8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط: اهتراء داخليّ لكن لا مبادرات ولا تحالفات في الأفق

يكشف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أن البحث خلال لقائه الرئيس السوريّ بشّار الأسد الأسبوع الماضي، تركّز بشكل رئيسي حول الوضع الإقليمي، وأن التطرّق الى الوضع اللبناني الداخلي لم يتمّ من زاوية الاستحقاق الرئاسي المقبل، بل من زاوية ملاحظات جنبلاط على الإدارة السياسية لهذا الوضع الداخلي ومساوئها العديدة.
وفي العناوين الإقليميّة، كان ثمّة تقدير مشترك بين الأسد وجنبلاط أن ما يجري من تطورات في فلسطين يؤكد أن الأفق السياسي المسدود هو سيّد الموقف، في ظل السياسات المتبّعة من قبل حكومة آرييل شارون والخطوات العدوانية المتواصلة التي تقدم عليها حيال الفلسطينيين، وفي ظل الدعم الأميركي المطلق لحكومة اليمين المتطرّف في إسرائيل. ويستشهد جنبلاط في هذا المجال بمقالة للكاتب الصحافي الأميركي توماس فريدمان قبل أيام يقول فيها أن شارون نجح في سجن اثنين: الرئيس ياسر عرفات في مكتبه في المقاطعة في رام الله والرئيس جورج بوش في واشنطن، وذلك في معرض الإشارة الى خضوع الإدارة الأميركية لمشيئة شارون.
كذلك، كان اتفاق في "القراءة" بين الرئيس السوري والزعيم الاشتراكي على أن ثمّة خطراً داهماً في العراق، هو خطر تقسيمه في ظل الارتباك الأميركي "الكبير" في التعاطي مع المسألة العراقية ودخول إسرائيل على خطّها تحريضاً على الفتنة الطائفية ـ المذهبية. وفي هذا السياق، يلفت جنبلاط الى القلق المشترك بينه وبين الأسد من غياب ما يسمّيه "القيادة السنّية الوطنية" في العراق، أي تلك القيادة التي تستطيع من وجهة نظره التغلّب على الحساسيات المذهبية والسير في تسوية مع الشيعة بشأن الصيغة السياسية المقبلة، مستغرباً رفض مطلب إجراء الانتخابات الذي رفعه المرجع الإسلامي الشيعي آية الله علي السيستاني، باعتبار أن هذه الانتخابات يمكن أن تشكّل مدخلاً الى هذه التسوية. كما لا يخفي جنبلاط قلقه من الوضع الكردي، وكل ذلك من زاوية وحدة العراق.
الإرباك الأميركي
ويتفق الأسد وجنبلاط على أن المسألتين الفلسطينية والعراقية تجعلان الولايات المتحدة في حال من الإرباك في هذه المنطقة، فكيف إذا أضيفت إليهما مشكلة أميركا في أفغانستان أيضاً؟ ويوضح رئيس "التقدمي" في هذا المجال أن علائم الإرباك الأميركي عديدة، فهناك وصول القدرة الأميركية على مستوى تحريك القوات ونقلها وإبقائها في أماكنها الى حائط مسدود أولاً، وسط معلومات لديه تفيد أن نحو 2000 جندي فرّوا من الخدمة العسكرية لدى عودتهم الى بلادهم، وهناك "الفاتورة العالية" للحرب الأميركية ثانياً حيث لم تنجح واشنطن بـ"تدفيع" أوروبا جزءاً رئيسياً منها، وهناك ثالثاً التلميح الأميركي الى مشاركة الأمم المتحدة في العراق تارةً والى مشاركة قوات في إطار الحلف الأطلسي تارة أخرى.
سوريّا ـ تركيّا
وإذ يشخّص جنبلاط الإرباك الأميركي الناجم عن عوامل سياسية ـ لوجستية ـ مالية، يؤكد انه لم يسمع من الأسد ان ثمة رهاناً سورياً على هذا الارباك واحتملات تفاقمه، لكنه في المقابل يشدد على أنه لم يشعر بأن ثمّة قلقاً سورياً حيال التطورات في المنطقة. ويسارع الزعيم الاشتراكي الى القول أن ما تطلبه أميركا من سوريا لا سيّما "القطع" مع الفلسطينيين و"حزب الله" يوازي الطلب منها أن تلغي ذاتها والاّ تعود نفُسها، وهذا ما ليس وارداً في ذهن القيادة السورية، الأمر الذي يجعل من يسأل جنبلاط عن انطباعه في هذا الموضوع يستنتج ان عدم القلق السوري محصّن بقرار عدم الاستعداد لتبديل "جلد" سوريا.
على انّ جنبلاط يلفت، دائماً في نفس السياق، الى انّ ثمّة مصدراً آخر لهذا "الاطمئنان" السوري، فينقل عن الرئيس الأسد ارتياحه الكبير الى التطور اللافت في العلاقات السورية ـ التركية، خصوصاً بعد زيارته الأخيرة الى أنقرة وهو تطوّر يتجلّى اقتصادياً في العمل المشترك على تنمية مشاريع في منطقة الحدود بين البلدين حيث باشرت تركيا نزع الألغام تمهيداً لاطلاق مشاريع عدة، كما يتجلى في التوجه الى تحويل منطقة الاسكندرون الى منطقة تجارة حرة بين الدولتين.
