بدا واضحاً خلال الأسابيع الأخيرة أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي هو أكثر المواقع السياسية حركة وإطلالة، لا بل الأكثر حرية في حركته.. طبعاً بمقاييس نسبية وبالمقارنة مع غيره. وفي هذا الإطار يقع لقاؤه مطلع الأسبوع الجاري مع الرئيس السوري بشار الأسد، وهو (اللقاء) وإن تم في لحظة عجقة سياسيين على خط بيروت ـ دمشق، إلا أنه بالتأكيد متميّز عن سائر اللقاءات الأخرى لتميّز جنبلاط نفسه من ناحية وتميّز علاقته بسوريا عن الآخرين من ناحية أخرى.
وفي قراءة دقيقة لحركة جنبلاط، لا بدّ من تسجيل مجموعة من الملاحظات، على النحو الآتي:
أولاً ـ يكرّر الزعيم الاشتراكي منذ فترة غير قصيرة أن الوقوف بجانب سوريا والتضامن معها يمثّلان خياره الإقليمي، لا بل هو يرسم حول هذا الخيار خطاً أحمر واضحاً. وفي تأكيده الخيار السوري إقليمياً، وفي لحظة ضغوط قاسية أميركية على دمشق، يعتبر جنبلاط ليس فقط أنه يؤكد خياراً عربياً بل إنه بذلك يذكّر الجميع بأن مصير لبنان ليس مفصولاً عن سوريا بأي حال من الأحوال، خاصة أنه مقتنع بأن أفق تسوية سورية ـ أميركية، لا يزال مسدوداً وقد يبقى.
"حزب الله".. ولحود
ثانياً ـ إن العلاقة المميّزة التي يقيمها جنبلاط مع "حزب الله" في لبنان، هي في وجهها الرئيسي امتداد طبيعي ومنطقي للخيار الإقليمي الذي يلتزم به، بمعنى أن المقاومة تصبح والحالة هذه عاملاً دفاعيّاً رئيسيّاً عن لبنان وسوريا، في وجه "الجذريّة" الأميركية ـ الإسرائيلية حيال الجميع في المنطقة.
ثالثاً ـ غير أن جنبلاط الذي ينطلق من أن الخيار السوري إقليمياً محسوم، ومحسومة معه العلاقة بحزب الله، أي الذي تمثّل العلاقة بحزب الله بالنسبة اليه الامتداد الطبيعي داخلياً للخيار الإقليمي الذي يتبنّى، لا يسحبُ الأمر نفسه على علاقته برئيس الجمهورية. فصحيح أن رئيس "التقدمي" أعلن أخيراً أنه سيؤيّد التمديد أو التجديد للرئيس اميل لحود "في حال" أخذت العلاقة السورية ـ الأميركية منحى "متدهوراً"، لكنه في الوقت نفسه اعتبر أن التجديد "غير شعبيّ" وأمل ألا يكون ذلك اضطرارياً. وبكلام آخر، من الواضح أن العلاقة بحزب الله تمثّل ما هو ملزم لجنبلاط داخلياً في امتداد الخيار الإقليمي، لكن التجديد للحود لا يلزمه إلا إذا اعتمدته سوريا خياراً لها، وبهذا المعنى فإن جنبلاط يعلن عدم تفضيله التجديد ويترك الخيار لسوريا في آن معاً.
الهامش من الحركة.. والعناوين الداخلية
رابعاً ـ وتأسيساً على النقطة السابقة، يبدو أن جنبلاط الذي "يعطي" في "الإقليمي" بقناعاته، يأخذ لنفسه هامشاً "لا بأس" به في المجال الداخلي، وهذا ما لا يعكسه فقط موقفه من التمديد في الاستحقاق الرئاسي المقبل، بل يؤشر اليه كلامه المتكرّر هو أيضاً عن سوء إدارة الوضع اللبناني الداخلي والتداعيات الخطيرة لذلك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وكلامه عن "تصحيح" العلاقات اللبنانية ـ السورية. وبصيغة أخرى، فإذا كان الخيار الإقليمي وامتداده المنطقي في لبنان (أي "حزب الله") يؤكدان كونه حليفاً استراتيجياً لسوريا، فإنه لدى مقاربة الوضع الداخلي يفرز نفسه عن ما يسمّى اصطلاحاً "حلفاء سوريا" المحليين.
