عشيّة اجتماع مجلس التعاون الأوروبي ـ اللبناني الذي انعقد في بروكسيل قبل أيام ومثّل لبنان فيه وزير الاقتصاد مروان حمادة، وخُصّص لمتابعة أمور الشراكة اللبنانية ـ الأوروبية، أجرى الرئيس رفيق الحريري اتصالاً بالرئيس الفرنسي جاك شيراك لـ"الاطمئنان" الى مجريات هذا الاجتماع والى الدعم الأوروبي للبنان. فوجئ الرئيس الحريري بالرئيس شيراك يبلغه أن ثمّة مسوّدة بيان ختاميّ للاجتماع مُعدّة وتتضمّن مجموعة من الملاحظات السياسيّة والاقتصاديّة، لكنّ "النّافر" فيها الدعوة الى تطبيق القرار 520 (الذي يتحدّث عن انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان).
أبدى الحريري اعتراضه على إدراج هذا القرار في بيان ختاميٍّ عن لبنان، لاسيّما ان الـ520 لم يشكّل يوماً مرجعيّة دوليّة للوضع اللبنانيّ، وهو إذ يساوي بين سوريا وإسرائيل يسيء الى العلاقة اللبنانيّة ـ السوريّة والأوروبيّة ـ السوريّة ويشكّل ضغطاً مضافاً على دمشق. وتمنّى على شيراك معالجة الأمر وسحب هذا الموضوع، فوعده شيراك بـ"دراسة" الموقف لأن المسألة لا تتعلّق بفرنسا وحدها. وبعد ذلك، تلقّى الحريري اتصالاً ثانياً من الرئيس الفرنسيِّ، يُفيد انه قام بتحرّك عبر وزير خارجيته دومينيك دوفيلبان، لكنّ الموضوع لا يزال يحتاج الى متابعة لأنه ليس سهلاً. وهنا تمنّى رئيس الحكومة ألا تغطّي فرنسا هذا الموقف في جميع الحالات، وانتظر جواب شيراك الذي جاء بعد ساعات بأن المسألة تمّت تسويتها ولا ذكر للقرار 520. وفي غضون ذلك كان الوزير حمادة يخبر الحريري أولاً بأول بالتطوّرات الى أن أفاده ان الموضوع منتهٍ، وان أيّة إشارة الى الوجود السوريّ في لبنان لن ترد.
هكذا يروي وزير بارز "قصّة" تدخل الرئيس الحريري لدى الرئيس شيراك حول الـ520، وهي القصة التي أثارها رئيس الحزب التقدميّ الاشتراكيّ النائب وليد جنبلاط إثر لقائه الحريري في قريطم الأحد الماضي.
و"على فكرة"، فجنبلاط الذي أتى على ذكر هذه "القصة"، كان يتحدث عن علاقة رئيس مجلس الوزراء بسوريا منذ ما قبل العام 1982، وعن علاقته بالرئيسين حافظ الأسد وبشار الأسد، لينتهي بذلك الى إعلان رفض الاستماع الى "دروس في الوطنيّة" حول الحريري، أي ان ذكره لموضوع الـ520 إنّما كان في سياق التأكيد على ما يربط الحريري بدمشق وطنيّاً وسياسيّاً.
لماذا ذكّر جنبلاط بـ"القصّة"؟
وفي قراءة كلام جنبلاط من قريطم، تسجّل أوساط سياسيّة مواكبة لـ"منهجية" الزّعيم الاشتراكيّ وأسلوبه، عدداً من الملاحظات على النّحو الآتي:
أولاً ـ إن أوّل ما قصده جنبلاط في كلامه هذا، تجديد التأكيد من جانبه على ان الحريري حليف لسوريا لا بل حليفها القويّ في لبنان، وإعلان رفضه كلّ التصنيفات الاخرى التي ينساقُ إليها بعضهم في معرض "التبرّؤ" من علاقته بالحريري. وأن يكون الحريري قادراً بعلاقاته الأوروبية (والعربية) على لعب دور مؤثّر كما بالنسبة الى القرار 520 في اجتماع بروكسيل، فذلك يدخل في رصيد العلاقة بسوريا على ما تحلّل الأوساط كلام جنبلاط.
رفض "التبرّؤ" ونفي "القطع" مع الحريري
ثانياً ـ وأن ينبري جنبلاط لـ"الدفاع" عن الحريري بعد أيّام من هجمات متتالية عليه تحت عنوان التشكيك في علاقته بسوريا، وفي وقتٍ يتبارى البعض في "التسديد" عليه، فذلك معناه من وجهة نظر الأوساط ليس فقط ان رئيس "التقدمي" يرفض "التبرّؤ" من علاقته برئيس الحكومة، بل هو يعيد تأكيد أن ليس ثمّة "فكّ ارتباط" بينهما، وأن المسافة التي يقيمها جنبلاط حيال هذا الموقع أو ذاك في التركيبة اللبنانية، لا تعني "القطع" مع الحريري، حتى لو عاد الزعيم الاشتراكيّ الى مهاجمته بعد أيام حول عناوين معيّنة.
