كان ما جرى خلال اليومين الماضيين في الجلسة النيابية لاستجواب الحكومة حول ملف الخلوي موضع تقويم عدد من النّواب والسياسيين، لا سيما من زاوية دلالات أداء "الجبهة الوطنيّة للإصلاح" من جهة والمؤشرات التي يحملها بالنسبة الى مستقبل الصراع السياسي في البلد من جهة أخرى.
وفي تقدير النّواب والسياسيين أن نوّاب "الجبهة" أرادوا تجاوز موضوع الاستجواب نفسه باتجاه تحقيق أغراض سياسيّة أهمها على الإطلاق إجراء محاكمة سياسية للرئيس رفيق الحريري وحكوماته منذ العام 1992. وقد تجلّى ذلك بشكل خاص في مداخلات النائب بطرس حرب. والدليل الأبرز على هذا الأمر هو أن نواب "الجبهة" رفضوا بشكل قاطع نقاش "الخلويّ" بوقائعه وأرقامه التي قدّمها وزير المال فؤاد السنيورة وبنى عليها الرئيس الحريري الاستنتاجات الواضحة التي تدحض مزاعم الهدر والسرقة في القطاع، وأصرّوا على استهداف رئيس الحكومة على نحو مباشر، وقد حيّدوا من البحث وزير الاتصالات جان لوي قرداحي بطريقة مفضوحة.
"محاكمة" الحريري
ولا يمكنُ بحسب النواب والسياسيين فصل محاولة "الجبهة" تحويل جلسة الاستجواب في موضوع محدّد الى جلسة مناقشة عامة لـ"محاكمة" الحريري، عن الحملات التي يتعرّض لها رئيس مجلس الوزراء منذ مدة غير قصيرة وتحت شتّى العناوين، وذلك في وقت ابتلع نوّاب "الجبهة" ألسنتهم حول أمور كثيرة تقع تحت البنود نفسها: الفساد وهدر المال العام والفضائح، ولم يستطيعوا أن يخفوا قلّة النزاهة ولو بتعميم الاتهام على مجمل "الطبقة السياسية". وأكثر من ذلك لم يسمع لهؤلاء موقف يدعو الى وضع الخلافات على مستوى السلطة في نصابها الدستوري في حين أن بينهم "متفقّهين" دستوريين، ولم يسمع لهم صوت بالنسبة الى استعادة البلد الى سياق سياسيّ طبيعي.
وإذا كان استهداف "الجبهة" للحريري لا ينفصل عن الحملات المتجددة عليه، فمن الواضح أن ذلك يهدف على مسافة غير بعيدة من الاستحقاقات الدستوريّة الى تحجيمه أو إخراجه كي تمرّ سيناريوات معيّنة كما تشتهي سفن فريق معيّن في السلطة. وبهذا المعنى فإن "الجبهة" والنائب حرب خصوصاً يلعبان هنا لعبة هذا الفريق المعيّن في السلطة، لا بل يمثلون "حصان طروادة" لهذا الفريق، إذ أرادوا استكمال بروز الحكومة حكومتين في المجلس عبر محاولة تطويق حكومة الرئيس الحريري مجلسياً.
بطرس حرب
ولا ينطلق "اتهام" حرب بأداء هذا الدور من فراغ، ليس فقط لأنه بات على نطاق واسع معروفاً بـ"ابتعاده" عن "المعارضة المسيحية" ومحاولته "اختراقها" بأفكار ومواقف منسّقة مع هذا الفريق من السلطة من غير أن يؤثّر طبعاً على فاعليتها، وليس فقط لأنّه لم يشرح "سرّ" وجوده في "الجبهة الوطنية للإصلاح" التي تنأى عن تحديد مواقف ممّا يلتزم به حرب في إطار "المعارضة المسيحية"، بل أيضاً لأنّه "يشتغل" على أن يكون "البديل الرئاسي" إن بدا أن ليس ثمة تمديد للواقع الرئاسي الراهن، واعداً بأن يسير في التمديد في مقابل وعود بـ"اللجوء" اليه، وكي لا ينكشف الأمر تماماً يتكلم الشيخ بطرس بلغة مزدوجة واحدة للبيئة المسيحية وثانية في بيئات اخرى، على قاعدة ان لكل مقامٍ مقالاً.
استهداف برّي.. و"الحرتقات"
وكي تكتمل "الصورة"، كان من الطبيعي ملاحظة استهداف "الجبهة" لرئيس المجلس النيابي نبيه برّي ايضاً وللحيثيّات نفسها، وهذا ما عبّرت عنه "التلطيشات" حول دور المجلس ورئيسه خارج الجلسة وداخلها الى ان "بقّ" الرئيس حسين الحسيني "البحصة" في النهاية ما سبّب "المشاحنة" بينه وبين برّي. ولا شكّ ان أحد أسباب هذا الاستهداف لبرّي فرضية ان ثمّة تحالفاً بينه وبين الحريري.
