8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الكلام عن استئثار الحريري وتفرّده يستبطن لعباً خطيراً على الحساسيات

لماذا الحملة المتعدّدة الطرف على الرئيس رفيق الحريري في موضوع بلدية بيروت وإلامَ تهدف والى أين يمكن أن تصل؟
عن هذا السؤال "المركّب"، تتولى أوساط معنية الجواب وضعاً للنقاط على الحروف وكشفاً للكمّ الهائل من "العهر السياسي" في هذا المجال. وفي الجواب، تبرز المعطيات الآتية:
أولاً ـ انطلقت الحملة المنظمة والمنسّقة بعد الاجتماع الذي عقده الرئيس الحريري مع المجلس الحالي لبلدية بيروت، لتشوّه حقيقة ما قاله رئيس مجلس الوزراء خلاله. فهو إذ أعرب عن تثمينه لأداء المجلس البلدي خلال السنوات الست الماضية، أعرب عن اعتقاده أن المجلس الذي يضمّ مختلف العائلات الروحية والقوى السياسية في العاصمة، قابل للحياة تماماً لأنه وفاقيّ ومتوازن طائفياً وسياسياً، والكل تقريباً موجود فيه، حتى ان الحريري نفسه لم يحصد إلاّ عدداً محدوداً من مقاعده عبر من ينتمون الى تيّاره. ولم يقُل الرئيس الحريري أنه يريد فرض التركيبة الحالية للمجلس، ولم يدعُ الى إغلاق الباب أمام حصول انتخابات بلدية في بيروت وإن كان على خلفية تقويمه للبلدية قال "هؤلاء أبنائي آتوني بمثلهم".
قامت قيامة الحاملين تحت عنوان الاستئثار والانفراد، و"الأطرف" أن هؤلاء ركّزوا على عدم التشاور، لكأنّ إبداء الرأي بات يحتاج الى إذن خاص أو لكأنّ المطلوب أن ينسّق المرء رأيه مسبقاً مع آخرين، في حين أن المنطق يفترض أن يتم نقاش في ما طرح واقتراح البدائل. أما "الأعجب" في كل ما سُمع على هذا الصعيد أن الحاملين يهاجمون الحريري... ليتمثّلوا على لائحة يدعمها ولو فرضت عليه!
الوفاق والتوازن في المجلس الحالي
ثانياً ـ ان معاينة دقيقة لتركيبة المجلس البلدي الحالي تُظهر بوضوح أن العائلات الروحية كافة في العاصمة ممثّلة فيه: السنّة والشيعة والدروز والموارنة والارثوذكس والكاثوليك والبروتسنانت والأقليّات والأرمن، وتُظهر أن التمثيل السياسي ضمنه يتشكّل من: تيّار الحريري، أنصار النائب السابق تمّام سلام، "الجماعة الإسلامية"، "حزب الله"، "الحزب التقدمي الاشتراكي"، "القوات اللبنانية"، "الكتائب" (من جماعة بقرادوني)، أعضاء أرثوذكس جرى اختيارهم بالتنسيق مع الوزير السابق فؤاد بطرس والمرجعية الروحية لهذه الطائفة الكريمة، "الطاشناق"، "الهنشاق". وكانت اللائحة التوافقية تضمّ ممثلاً عن حركة "أمل" لم يحالفه الحظ، إضافة الى ممثل لآل بيضون من شيعة بيروت كان توافق بشأنه مع النائب السابق محمد يوسف بيضون وفاز، واخترقت اللائحة بعبد الحميد فاخوري الذي مثل في انتخابات ذلك العام الرئيس سليم الحص ومعارضين آخرين للرئيس الحريري.
ثالثاً ـ ان الحملة المنظمة والمنسّقة يقف وراءها "فريق السلطة" الذي لا يقول الحقيقة عندما يتحدّث عن استئثار الحريري وتفرّده. فالحريري حتى عندما يطرح قابلية التركيبة الحالية للمجلس البلدي في بيروت للحياة، وعندما يطلب من ممثلي جهات سياسية في المجلس مراجعة قياداتهم بشأن هذا الطرح. فهو لا يدعو الى تحكيم الأكثرية الطائفية العددية، ولا يطلب إمساك تيّاره بقرار البلدية، لا بل تكاد التركيبة الحالية تكون نسخة مصغّرة عن حكومة وفاق وطني، في وقت هي بالفعل سلطة وفاق وطني محلية لم يُسمع للمتحاملين اليوم أي رأي مخالف لذلك خلال السنوات الست الماضية. وأكثر من ذلك لم يطرح رئيس الحكومة استبعاد ممثلين لجهات كانت تلهث وراءه في فترة سابقة و"بُرمجت" في الآونة الأخيرة لتناصبه العداء، كما أنه لم يتعامل مع الاستحقاق البلدي كأنه استحقاق نيابي، سياسي صرف، ليقرّر مع من يتحالف سياسياً.
استهداف الحريري بأفق "الرئاسيات"
رابعاً ـ إذا كان ما تقدّم ساطعاً في وضوحه، وهو كذلك برأي الأوساط المعنية يصبح الحديث عن استئثار وتفرّد ذا غرضيّة سياسية مكشوفة:
أ ـ الغرض الأول هو من طبيعة تحريضية على الرئيس الحريري وموقعه المرجعي لا سيما في العاصمة.
