيلاً بعد الانتخابات.
سابعاً ـ أمّا في فرنسا فالحكم رئاسي، ورئيس الحكومة رئيس حزب الغالبية البرلمانية، وفي الولايات المتحدة الحكم رئاسي أيضاً ودستورا البلدين يسمحان بالتجديد ولاية ثانية، وليس في باريس رئيس ماروني ورئيس حكومة سنّي، ولا في واشنطن كذلك.
سأل المر: لماذا لا يستطيع رئيس الجمهورية الماروني أن يجدّد؟ والجواب في الدستور الذي لا يعتبر انتخاب رئيس المجلس أكثر من مرة في منصبه تجديداً لأن الأمر يحصل بنتيجة انتخابات نيابية تقرّر أحجام الكتل، ولا يعتبر عودة رئيس للوزراء الى رئاسة حكومة تجديداً لأنه قد يخرج ويعود ويمكن محاسبته. حتى رئيس المجلس يمكن طرح الثقة به بعد سنتين من بدء ولاية المجلس.. ووحده رئيس الجمهورية الذي لا يخضع للمحاسبة إلاّ في حالة الخيانة العظمى.
وتقول الأوساط أن "الدرس" الدستوري لوزير الداخلية يمكن أن يطول ويتشعّب لأن ما ذكره يكشف عن ضرورة تنظيم حلقات تثقيفية لعدد من السياسيين، والوزراء في الحكم بدرجة رئيسية. وتضيف أن ثمة اعتراضات كثيرة قد تطرح حيال الدستور وأن ثمة تعديلات كثيرة قد تكون ضرورية في ضوء الممارسة، بيد أن الأولوية تتعلق بكيفية توليد النظام ومؤسساته قبل أي شيء آخر، أي بكيفية إنتاج التمثيل السياسي بشكل طبيعي، فإذ ذاك فقط يمكن النظر في آليات الدستور بين جهات تم انتاجُها من "التربة"، وليس في "خيم بلاستيكية"، في ضوء تجربة تطبيق الدستور.
لماذا الغيرة على الرئيس الماروني؟
لكنها تلاحظ أن ما يطرحه المر لا يكتسب مصداقية، وذلك لأسباب عدة من بينها:
1 ـ أن الأسئلة التي أدلى بها تأتي في سياق مغرض، بمناسبة ترويجه للتجديد لرئيس الجمهورية، أي أن دعوته الى الشروع في تعديلات دستورية تتزامن مع مطالبته بالتجديد.
2 ـ وتستغرب الأوساط غيرة المر على "رئيس الجمهورية الماروني"، بمقياسين: الأول هو أن رئيس الجمهورية يرفض أن يكون ممثلاً لطائفته ويكرّر انه لا يريد شيئاً لنفسه، والثاني هو يعلن أن بطريرك الموارنة ما فتئ لأن أي تعديل للدستور مرفوض قبل تطبيقه نصاً وروحاً.
3 ـ غير أنها ومع استغرابها هذه "الغيرة"، ترى الأوساط نفسها أن عزف المر على الوتر الوطائفي، يعكس في آن مأزق علاقة الفريق الذي يمثّله بالبيئة المسيحية قاطبة، ومحاولة بائسة لاكتساب ثقة هذه البيئة على أبواب استحقاقات عدة لا شك أن هذا الفريق يدرك سلفاً أنه سيواجه خلالها معضلات شتى.
4 ـ والى ذلك تضيف أن المصداقية مطعونة لأن الفريق الذي يمثّله المر خصوصاً إذا كان هذا الفريق ينطلق من "المفهومية" الدستورية لوزير الداخلية، إنما مارس عدم احترام الدستور بشكل منتظم، ولا بد أن كشف الحساب مع قلّة احترام الدستور سيأتي يوماً.
عام 2000: الولد سر أبيه
5 ـ أما تبرير المر للأزمة السياسية ـ الدستورية بما سمّاه "انقلاب العام 2000"، فيضاف الى الثقافة الدستورية والميثاقية والديموقراطية المطعونة لدى الوزير. ذلك أن ما يسميه انقلاباً هو انتخابات نيابية أعطت النتائج المعروفة، بينما الأزمة التي تعيشها المؤسسات هي بالضبط نتيجة "انقلاب" فريقه على الانتخابات وليس بواسطة انتخابات. وتذكّر الأوساط الوزير بأن والده النائب ميشال المر هو الذي أشرف كوزير للداخلية على هذه الانتخابات ولم يستطع شيئاً أمام نتائجها، وأن جناحاً آخر ضمن فريق السلطة حمّله مسؤولية ما اعتبره هذا "الجناح" (الأمني) فشل إدارة الانتخابات على نحو أدى الى النتائج المعروفة، وأن الوزير نفسه أتى الى وزارته بعد إقصاء والده ثمناً للفشل المنسوب إليه، وتضيف الأوساط أن تسمية الديموقراطية انقلاباً ليست مستغربة في وقت ليس مشهوداً للآباء والأبناء بالديموقراطية.
6 ـ وتختم الأوساط بأن وزير الداخلية انضم بعد حديثه التلفزيوني الى قافلة من تصيب منهم الإطلالات الإعلامية مقتلاً، فالمر الذي كان هدفه على ما يبدو إعادة تقديم نفسه الركن الأبرز في فريق السلطة، أي "الأفهم" والأكثر حنكة وقدرة، لا سيما أنه كان يعتبر دائماً أن الوزيرين كريم بقرادوني وجان لوي قرداحي يُضعفان مواقف الفريق بأدائهما، لم ينجح في ما سعى إليه. وتقول أخيراً أن "تطييف" مطلب التجديد "حجّة" ضعيفة ولن تترك أثراً على التواصل الإسلامي ـ المسيحي في العناوين الأهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.