ثمّة في الوسط الشيعي الجنوبي بشكل خاص، نقاش تتسع دوائره حول مستقبل الثنائية الشيعية "الحاكمة" على الجنوب حتى الآن، والتي تتشكّل من "حركة أمل" و"حزب الله"، وحول مستقبل الشيعة في المعادلة السياسيّة العامة تالياً.
ينطلق هذا النقاش الذي تنقل السطور اللاحقة عناوينه المكثّفة بأعلى نسبة من الدقّة، ليس فقط ممّا يعتبره المشاركون في النقاش، مثقفون ومهنيون، يساريّون ومستقلون ومن عصبيات عائلية معينة، استثناء في تاريخ الحياة السياسية الجنوبية إذ تختزل الثنائية الحالية التمثيل الجنوبي وتلغي سائر التيارات والتلاوين الأخرى، بل ينطلق من نقاط أخرى على النحو الآتي:
"رصد" خارجي
أولاً ـ يُنقل عن قطب نيابي قوله في مجالس خاصة إن سوريا المستمرة في الإمساك بخيوط "الورقة اللبنانية" من الجوانب كافة، معنية بحسب معلوماته بإحداث تغيير على مستوى التركيبة السياسية اللبنانية اعتباراً من الاستحقاقات الدستورية الآتية، على أساس أنه لم يعد في استطاعة سوريا البقاء على الصيغة الراهنة للإدارة السياسية في لبنان وبواسطة الأشخاص أنفسهم كما يقول القطب النيابي الذي يتوقع بناء على هذا التقديم أن يشهد موقع الرئيس نبيه برّي و"حركة أمل" نوعاً من "التقليم" من قبل سوريا، ويتوقع في الوقت نفسه أن تؤدي التطوّرات حول لبنان الى جعل "حزب الله" يأخذ في الاعتبار ضرورة التحوّل الى حزب سياسي "صرف".
ثانياً ـ في هذه الأثناء، يُنقل عن أوساط ديبلوماسية غربية وأميركية أن الأوان قد حان فعلاً كي يبدأ "حزب الله" مسيرة تحوّله حزباً سياسياً (غير مقاوم). وإذا كانت هذه الأوساط تعتبر أنه كان على "حزب الله" أن يباشر هذا التحول قبل الآن، وربّما منذ إنجاز التحرير في العام 2000، فإنها ترى أن التحوّل صار "محتّماً" الآن خصوصاً إذا تم إنجاز المرحلة الثانية من عملية تبادل الأسرى. وتلفت الى أن واحداً من أهداف الضغوط الأميركية على سوريا ولبنان في عنوان وقف المقاومة هو الدفع باتجاه التحوّل المشار اليه.
على أن الأوساط الديبلوماسية، لا تخفي في عدد من الأحيان (على ذمّة الناقلين) تقويماً سلبياً لـ"الصعود الشيعي" في النظام السياسي ما بعد الطائف عبر الرئيس برّي و"حركة أمل"، ولأداء الفريق الشيعي ضمن الدولة وفي مجالات مختلفة، الأمر الذي يعني أن الجانب الدولي في المعادلة حول لبنان لا يراقب "حزب الله" فقط، بل الطرف الآخر في الثنائية الشيعية أي "أمل" أيضاً.
ثالثاً ـ وثمّة شخصيات سياسية غير جنوبية تبني على النقطتين السابقتين لتخلص الى استنتاج مفاده أن "إغراء" حزب الله بالتحوّل نحو الداخل بالمعنى "العضوي"، على افتراض أن الحزب قابل للإغراء أو أن عنوان التحوّل لا يستبطن عنواناً آخر من جانب طارحيه خارجياً (أميركياً بشكل خاص)، يصطدم بالموقع الراهن لبرّي و"أمل" في الدولة والنظام، وكي يصبح الإغراء جدّياً لا بدّ تالياً من تراجع نفوذ برّي والحركة ضمن الدولة والنظام. وبكلام آخر تخلص هذه الشخصيات الى أن طرفي الثنائية الشيعية الراهنة "معروضان" للضمور كل بصيغة وكل بمنحى محدّد.
المفترق
يدور النقاش في الوسط الشيعي الجنوبي غير المنتمي الى طرفي المعادلة الممسكة بزمام الجنوب الآن إذاً انطلاقاً من معطيات (معلومات) خارجية قد لا تكون كاملة الدقّة أي من تداعيات محتملة للمواقف الإقليمية (سوريا) والدولية (أميركا)، ومن احتمالات التسوية السورية ـ الأميركية حول لبنان أو عدمها.
