بدا خلال الأيام الماضية انّ ثمّة تطورّات ايجابيّة حاصلة أو هي قيد الحصول على خط بكركي ـ دمشق، وذلك من خلال ما نقله زوار دمشق عن "تفقّد" يقوم به الرئيس السوري بشار الأسد معهم لـ "حال" البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، وسؤاله المتكرر عمّا يريده سيّد بكركي أو ما يمكن عمله للوقوف على "خاطره". كما بدا ان ثمّة شيئاً ما على قدر من "السرعة" من خلال حركة بعض السياسيين المقرّبين من العاصمة السورية باتجاه البطريرك.
غير أن حديث راعي أبرشية انطلياس "ولقاء قرنة شهوان" المطران يوسف بشارة الى صحيفة "الرأي العام" الكويتية، بدّد هذه الانطباعات جميعاً، خاصة ان بشارة يُعتبر على نطاق واسع "حافظ أسرار" البطريرك. وفي هذا المجال، تؤكد أوساط سياسية مسيحية مقرّبة من صفير على مجموع من الأمور، وذلك على النحو الآتي:
بشارة
أولاً ـ انّ ما قاله المطران بشارة لجهة ان العلاقة المسيحية ـ السورية لم تشهد تطوراً بمضمون سياسيّ جوهريّ، دقيق في توصيفه لواقع حال هذه العلاقة. بيد انّ الأوساط نفسها تضيف انّ واقع الحال هذا لا يلغي "حقيقة" ان ثمة كلاماً "ناعماً" و"مهذباً" يجري تبادله بين القيادة السورية وبكركي، وتستنتج من ذلك ان التغيير المتراكم خلال الشهور الماضية بين الجانبين يتعلّق بـ "اللهجة" أو "النبرة"، لكنه لم يقترب من "الجوهر" أو "المضمون" كما تقول.
ثانياً ـ وتلفت الأوساط نفسها الى انّ ما أعلنه بشارة يهدف الى قطع الطريق على مجموعة من الأمور دفعة واحدة: على سيادة مناخ مضخمّ ومفتعل، من شأنه أن يجعل بكركي والدائرين في فلكها سياسياً في موقع من يُسأل عن تطور في وقت لا يمكن الحديث عن تطور ولا يمكن الايحاء بحصوله ممّا من شأنه إحداث ارباك... أولاً، وقطع الطريق على محاولة بعض السياسيين "الاعتياش" من حديث التطور وضخ أوهام سياسيّة ثانياً، وقطع الطريق على محاولة فرز البيئة المسيحيّة حول عنوان غير دقيق وغير متحقّق ثالثاً.
الوزير كرم
ثالثاً ـ وتشير الى الحديث الذي أدلى به وزير الدولة كرم كرم الى صحيفة "النهار" قبل أيام، والذي شكّل أحد مستندات تعميم مناخ مضخّم حول العلاقة المسيحية ـ السورية، وتقول في هذا المجال ان ما ركزّ عليه كرم في العمق هو ربط التطور في هذه العلاقة بزيارة يقوم البطريرك الى دمشق، مما يؤكد في تقدير الأوساط أن مقولة التطور مرهونة بخطوة محددّة من جانب صفير.
بقرادوني
رابعاً ـ وتتوقف الأوساط الآنفة ملياً عند ما جرى تسريبه لجهة وجود مشروع يجري درسه لتعديل الدستور باتجاهين: تقصير مدة ولاية رئيس الجمهورية وجعلها قابلة للتجديد مرة واحدة من دون حاجة الى تعديل الدستور، ومنح رئيس الجمهورية صلاحية حلّ المجلس النيابي.
وإذ تكشف ان صاحب هذا "المشروع" والموحي به هو رئيس "الكتائب" الوزير كريم بقرادوني، تشدد في المقابل على ان هذا "المشروع" لا يغري البطريرك الذي لا يزال على موقفه القائل ان تطبيق الدستور هو الممرّ الإلزامي الى اكتشاف ثغراته لتعديلها، أي ان التعديل اذا كان لا بد منه انما يلي تطبيقه كاملاً.
