8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الرفض العربيّ والإسلامي للمشروع لا ينفي المبادرة الى التغيير الذاتي

مع انطلاق النقاش فيه على نطاق واسع واختراقه "أجندة" الملتقيات العربية، ومع اقتراب موعد القمة العربية التي يُفترض أن تبحث فيه وتحدّد موقفاً منه، تتوقف مصادر ديبلوماسية عربية مقيمة بين واشنطن وعواصم غربية عدة عند "المبادرة" التي أطلقتها الولايات المتحدة تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير"، في محاولة للكشف عن الخلفيات الكامنة وراء تلك المبادرة بما يساعد على وعي أبعادها ونتائجها في المنطقة.
وفي هذا الإطار، تسجّل المصادر الديبلوماسية العربية الملاحظات الآتية:
أولاً ـ ان "الشرق الأوسط الكبير" فكرة صادرة عن تيّار "المحافظين الجدد" الذي يهيمن على الإدارة الأميركية الحالية، والذي لا يريد انتظار ما ستسفر عنه الأوضاع في العراق، ويحاول إدخال حلف "الناتو" والدول الصناعية الثماني على خط هذه "المبادرة" لتكتسب مضموناً أصلب بما يذكّر باتفاقية هلسنكي التي أدّت تاريخياً دوراً في انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، وفي انتهاء الحرب الباردة تالياً ما مهّد لولادة نظام عالمي جديد.
ثانياً ـ ان "الشرق الأوسط الكبير" الذي يطرحه "المحافظون الجدد"، هو مشروع لمواصلة إقامة "الامبراطورية الأميركية" عبر تشكيل الشرق الأوسط من دول ديموقراطية متعاطفة مع أميركا ومستعدّة لإقامة السلام مع إسرائيل، أي أن "أمن إسرائيل" يمثّل هدفاً لهذا المشروع، خصوصاً إذا ما جرى تذكّر حقيقة أن "المحافظين الجدد" هم "الليكوديون الجدد" بتسمية أخرى.
ثالثاً ـ لا يتضمّن "الشرق الأوسط الكبير"، "الديموقراطي"، أي ذكر لحلّ المسألة المركزية التي يمثّلها الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لا بل يُذكر أن "المحافظين الجدد" المسيطرين على الإدارة في واشنطن ردّوا على سؤال وجّهه مسؤولون في "الحزب الديموقراطي" إليهم عن مدى إمكان معالجة مسألة الديموقراطية في العالم العربي وهو لا يزال في حالة حرب مع إسرائيل، بالقول أن الهدف من "الشرق الأوسط الكبير" ليس حلّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي وأن هذا الحلّ يأتي لاحقاً بعد الديموقراطية. ولفتوا في ردّهم الى أن "الشرق الأوسط الكبير" ليس معنياً بالدول العربية وحسب، بل معنيّ بتركيا وإيران وباكستان أيضاً، أي الدول الإسلامية.
بين "الشرق الأوسط الجديد" في التسعينات و"الشرق الأوسط الكبير" اليوم
رابعاً ـ وترى المصادر الديبلوماسية العربية أن لا رابط بين المشروع الذي يطرحه "المحافظون الجدد" اليوم تحت اسم "الشرق الأوسط الكبير"، والمشروع الذي كثر الحديث عنه في تسعينات القرن الماضي تحت اسم "الشرق الأوسط الجديد" تارة أو "الشرق أوسطية" تارةً أخرى، باستثناء ان أولوية إسرائيل حاضرة في الحالتين وان كلا منهما مظهر من مظاهر النظام الدولي بالهيمنة الأميركية. فـ"الشرق الأوسط الجديد" زمن التسعينات كان "يتنفس" من عمليّة سلميّة في الشرق الأوسط كانت منطلقة وتبدو "واعدة" آنذاك في ظل انتهاء الحرب الباردة ونظريات النظام العالمي الجديد وانتفاء المبررات الموضوعية لدور إسرائيل المتقدم اقليمياً، أي أن "الشرق الأوسط الجديد" حينذاك كان موازياً لعملية سلمية هادفة الى تسوية اقليمية بينما يمثل "الشرق الأوسط الكبير" اليوم صعيداً منفصلاً عن العملية السلميّة تماماً.
خامساً ـ وتلفت المصادر نفسها في هذا المجال الى أن "المبادرة" الأميركية الجديدة، المختلفة عن مشاريع التسعينات، ليست مع ذلك مقطوعة الصلة بالسياق الذي انتجها، وهو السياق الآخذ بالتراكم منذ أحداث أيلول من العام 2001 وما صاحبه من تغيير في السياسة الأميركية منذ ذلك التاريخ، والتي باتت متمحورة اليوم حول عنوان "الحرب على الإرهاب". وفي التغيير الحاصل على صعيد السياسة الأميركية أمران رئيسيان: الأول تستخلصه واشنطن من تجربة العملية السلمية في مرحلتها السابقة وهو أن لا عملية سلمية مقبلة مع استمرار انظمة ومنظمات في الاحتفاظ بالقدرة على ممانعتها وتعطيلها، والثاني ان العملية السلمية مرهونة بما تسميه أميركا "تفكيك الإرهاب" مقدمة لها. ولذلك فان "الاصلاح" و"الديموقراطية" يتقدمان من وجهة نظر الإدارة الأميركية على التسوية السلمية التي تكون في هذه الحالة نتيجة لمسار اصلاحي يفتح على أميركا ومستعد للسلم مع إسرائيل.