بيد أن المتناقشين الذين يعلنون أن تعاطيهم مع المعطيات (المعلومات) الخارجية هو من باب "الرصد" الطبيعي للتطوّرات والاحتمالات، يطرحون الملاحظات الآتية:
أ ـ بصرف النظر عن مدى قناعة كل طرف من طرفي الثنائية الشيعية الراهنة: "أمل" و"حزب الله" بالمعطيات المشار اليها سابقاً، وبصرف النظر عن وجهة تعامل كل منهما معها، كما بصرف النظر عن "المشروع المستقبلي" لكلّ منهما.. فإنه لا يعقل بالنسبة الى الوسط الشيعي الجنوبي غير المنتمي الى أي من الطرفين إلا أن يأخذ في الاعتبار أن "الشيعية السياسية" على مفترق هو الأول من نوعه بعد اتفاق الطائف، وأن الوضع الشيعي على عتبة متغيّرات قد تحصل في غضون شهور وقد تستغرق وقتاً أطول لكّنها بدأت تطلّ برأسها.. لا بل إن النقاش لا بدّ أن يستنبط وسائل الحؤول دون "وقوع" الوضع الشيعي في "مطبّات هوائية".
إشكاليات "الثنائية"
ب ـ وبصرف النظر عمّا يقوله طرفا الثنائية الشيعية عنها، كما بصرف النظر عن تقويم كلّ طرف لتجربته وعلاقته بالجنوب على امتداد أكثر من عقدين، وعن "النقد الذاتي" الداخلي أو المعلن الذي يمكن أن يكون لواحد من الطرفين أو لكليهما، فإن الوسط الشيعي الجنوبي يشعر أن هذه الثنائية ولدت حاملة مجموعة من الإشكاليات والتناقضات، وبدت الى حدّ كبير مفروضة على الطرفين من ناحية وعلى الجنوب من ناحية ثانية لاعتبار "ظروف معركة التحرير" تارة ولاعتبار"الظرف الإقليمي" تارة أخرى، في حين يعلم السواد الأعظم من الجنوبيين أن "الودّ قليل" بينهما وأن لا مشروع مشتركاً بالمعنى العميق للمصطلح وأن العلاقة تكاد تنحصر بـ"تنظيم حسن التجاور" وفي المناسبات الانتخابية.. وفي أفضل الأحوال إعلان مواقف من قضايا عامة، في حين يستمّر التباس العلاقة التي لا هي تحالف، ولا معلوم ضمنها ما إذا كان "حزب الله" طرفاً معارضاً (في الداخل وحول عناوينه) في مقابل تمثيل "أمل" الشيعة في النظام.
ج ـ وفي جميع الأحوال، يرى المتناقشون أنه مع الاعتراف بأن كلاً من الطرفين يمثّل قوة سياسية ـ شعبية في الجنوب، لا يمكن القول إن ثمّة تزكية شعبية ـ شيعية ـ جنوبية للائتلاف الانتخابي بين طرفي الثنائية على الرغم من نتائج انتخابات الأعوام 1992 و1996 و2000 التي حصلت في مناخ سياسي محدّد أفرز هذه النتائج، وعليه ليس من شكّ في أن انتخابات تجري في مناخ سياسي مختلف (أي في ظل وضع طبيعي يمكن ان يساهم فيه الطرفان) وعلى أساس قانون انتخاب لا تكون مقاصده مطعونة، من شأنها أن تنتج تمثيلاً جنوبياً تعدّدياً، أي أكثر ديموقراطية.
التعدّدية
د ـ ويرى المتناقشون أن البديل من الثنائية الشيعية الراهنة، هو التعدّدية التي تحفظ لكلّ التيّارات حضورها وللجنوب غناه السياسي التاريخي، وتحفظ للطرفين نفسيهما مكانتهما بمعايير ديموقراطية، لا بل أكثر من ذلك يعتبر المتناقشون أن التعددية تشكّل ضمانة للشيعة وموقعهم ضمن المعادلة السياسية اللبنانية العامة، و"الاحتياط" الذي يمكّن الجنوبيين من "الاحتماء" به والمفاخرة على أساسه، وهو الذي يقطع الطريق على أي محاولة تغيير "انقلابية" (بالمناخ السياسي) من الخارج...
عند هذا الحدّ ينتهي "محضر النقاش" الدائر في الوسط الشيعي الجنوبي منذ فترة، وقد تمّ نقله عبر السطور السابقة بأكبر قدر من الدقّة.. وبأمانة مهنية. ولا يسع كاتب هذه السطور أو ناقل المحضر إلا أن يقول إن ما عرض آنفاً هدف الى تسليط الضوء على حوارات بيئة سياسية معينة وأفكارها.. فاللهم اشهد أني قد بلّغت مستغفراً الله، عسى أن يفيد من يعنيهم الأمر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.