والى ذلك، تسلّط الأوساط الضوء على ان الغاية من هذا "المشروع البقرادوني"، سرعان ما انكشفت، إذ بادر رئيس "الكتائب" الى حملة تحت عنواني "موقع رئاسة الجمهورية" والضمانة التي يمثلها هذا الموقع للمسيحيين. وترى ان بقرادوني الذي "حاول" تسويق الكلام عن موقعية الرئاسة الأولى في امتداد "المشروع" الذي يحمل، والذي حاول الايحاء وسط الكلام عن تطور في العلاقة المسيحيّة ـ السورية بأن لهذا التطور مضموناً محدّداً، انما ارتكب خطيئتين متلازمتين: الأولى هي "الجور" على الواقع بـ "تلبيس" سوريا وبكركي معاً بحثاً غير حقيقي في "مشروع وهمي"، والثانية هي استنفار موقف إسلامي بالايحاء بأن الأمور قابلة لنوع من التواطؤ المسيحي ـ السوري على حساب الشريك المسلم، وهذا ما اقتضى رداً كان الأكثر تعبيراً ما أعلنه الرئيس عمر كرامي إذ اعتبرمواقف بقرادوني "معيبة".. ما اضطر رئيس الجمهورية اميل لحود نفسه الى التبرؤ منه. وتقول الأوساط المقربة من البطريرك، ان بقرادوني الذي تلقى أكثر من صفعة خلال الأيام القليلة الماضية، كان يحاول تجديد المعادلة التي يعتمدها، أي "الأخذ" من الشريك المسلم لإضعافه في ما يلي من استحقاقات.
خامساً ـ واذا كانت الأوساط نفسها لا تتردد في وضع "بهلوانيات" بقرادوني في خانة فريق معين في السلطة، وإذا كانت لا تترددّ في إعلان استعدادها للتعاطي مع انفتاح سوري يتجاوز "النبرة" أو "اللهجة" الايجابيتين، فإنها تسأل مع ذلك عمّا تسميه "سر" بقاء الايجابيّة في الدائرة المسيحية ـ السورية في حدود "إعلان النوايا" الطيبة وعدم التقدم باتجاه "مشروع سياسييّ" يخاطب المسيحيين وكل اللبنانيين، وتسأل عما يجعل هذا الانتقال يتأخر وعما يعوق تحقيقه؟
العلاقة المسيحية ـ الاسلامية.. و"التواصل"
سادساً ـ واذا كانت الأوساط على قناعة بأن بقرادوني "يلف ويدور" لتعديل الدستور عبر ربطه بـ "سلة" عناوين يحاول "بيعها" مسيحياً، فانها تبدي اعتقادها انّ العلاقة المسيحية ـ الإسلامية "مرتاحة" أكثر هذه الأيام، ولا تمانع في ان يكون الكلام عن تطور في العلاقة المسيحية ـ السورية واحداً من عوامل "الارتياح" في العلامة المسيحيّة ـ الاسلاميّة.
غير ان الأوساط التي تحرص على القول ان "الارتياح" لا يزال في حدود "الشكل" مما يتيح تواصلاً بين تيارات البيئة المسيحية لا سيما الأقرب من بينها الى البطريرك وعدد من المواقع الاسلامية من غير أن يصل "التواصل" الى حدود عمل مشترك محدد في مجالات محددة، تلفت الى انّ ثمّة مبادرات سياسية عديدة مباشرة أو غير مباشرة، قامت بها هذه التيارات باتجاه الشريك المسلم لكنّها لم تدفع هذا الشريك الى مبادرات مقابلة حتى الآن. وتشير في هذا المجال الى انّ التواصل الذي يحصل بـ "وتيرة" جيدة مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، سيستمر على الرغم من كون عدد من العناوين تستبعده المواقف المعلنة لجنبلاط والمعارضة المسيحية من دائرة الحوار، وان التواصل لا يستثني احداً في المبدأ.
وتشددّ الأوساط المقربة من البطريرك على انها وفي جميع الأحوال تحمّل ما تسميه "السلطة العاجزة" مسؤولية عدم تعميق مناخ الإيجابيّة سواء بالنسبة الى "لهجة" العلاقة بين دمشق وبكركي أو بالنسبة الى التواصل المسيحي ـ الاسلامي، ذلك على الرغم من الظروف الدقيقة حول لبنان التي تقتضي تفاهماً وطنياً عميقاً، على اعتبار ان هذه "السلطة" تضع مسألة العلاقات اللبنانية ـ المسيحية في الإطار المسيحي، وتحاول أن تهرب الى الأمام عبر الايحاء بضرورة تقوية "مسيحييها" كما يفعل بعض فريقها، وليست مهتمّة بتعّمق العلاقة المسيحية ـ الاسلامية في الداخل، بحسب ماتؤكد الأوساط نفسها ختاماً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.