8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك يبتعد عن التجاذبات الإقليمية ـ الدولية ويشجّع فكرة تسوية لبنانيّة ـ سوريّة

تتحدث أوساط سياسية عديدة هذه الأيام عن "عتب" أميركي ـ يصل في كثير من الأحيان الى حد الانتقاد ـ على البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، لجهة ما يسمى "تباطؤ" سيّد بكركي في "مواكبة" الضغوط الأميركية على سوريا، المرشّحة للتصاعد مع إعلان الإدارة في واشنطن عزمها على تطبيق عقوبات متدرّجة على دمشق نصّ عليها "قانون محاسبة سوريا"، ومن شأن بعضها (العقوبات) أن يمسّ لبنان بشكل أو بآخر كما يقول الأميركيون.
ويعتبر الأميركيون على ما فَهمت الأوساط السياسية، أن الخطاب السياسي للبطريرك لم يعد يتطرّق الى مسألة الوجود السوري في لبنان مباشرة وان كان يلامس جوانب من العلاقة اللبنانية ـ السورية، وانّ إغفاله لهذا العنوان يؤدي تالياً الى إيقاع بطريركيّ بطيء بالنسبة الى الإيقاع المتسارع للتأزم في العلاقة الأميركية ـ السورية. ولا تخفي الأوساط نفسها في هذا المجال أن "العتب" الأميركي على البطريرك، "يخاطب"الى حدّ كبير أسئلة على مستوى الجمهور المسيحي عن الأسباب التي تجعل البطريرك يحاذر في هذه المرحلة إعطاء حماوة معيّنة للعنوان المشار إليه.
وفي هذا الإطار، تعرب مصادر مقرّبة من بكركي وصل "العتب" الأميركي الى مسامعها، عن اعتقادها أن نقاش هذا الموضوع لجلاء أبعاده لا بد أن يرتكز الى الملاحظات الآتية:
الكنيسة الكاثوليكيّة وحماية المسيحيين
أولاً ـ لا يشذّ موقف البطريرك حيال السياسة الأميركية في المنطقة عن موقف رأس الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم، أي الاعتراضات التي يُدلي بها البابا يوحنا بولس الثاني والمسؤولون في الفاتيكان على هذه السياسة التي تمثّل من وجهة نظرهم خطراً على المسيحية ككلّ من ناحية وعلى مسيحيّي الشرق بوجه خاص من ناحية ثانية. وتلفت المصادر هنا الى أن الدور الذي اضطلعت به الكنيسة الكاثوليكية و"هذا" البابا بالتحديد في إنهاء الحرب الباردة عبر "الاختراقات" الكنسيّة للدول الشيوعية ما مهّد لانهيارها بفعل عوامل أخرى رئيسية أيضاً، ان هذا الدور لُعب لمصلحة قيام نظام دولي أكثر عدالة وليس لصالح نظام لا متوازن.
ثانياً ـ انّ التطوّرات الناجمة عن السياسة الأميركية المعتمدة تضع مسيحيّي الشرق وفي القلب منهم مسيحيّي لبنان في دائرة الخطر، ولذلك فإن الهمّ الرئيسي للبطريرك الماروني في لبنان هو حماية المسيحيين والتأمين عليهم وتجديد "بوليصة" التأمين كل فترة، ذلك أن هذا الأمر لا يتحقق إلا متى حصل "انسجام" بين الأقلية المسيحية والأكثرية المسلمة في المنطقة.
ثالثاً ـ بيد انّ ما تقدم، على أهميته، لا يلغي من وجهة نظر المصادر المقرّبة من بكركي واقع انّ ثمّة قراءة سلبية لدى البطريرك لـ"التجربة" المسيحية ـ اللبنانية مع الولايات المتحدة، ومع التجاذبات الاقليمية ـ الدولية حول لبنان التي تنتهي الى تسويات يكون لبنان خارجها او هو يدفع ثمنها، ولا يرغب البطريرك تالياً في تكرار "التجربة".
التسوية اللبنانيّة ـ السوريّة
رابعاً ـ وتعتبر المصادر نفسها انّ المرحلة الراهنة ـ المقبلة التي تشي بتفاقم أزمة العلاقة بين دمشق وواشنطن، وتنبئ مقدماتها بانسداد أفق تسوية سورية ـ أميركية، ان "الميل" لدى البطريرك هو لتسوية لبنانية ـ سورية تعالج كافة جوانب العلاقات بين لبنان وسوريا، وتمكّن من استعادة الوضع اللبناني الى سياق سياسيّ "طبيعيّ".. لا بل انّ هذه التسوية اللبنانية ـ السورية مطلوبة بصرف النظر عن مآل العلاقات السورية ـ الأميركية، ولسان حال البطريرك يقول انّ "التنازل" السوري للبنان في المواضيع اللبنانية ليس فقط "أفضل" من "التنازل" لأميركا اذا كان سيحصل، بل هو ضمانة للبلدين، ولذلك وفي إطار رفضه الاستقواء على سوريا بالضغوط الأميركية، كان البطريرك يأمل ولا يزال بالتقدم نحو تسوية بين بيروت ودمشق.