ثالثاً ـ واللافتُ برأي الأوساط نفسها ان جنبلاط الذي يُسقط مقولة "فكّ الارتباط" بينه وبين الحريري، انما يُعيد الاعتبار لعلاقته برئيس مجلس الوزراء في نفس الوقت الذي لا يوفّر عدداً من الوزراء والمواقع السياسيّة حلفاء سوريا، من انتقاداته اللاّذعة لمواقفهم وأدائهم و"أدوارهم"، وقد صارح القيادة السورية في هذا المجال.
رابعاً ـ ويأتي كلام جنبلاط الأخير من قريطم، في الوقت الذي يشكو من سوء الإدارة السياسيّة للوضع في لبنان، وفيما يعتبر ان بقاء الأمور على حالها من شأنه أن يقود هذا الوضع الى مزيد من التردّي والنتائج الكارثيّة، لاسيما في المجال الاقتصاديّ ـ الاجتماعيّ الذي يركّز عليه كثيراً في هذه الفترة. وفي تقدير الأوساط أن جنبلاط الذي يجيد اللعبة السياسيّة الداخليّة بمهارة، لا يمكنه تقبُّل خلل كبير في التوازن السياسيّ الداخليّ، وأن من ضرورات موقعه ودوره قدراً من التوازن، الأمر الذي لا يتحقّق في ظلّ "الكبس" على الحريري.
يُرضي ولا يرضي
خامساً ـ وإذا كان من الطبيعيِّ القولُ أن جنبلاط الذي ينفي "فكّ الارتباط" بالرئيس الحريري ويرفض "التبرّؤ" من العلاقة به، لا يعلن تحالفاً سياسيّاً مع رئيس الحكومة، فإن الأوساط الآنفة تعتبر أنه بكلامه الأخير كان "متوازناً" الى حدّ معيّن: فهو بمسارعته الى الحريري في وجه من كالوا الاتهامات له، لا يرضي فريقاً في السلطة لا يزال يتطلع الى التخلّص من الحريري، لكنه بوصفه كلامَ أحد المرشحين الرئاسيين، بأنه "ملاحظات تافهة" يرضي ذلك الفريق في السلطة إذ "يضرب" منافساً في الاستحقاق الرئاسيّ. كذلك فإن موقف جنبلاط حيال كلام المرشّح إيّاه يرضي البيئة المسيحية التي تتحدّث عن "لبننة" الاستحقاق، وإن كان موقفه الذي يعلّق القبول بالتمديد أو التجديد على التطوّرات الإقليميّة ليس موضع حفاوة البيئة المسيحيّة.. وفي جميع الأحوال فإن حركته (جنبلاط) تتيح له إبقاء الخطوط كافّة مفتوحة من ضمن العلاقة الوطيدة بينه وبين دمشق، حيث يحرصُ، في موازاة دعوته الى تصويب الإدارة السياسية الداخلية، على أن يكون ذلك في سياق "التقاطع الاستراتيجيّ" معها.
"مسيحيّو النظام"
سادساً ـ وتلفت الأوساط الى ان جنبلاط، وقد رسم بشكل معيّن خطوطه، يتحرّك على خطّ ما يُسمّى "التواصل" مع المسيحيين ولو بتفاوت مع تيّاراتهم، "مقترباً" أكثر من بكركي والقوى والشخصيات المعارضة التي يراها أقرب إلى البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، على أساس عدم إمكانيّة "أخذ" الجميع في سلّة واحدة. وفي إطار هذا التواصل، يسعى جنبلاط مع شخصيّات وقوىً من المعارضة المسيحية ومع بعض المعارضة اليساريّة، الى عناوينَ مشتركة يمكن التحرّك على أساسها، وثمّة سعي الى إنضاج هذه العناوين. غير ان اللاّفت من وجهة نظر الأوساط، هو أن جنبلاط يرى نفسه بعيداً جداً عن "مسيحيي النظام" كافّة، وهذه "ظاهرة" جديرة بالملاحظة والاهتمام.
وتختم الأوساط نفسها بالتشديد على أن الموقف الأخير من قريطم مهمّ جداً لجهة وضع عدد من النقاط على الحروف، وذلك على الرّغم من كونه لا يرسم مشهداً سياسياً جديداً كل الجدّة، بل هو اكتفى بتحريك "الحجر الأول" لينتظر "الدوائر" التي سيحدثها في الوضع الداخلي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.