8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أربع مواصفات مطلوبة من الطامح الى الرئاسة: الوطنيّة والحكمة والرصانة والنزاهة

قيل كلام كثير في الآونة الأخيرة عن أن الصفة الرئيسية التي يجب أن يتمتّع بها رئيس الجمهورية المقبل هي أن يكون "صدامياً" مع الرئيس رفيق الحريري، وسرى هذا الكلام في بعض "الأمكنة" وصدّق بعضهم أن "الصداميّة" هذه هي عنوان دفتر شروط المناقصة الرئاسية، فانبرى للمزايدة على غيره في العدائية تجاه الرئيس الحريري على افتراض أن ذلك يفتح أمامه طريق بعبدا.
وعلى الرغم من انقضاء وقت غير قصير على إطلاق المناقصة الرئاسية تحت عنوان "الصداميّة"، فقد توقّفت أوساط متابعة عند معنى هذا العنوان ودلالاته، وسجّلت بشأنه الملاحظات الآتية:
أولاً ـ انّ القول أن الرئيس المقبل يجب أن يكون صدامياً مع الرئيس الحريري، يعني الانطلاق من كون الحريري الرئيس المقبل للحكومة في العهد الجديد، أي رئيس الحكومة الذي يفترض برئيس الجمهورية الجديد أن يصادمه، ذلك أن واضعي دفتر شروط المناقصة لا يمكن أن يكون في ظنّهم أن المطلوب مصادمة الحريري الموقع السياسيّ ـ الشعبيّ، ولا يمكن أن يذهبوا في الخطأ الى حد تقدير أن ثمة جدوى ربحية من المناقصة في هذه الحال.
ثانياً ـ ولا شك بحسب الأوساط المتابعة أن منظّري "الصداميّة" مع الحريري رئيساً لمجلس الوزراء، يحسبون أن تجربة نهج "الصداميّة" على مدى أكثر من ثلاث سنوات قد أعطت نتائج باهرة على المستويات كافة، وإلا لما "اقترحوا" تجديد هذا النهج لسنوات إضافية. أما الواقع الفعلي فهو غير ما انتهى إليه هؤلاء في تقويم التجربة، ذلك أن خط الصدام مع الحريري رئيساً للحكومة أسفر عن إساءات الى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومجلس الوزراء، وأدى الى تهشيم المؤسسات في شتّى الميادين، وأنتج أزمة سياسية تلامس حدود الأزمة الوطنية، وأعاق المعالجات الاقتصادية ـ المالية ـ الاجتماعية... أي أن هذا الخط انتهى الى أفدح الأضرار بالنسبة الى لبنان واللبنانيين.
ثالثاً ـ ولذلك، فانّ الأوساط نفسها تستغرب في ضوء تجربة انتهت الى ما انتهت إليه أن يجري الترويج لعنوان "الصداميّة" في مرحلة تقتضي الاستفادة من دروس التجارب وعِبَرها وتتطلّب تعزيز الأمل لدى اللبنانيين بحلول ممكنة، وتستهجن تسويق هذا العنوان الذي لا يعني سوى تمديد الأزمة وتصعيدها على حساب سنوات من عمر البلد وتطوّره في وقت يظنّ المروّجون والمسوّقون أن في خط كهذا خسارة للرئيس الحريري، بينما الحقيقة أن الخسارة هي للبلد ككلّ.
في الدستور والوفاق
رابعاً ـ ومن ذلك، تنتقل الأوساط الى مجال آخر، فتقول أنه بصرف النظر عن كون "نظرية الصدام" متركزّة على وجود الحريري في رئاسة الحكومة، فانها تشكل انتهاكاً فاضحاً للدستور ولروح الوفاق في آن.
أ ـ أنّ العلاقة بين رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء محدّدة في الدستور وصلاحيّات كلّ منهما كذلك، و"نظرية الصدامية" تطلب من رئيس الجمهورية المقبل "الاعتداء" على صلاحيات رئيس الحكومة (كل رئيس للحكومة).. الا اذا كانت تحرض على تحجيم رئاسة الحكومة عندما يكون الحريري فيها فقط!.
ب ـ انّ بناء العلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء على أساس تلك "النظرية" يعني تعطيل مجلس الوزراء وضرب دوره بوصفه مؤسسة المشاركة أي المؤسسة الصورة عن الوفاق الوطني كما يجب تجديد انتاجه دائماً من خلال انتخابات ديموقراطية ونزيهة.