يخاطب إشكالية تاريخية
سادساً ـ وتقول المصادر أنه الى جانب ما يثيره "الشرق الأوسط الكبير" من اعتراضات عربية واسلامية سواء من زاوية تظهيره لمشروع امبراطوري أميركي أو من زاوية أولوية إسرائيل ضمنه أو من زاوية عدم تكبد واشنطن "عناء" التشاور مع الدول العربية والاسلامية وقادتها في هذا الموضوع الخطير.. فإنه يجب "الاعتراف" بأن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" انما يعيد تحريك النقاش في الاشكالية التاريخية التي تعيشها المنطقة منذ نكبة فلسطين وقيام الدول الحديثة فيها، إشكالية العلاقة بين الديموقراطية والصراع العربي ـ الإسرائيلي، الديموقراطية من أجل الصراع مع إسرائيل أم تأجيل الديموقراطية في سبيل هذا الصراع؟ وتضيف ان الاعتراف ضروري أيضاً بأن "الشرق الأوسط الكبير" مع الوعي بخلفياته الامبراطورية والإسرائيلية، يخاطب مع ذلك عنواناً "شعبياً" عربياً وإسلامياً هو عنوان تطور الحياة الديموقراطية في الدول العربية والاسلامية.
سابعاً ـ وترى المصادر الآنفة ان المرحلة التاريخية الراهنة قد فُتحت على التغيير، لا بل ان المنطقة مفتوحة على التغيير، وذلك منذ ما بعد أحداث 11 أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك، ولذلك فان رفض "الشرق الأوسط الكبير" بأبعاده الامبراطورية والإسرائيلية من جهة ومن منطلق رفض التغيير المفروض من الخارج من جهة ثانية وعلى خلفية التمسك بالحقوق العربية والفلسطينية من جهة ثالثة، يفترض أن يقترن (الرفض) بمبادرة عربية الى الاصلاح والتغيير الذاتيين، وأن يبادر كل بلد عربي واسلامي الى صياغة الاصلاح والتغيير المناسبين له. ذلك انه عندئذ فقط يمكن للصراع ان يكون بين آلية التغيير الذاتي ولا منطق التغيير بالإكراه. وتضيف ان سلوك جادة الاصلاح والتغيير لا يؤدي الى إسقاط الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لا بل يستطيع أن يكسب الى جانبه عوامل عدة: الموقف الشعبي العربي أولاً، الاستقرار الداخلي ثانياً، تأييد الدول الرافضة للهيمنة الأميركية، والرافضة لـ"الشرق الأوسط الكبير" من هذا الباب لكنها ترفض في نفس الوقت مراوحة الدول العربية والإسلامية مكانها في مجال الديموقراطية والحريات.. ثالثاً.
هل يغدو المشروع الأميركي دولياً؟
ثامناً ـ وتلفت الى أن طرح "المحافظين الجدد" لـ"مبادرة الشرق الأوسط الكبير" أو فكرته، قد يكون ناجماً (الطرح) عن "انكماش" هذا التيار في الولايات المتحدة، خصوصاً بعد ما جرى في أفغانستان والعراق تباعاً، وقد يكون ناجماً عن توجه الى "مواجهة" الانتقادات في وجه الإدارة في موسم انتخابي، أو قد يكون نتيجة فشل في ما يسمى "الحرب على الإرهاب"... بيد أن ذلك لا يفرض تجاهل المحاولات الجارية لـ"تدويل" هذا المشروع عبر إشراك أطراف دولية أخرى فيه بما يؤدي الى "انتظام" الغرب كلّه ضمنه. وتذكّر بأن الأطراف الغربية، غير أميركا، تعلن باستمرار اعتراضها على إدارة واشنطن بعض الملفّات لكنها تؤكد في الوقت نفسه الاتفاق على عدد من الأهداف الكبرى، وتقول أنها لا تستطيع أن "تغطّي" مواقف الدول العربية والإسلامية إلاّ إذا جارت المسار التاريخي الراهن. وباختصار، تحرص المصادر الديبلوماسية العربية على القول أن ثمة "حامولة" ينبغي الحذر من تجاهلها، وتختم بأن السبيل الأكثر جدوى هو الذي يزاوج بين التغيير الديموقراطي والتمسّك بالحقوق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00