وإذا وضعت "حرتقات" الرئيس عمر كرامي على الوزير نجيب ميقاتي جانباً، وكذلك لا منطق بقاء النائب نايلة معوض في "الجبهة" وهي "مرشحة صُنع في لبنان الى رئاسة الجمهورية"، من الواضح ان الجلسة النيابيّة كشفت انّ موضوع الخلوي لا يساوي شيئاً في نظر "الجبهة الوطنية للإصلاح" بالقياس الى "المشروع السياسيّ" الوحيد الذي تحمله، وهو الذي يتلخّص بلعب دور في صالح فريق معيّن في السلطة، ما يجعلها لا تمتّ الى المعارضة بصلة، ويكشف عن تطلعها الى الصيغة السياسية الحاكمة المقبلة فقط لا غير، تطلعّ يستند الى السياق الحالي لإنتاج السلطة. وإذا كان ممّا لا شك فيه ان بعض النقاشات البرلمانية لا يزال يستهوي عدداً من اللبنانيين وهو لا يزال يتمتع ببعض "النكهة"، فإن ما يجب أن يلفت الانتباه من وجهة نظر النواب والسياسيين هو ان هذه الجبهة لـ"الإصلاح" تعاني أزمة في مشروعها الإصلاحي.
وبعد ذلك، تتحدث التسريبات عن خرق الحريري لـ"هدنة رئاسية" من هنا و"بروتوكول" من هناك، فماذا يسمّى إذاً كل هذا الذي يحصل ممّا أدى الى تفجير "الجبهة" للجلسة النيابية التي لو كانت مخصصة فعلاً لـ"الخلوي" لوجب أن تنتهي بوضع المجلس النيابي يده على الملف بطريقة جادة وجديّة؟
على ان ما ينبغي معرفته في ما يتجاوز الاغراض "الانتخابية أو "السلطوية" لأركان "الجبهة" هو ان الجلسة النيابية بصرف النظر عن "التبريد" إذا حصل أو "المخرج" إذا وجد، أعطت إشارة الى مرحلة من الاحتدام في الصراع السياسيّ، لا يمكن معه أن تكون لفريق معيّن حريّة خوضه بلا ضوابط وأن يكون فريق آخر متقيّداً بضوابط محددة، ولذا فإن النواب والسياسيين يتوقعون في واقع الأمر معركة سياسية متجدّدة.
أي مشروع لـ"الجبهة"؟
ويبقى الأهم مايتعلّق بـ"الجبهة".
ففي الوقت الذي تقتضي المرحلة تغييراً، أي فيما توصف المرحلة بأنها مرحلة التغيير الإقليمي، والتي برهن حزب كحزب الله كان يبدو لفترة من الزمن غير معني بأمور "الداخل" وقضاياه، انه يعيها ويدرك ضرورة المبادرة الى "تغيير ذاتي" غير مفروض من الخارج الأميركي، وهذا ما عكسه بوضوح خطاب السيّد حسن نصرالله أول من أمس في هذا الوقت يدخل أركان "الجبهة" في حسابات ذاتية لا قيمة لها بالقياس الى التغيير اللبناني الذاتي المنشود، الأمر الذي يشكّل "مشاغبة" كي لا يقال أكثر من ذلك، على تلاقي المواقع الحية الساعية الى التغيير الجدّي مما يقتضي تفاهمات لبنانية أهمها حول كيفية اجتياز الفترة المقبلة بأمان، نحو مزيد من الوفاق الوطني، لكن مزيداً من الديموقراطية أيضاً عبر قانون انتخاب يتيح إنتاج الواقع السياسي اللبناني الجديد، وهذا ما لا يتم بـ"حرتقات" أو "أحلام وراثة" هذا لذاك أو "الاستقواء" بفريق في السلطة على أفرقاء آخرين، تحقيقاً لـ"انقلاب" سياسيّ "من فوق"، وما يخشاه النواب والسياسيون هو أن يكون في ظنّ أركان "الجبهة" ممن نظّروا لما سمّوه "الانقلاب على الطائف" بعد العام 1992 (وبالمناسبة فإن قانون الانتخاب ذلك العام كان الأسوأ في تاريخ قوانين الانتخاب لأنه فصّل لإقصاء المعارضين ... ما يخشاه النواب والسياسيون هو إذاً أن تكون ثمة نية انقلابية بهذا المعنى لديهم.
على أي حال، فإن "الجبهة المعارضة" قدّمت أداء سياسياً ـ برلمانياً لا يمكن تسجيله إلاّ في خانة الفشل.. وكل ذي غرض يفشل حتماً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.