خامساً ـ وتفيد المصادر انّ من شأن هذه الرؤية لدى البطريرك أن تشكل قاسماً مشتركاً بين مختلف الفئات اللبنانية، لا سيما في الظرف الاقليمي ـ الدولي الراهن، ولذلك يحرص سيد بكركي دائماً على مناداة الشريك المسلم وعلى الدعوة الى تفاهم جناحي البلاد، الأمر الذي فتح تفكير كثيرين من المقربين منه على مناقشة احتمالات قيام صيغة مختلطة في هذا الاتجاه.
سادساً ـ وتقول في السياق نفسه أن ثمة "لعبة" مكشوفة يقوم بها فريق السلطة تقضي بالانفتاح شكلاً على البطريرك، في مقابل التشدد حيال المعارضة المجسد في محاولة اختراقها من داخلها تارة ومحاولة قطع الطريق على تلاقي تيّاراتها تارة أخرى، في موازاة الحملة على مواقع اسلامية. غير أن هذه "اللعبة" لم تغشّ بكركي التي لم تتلق اقتراحات بمعالجة قضايا رئيسية، وان البطريرك الذي لا يغلق أبوابه في وجه أحد، لم يلمس تقدماً بل على العكس يرى أن الوضع الداخلي يزداد سوءاً وهذا ما تركز عليه مواقفه وعظاته.
"لبننة" الاستحقاقات
سابعاً ـ وتشدد المصادر على ان المحك الفعلي سيكون في الاستحقاقات الدستورية المقبلة التي تشكل فرصة للتغيير، والأصل في هذا التغيير المنشود هو استعادة دور "الداخل" اللبناني في التعبير عن نفسه وفي تقرير تحالفاته وفي وصول من يجب وصولهم لقيادة المرحلة، وتصوغ هذه الفكرة بشعار "لبننة" الاستحقاقات بحيث تنطلق في لبنان دينامية سياسيّة بمستوى المرحلة.
ثامناً ـ وتلفت المصادر ممن وصل الى مسامعها "العتب" الأميركي على البطريرك، ووصل الى مسامعها أيضاً كلام أميركي سلبي ـ تحريضي على "حزب الله" من المنطلقات الأميركية المعروفة، الى ضرورة إدراج عناوين مثل دور لبنان في الصراع العربي ـ الاسرائيلي في واقعه الراهن، ومستقبل العمل المقاوم، في إطار حوار وطني ينبغي من وجهة نظرها أن يشكل معبراً لحزب الله الى المساهمة في الحياة الوطنية وهو يتمتع برصيد مهم، ويحظى بموقف "مسيحي" يتعاطى معه من خارج الضغط الأميركي والتوصيفات الأميركيّة.
في ضوء هذه الملاحظات جميعاً، تصلُ المصادر المقربة من بكركي الى خلاصة مفادها ان البطريرك لا يجاري الضغوط الأميركيّة على سوريا ويرفض تكرار ما بات يصطلح على تسميته "المراهنة" على التجاذبات الإقليمية ـ الدولية، لكنه في الوقت نفسه لم يغادر القناعات التي عبّر عنها مراراً حول "السيادة وحرية القرار والديموقراطية"، وضد "الفساد والرشوة"، و"الإدارة العامة للشأن اللبناني وما ينتج عنها من كوارث على غير صعيد"، وهو "وان كان ليس مع أميركا، ليس مع بقاء الوضع على ما هو عليه الآن في العلاقة اللبنانية ـ السورية وفي التصحيح الداخلي"، كما تقول المصادر التي تضيف أن "التأخر في التوصّل الى تفاهم لبناني ـ لبناني وتسوية لبنانية ـ سورية ليس محموداً في الوقت الذي تشتدّ المخاطر الإقليميّة وتتسارع التطوّرات التي يفترض أخذها في الاعتبار وحساب تداعياتها المحتملة". وتختم محمّلة "السلطة" مسؤولية البقاء عند حدود "الإشراف على الأزمة وليس إدارتها حتّى"، ومسؤوليّة "السعي الى تمديد الأزمة التي تتّسع دوائرها وتجتاح المجالات كافّة".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00