ب ـ والغرض الثاني هو محاولة استغلال الاستحقاق البلدي بطرح عناوين "غير صادقة" للتأثير بالنتائج بحيث يتم المسّ بالنفوذ السياسي للرئيس الحريري تمهيداً لاستحقاقات أخرى. وفي هذا السياق، تلفت الأوساط المعنية الى دليل دامغ يتمثل في الكلام المنقول عن رئيس الجمهورية اميل لحود في وسيلة إعلامية أمس وفيه "لا تغيير حكوميّاً قبل إنجاز الاستحقاق الرئاسي إذ ستسبق هذا الاستحقاق وستليه خطوات من شأنها أن تنقل البلاد الى أوضاع أفضل وتضعها على أبواب معالجات جادة للمشكلات التي تعاني منها". وفي رأي الأوساط نفسها أنه وبصرف النظر عمّا يعنيه الكلام المنقول عن لحود بالنسبة الى الاستحقاق الرئاسي نفسه، فإن الكلام عن "خطوات" تسبقه وتليه ليس إلا مؤشراً على الغرض الثاني الذي يأمل "فريق السلطة" بتحقيقه من خلال الانتخابات البلدية.
ج ـ أما الاتهام المضمر حيناً والمعلن في معظم الأحيان، للحريري بأنه طائفي ويستنفر طائفياً، فلا تدحضه فقط الوقائع والمعطيات الآنفة، بل هو تغطية على "حركة خطيرة" يلجأ اليها "فريق السلطة" عينه، إذ لا يخفى أن ثمة محاولة استنفار مسيحي ضدّ الطائفية المزعومة لدى الحريري، ومحاولة تغطيس الوضع الشيعي في العاصمة ضدّ الحريري، ومحاولة استثارة بعض "أحشاء" الأحياء. والهدف من ذلك واضح، وهو إيجاد واقع غير وفاقي يؤدي من وجهة نظر منظمي الحملة الى الطعن بالانتخابات البلدية، والى توظيف ذلك في المعارك اللاحقة، والأخطر هو منع التواصل الإسلامي ـ المسيحي.
"المعارضة المسيحية" و"حزب الله"
خامساً ـ بيد أن هذه المحاولات جميعاً لم تجد صدىً في البيئة المسيحية وتيّاراتها الأكثر تمثيلاً، ذلك أنه بمعزل عن بقرادوني و"بوسي" وبعض رموز "اتحاد الرابطات المسيحية" لا سيما المسترئسين من بينهم، لم يُسمع أن للمعارضة المسيحية موقفاً ينزلق الى تعريض العيش المشترك لاختبار من النوع الذي يطرحه الفريق إياه، بما في ذلك "التيّار العونيّ" وقد نقل من التقى العماد ميشال عون في باريس أخيراً عنه أنه يلتزم في مناطق الاختلاط معيار العيش المشترك في حركته السياسية. وبمعنى آخر، فإن المعارضة المسيحية التي تدرك من جهتها لعبة "فريق السلطة" وهدفه في الاستحقاق الرئاسي، تواجه معركة سياسية مع هذا الفريق، لا شكّ أن الشواهد عليها كثيرة.
أما محاولة استدراج "حزب الله" الى معركة بلدية في بيروت، فتصدّها حتى الآن حِكمة الحزب وقيادته، حيث من الواضح أن "شهية" الحزب غير مفتوحة على معركة من هذا القبيل من شأنها أن تخلّف حساسيات، ينصب هم الحزب على منع حدوثها أصلاً وهو الواعي تماماً لمقتضيات التنبه من فتن يسعى أعداء الأمة الى زرعها.
"الاستطلاعات"
سادساً ـ وفي تقدير الأوساط المعنية أن "اوركسترا" الحملة على الحريري، والتي تزداد حماقة مع اقتراب مواعيد الاستحقاقات، تحاول لعبة الكلام عن البعد الإنمائي للاستحقاق البلدي في نفس الوقت الذي تجعله سياسياً، والمعلومات عن توقيف ناشطين بلديين في شتى المناطق لا تتوقف، وكذلك المعلومات عن حملة شائعات ضد المعارضين في المناطق المسيحية، وصلت الى حد اتهام الحريري بالتأثير مسيحياً (!) غير أن "فريق السلطة" الذي يلعب على الأوتار الحساسة في العاصمة ويفشل، هو نفسه الذي يحاول اكتساب شرعية شعبية مسيحية يفتقدها، في ربع الساعة الأخير قبل الاستحقاقات الآتية.
سابعاً ـ وتختم الأوساط نفسها بـ"رواية" حادثة طريفة: قبل الانتخابات النيابية في بيروت عام 2000 بأيام قليلة، طلب أحد "خبراء الاستطلاعات" موعداً من الرئيس الحريري، وفي الموعد المحدد أتى هذا "الخبير" ليبلغ الى الحريري ان الاستطلاعات تظهر انه سيفوز شخصياً ومعه نحو خمسة مرشحين فقط على لوائحه، فأجابه الحريري أشكرك على هذه النعمة التي تظهرها استطلاعاتك. ثم جرت الانتخابات وكانت النتائج المعروفة. لذلك، تقول الأوساط المعنية إن "لعبة الاستطلاعات" لا تنفصل عما سلف ذكره من وسائل الحملة.. وإن الواقع السياسي لن يتأخر في الظهور ومعه الجواب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00