ج ـ لا مكان في الدستور اذاً لـ "الصداميّة" لأن الدستور الذي يقوم على "فصل السلطات" و"تعاونها" يحدّد اتجاهاً آخر للحياة الدستورية بغية تيسيرها. اما روح الوفاق ومنطقه، فينبذان مقولات من هذا القبيل تماماً لأن التجربة اللبنانية المريرة على مرّ عقود أفضت الى خلاصة ثمينة مفادها ان الأزمة الدستورية (التي تعمقها دعوات الصدام والتصادم) سرعان ما تتحوّل الى أزمة في النظام وثمّة مسافة هشة بينها وبين أزمة الكيان. ولذلك قام الدستور على وثيقة الوفاق الوطني، ولذلك كان عدم احترامه خطيراً جداً.
ما هي مواصفات الرئيس المقبل؟
خامساً ـ وإذ تعتبر الأوساط نفسها ان كلام "الصداميّة" بالغ الخطورة، لأنه يتجاهل نتائج تجربة هذه "النظرية" على البلد ككل من ناحية ولأنه ضد الدستور والوفاق من ناحية ثانية، ترى أن المطلوب بدلاً من ذلك اطلاق مواصفات جوهرية للرئيس المقبل، وتحدّدها بأربع رئيسية:
1 ـ الوطنيّة و قد عيّنت وثيقة الوفاق الوطني عناوينها التي تلزم اللبنانيين فكيف بالمرشحين الى رئاسة الجمهورية.
2 ـ الحكمة، أي أن يكون الرئيس حكيماً في تعاطيه مع كل الأمور، وأن يدير من موقعه "المليء" دستورياً ووطنياً الوضع العام.
3 ـ الرصانة، وهي نقيض "الصداميّة"، وهي صفة شخصية لا بد أن يتمتع بها الطامح الى هذا الموقع، يزيدها أو يصقلها الالتزام بالوطنية والحكمة.
4 ـ النزاهة، وتشتمل على كلّ المعاني التي يمكن استقاؤها من أي معجم عربي ذي مستوى، من "الشفافية" الى القدرة على العدل، الى اقتفاء أثر من استطاع أن يكون حكَماً، الى "السجّل الأبيض" في جوانب عدّة.
وفي تقدير الأوساط ان توافر مواصفات الوطنية والحكمة والرصانة والنزاهة في الرئيس المقبل، أي في المرشح الطامح الى موقع الرئاسة، من شأنه ليس فقط أن يكون بديلاً من إدامة الأزمة، بل أن يشكل المدخل الى حلها، والى فتح آفاق مرحلة جديدة تضع لبنان على سكة معالجة أوضاعه كافة.
"النظريّة" لم تفرز.. بل ولّدت اجماعاً ضدّها
سادساً ـ وتعرب الأوساط المتابعة عن اعتقادها ان من يروج لشعار "الصداميّة" مع الحريري أو ينساق الى هذا الشعار، انّما يفتح السباق الى الاستحقاق الرئاسي المقبل على نحو خطير، وفي مناخ تصعيد للتأزم، فضلاً عن كونه لا يفقه لا في التاريخ ولا في السياسة شيئاً يُذكر وإذا كان في التاريخ ما يفيد أن تكرار تجربة ناجحة بحذافيرها غير ممكن خصوصاً في "إطار" ليس نفسه، فالمؤكّد أن تكرار تجربة كارثية أدهى خطراً ويجب اجتنابه.
أما الرئيس الحريري، فلا تراه الأوساط معنيّاً أكثر من غيره من سائر اللبنانيين بهذا الترويج أو التسويق لشعار "الصدام" معه، طالما أن الأمر يعني اللبنانيين على اختلاف فئاتهم. وقد دلّت المؤشرات الأولى حول "النظرية العظيمة" على أن ثمة وعياً عميقاً لما تنطوي عليه من خطورة. لا بل أن الأوساط تعتبر أن أهم ما في المؤشّرات أن هذه "النظرية" لم تحدث فرزاً بين مَن معها ومَن ضدّها، بين مَن يراها مجدية ومَن يرى العكس، بل برز ثمة شبه إجماع على رفضها ما يدلّ على تمسّك اللبنانيين بوثيقة الوفاق الوطني وبالدستور، وعلى تطلّعهم الى المرحلة المقبلة بأمل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00