بوش مغامر
بيد أن رئيس "التقدمي" يؤشر الى معطيات تعاكس الى حد معين تلك المقدمات. فهو إذ يؤكد ان الرئيس الأميركي جورج بوش في حال انتخابه لولاية ثانية سيواصل النهج الحالي لادارته "والمتميّز" بعدائه للمنطقة كما يقول، يعتبر في الوقت نفسه ان أيّ رئيس أميركيّ جديد سيكون مقيداً بما فعله بوش طالما أن أصل الغزو الأميركي للعراق هو النفط، فضلاً عن أنه من الصعب القول ان "عقيدة" الادارة الحالية ليست عقيدة أميركية عامة. ويتوقع أن يبقى في العراق وجود أميركي مباشر أو أن ينشأ حلف أمني مع العراق، وهذا ما يتوقف على الحكم العراقي الجديد. لكن جنبلاط في انتظار الانتخابات الأميركية ونتائجها من ناحية والتطورات العراقية من ناحية ثانية، وفي وقت تتصاعد النبرة الأميركية تجاه سوريا مصحوبة بالتهديد باللجوء الى العقوبات في غضون فترة قريبة كما صرّح بذلك وزير الخارجية الأميركي كولن باول، لا يستبعد بالمطلق "تحرشاً" بسوريا بما في ذلك احتمال إقدام إسرائيل على عدوان، ذلك ان بوش اذا وجد ان مصلحة معركته الانتخابية تقتضي "حمل المشكلة مع سوريا" الى الميدان الانتخابي، فهو لن يتردّد، فبوش من وجهة نظر جنبلاط "مغامر وغير صادق".
"حزب الله"
ومن هنا بالتحديد يطل جنبلاط على دور "حزب الله"، فيعلن انه "مؤمن" بالنهج الذي يطرحه الأمين العام للحزب السيد نصر الله". ولا يتناقض في حديثه التنويه بحزب الله ودوره مع انتقاد ما يسميه "الردة" الأخيرة في إيران على أيدي "المتشددين" في إشارة الى سلوك الجناح الإيراني المحافظ حيال الانتخابات الإيرانية "مما يضعف وضع الجمهورية الاسلامية وآلياتها السياسية"، لكنه يسارع الى القول "ومع ذلك فإن إيران تملك أوراقاً عدة".
صفير
وفي الانتقال الى الوضع اللبناني الداخلي، لا يخفي جنبلاط أنه طرح مع الأسد ما يصفه بـ"سوء الإدارة السياسية"، وهو لا يستثني أحداً من المسؤولية عن ذلك ممّا ينتج فساداً وأضراراً مالية ـ اقتصادية ـ اجتماعية كبرى، كما لا يخفي انه عرض انتقاداته لبعض من الوزراء المحسوبين على دمشق، ويرفض البوح بما سمعه من الرئيس السوري في هذا المجال. غير أنه ومن دون الغوص في تفاصيل "سوء الإدارة السياسية" واتجاهات معالجتها لبنانياً من جهة وفي إطار العلاقات اللبنانية ـ السورية من جهة ثانية، يكرّر أن "بنية الطائف" يجب إعادة النظر فيها، وإن كان يلاحظ أن هذا الأمر لن يكون ممكناً قريباً.
ويبدي الزعيم الاشتراكي ارتياحه الى مواقف البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله بطرس صفير، وهي المواقف التي تحمي المسيحيين، و"تحرم أميركا من استخدام المسيحيين حتى آخر مسيحيّ في صراعاتها في المنطقة". ويربط مواقف صفير بمواقف رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا يوحنا بولس الثاني "الذي يرفض نظريات اليمين المسيحي المتصهين في الإدارة الأميركية ويخشى مخاطرها على المسيحيين".
هكذا يحدّد وليد جنبلاط الأمور في ما يعني الوضع الداخلي: بين "حزب الله" ذي "النهج النضاليّ" والبطريرك صفير ذي المواقف الحامية للمسيحيين، ثمة سوء إدارة سياسية لا يبدو أن الأفق مفتوح راهناً لمعالجتها. ولذلك، لا يتردّد جنبلاط في القول أن ثمّة "ستاتيكو" قائماً، وفي إطاره لا مبادرات ينوي القيام بها ولا تحالفات قابلة للتحقق... فقط تواصل من هنا مع عدد من البيئات والتيارات السياسية وعمل مشترك حول قضايا محدّدة من هناك مع ما تبقى من "يسار" أو "تيّار ديموقراطي".. وجهد لا بد من متابعته مع عرب فلسطين من هنالك كما يختم جنبلاط، بقليل من "الشهيّة" على الكلام وبكثير من "الألم" بشأن ما آلت إليه الأوضاع.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00