خامساً ـ بين توكيد الخيار الإقليمي من جهة والتميّز على الصعيد الداخلي من جهة ثانية، يقع الهامش الجنبلاطي النسبيّ. وإذا كان ثمة من يفترض أن من شأن الخيار الإقليمي أن "ينفّر" البيئة المسيحية مثلاً من جنبلاط، على اعتبار أنه ذو كلفة أو لأن لهذه البيئة خطاباً "استقلالياً" عن سوريا، فواقع الأمر أن هذه البيئة أو غيرها تتعاطى مع الموضوع بوصفه "لا يفسد في الودّ قضية"، لأن تركيزها ينصبّ بالدرجة الأولى على استعادة الداخل اللبناني الى سياق طبيعي. والحقيقة أن "المعادلة" التي وضع جنبلاط نفسه فيها: الخيار السوري إقليمياً "في مقابل" الهامش داخلياً، والتي تجعله عنواناً لما يسمّيه هو "القوّة الثالثة"، هي "المعادلة" التي تجعله في موقع القدرة على الانفتاح على "المعارضات"، سواء "المعارضة المسيحية" أو "المعارضة اليسارية" أو غيرهما، وهذا ما تعكسه العناوين الداخلية التي طرحها أخيراً من الفساد الى إصلاح القضاء وقانون الانتخاب وإعادة النظر في بعض الأمور الإجرائية في الطائف وتنقية العلاقات مع سوريا.
ولمّا كان الزعيم الاشتراكي يدرك أن "إعادة النظر في بعض الأمور الإجرائية في الطائف" والتي يحاول بعضهم "دغدغة" البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير أو "ترغيبه" بها، غير "قابلة للصرف" راهناً عند البطريرك الذي ما فتئ يكرّر أن "تطبيق الدستور قبل تعديله"، فإن جنبلاط يرى أن "وضع قانون انتخاب متوازن لطمأنة المسيحيين هو المدخل الى حوار جدّي بين البطريرك وسوريا". ولذلك فإن العناوين الداخلية التي طرحها جنبلاط تؤسس ليس فقط لحوار أو عمل مشترك بينه وبين "المعارضات" بل لعلاقة متينة بينه وبين معظمها.
المسافة من التركيبة السياسية
سادساً ـ إن المعادلة السابقة لا تغلق على جنبلاط إذاً بل لعلّها تفتح أبواباً أمامه وتمنحه حريّة حركة، ولعلّ جنبلاط بـ"فرزه" لنفسه اتخذ "موقعاً تفاضليّاً": حليف استراتيجي لسوريا بخياره الإقليمي، وعلى مسافة متوازنة من أركان "التركيبة السياسية" لا يختصرها (المسافة) كلامه عن رغبته في مغادرة السلطة في الوقت المناسب فحسب، بل هو في كلامه عن الرئيس لحود لا يتصرّف على أساس كونه حليفاً له بل هو نقدي تجاهه في عدد من الملفات، وفي ما يتعلّق بالرئيس رفيق الحريري يتصرّف على مسافة منه منذ فترة وإن كان "حيّده" في حديثه التلفزيوني الأخير حرصاً على "عدم القطع" معه من ناحية وحرصاً على "عدم تحميله وحده مسؤولية الأوضاع" من ناحية ثانية.
اما بالنسبة الى الرئيس نبيه برّي، فإن العلاقة معه وإن كانت "مأزومة" وقد تتأزم أكثر، فإن جنبلاط لا يبحث عن "صراع مفتوح" معه وإن كان في بعض علاقاته السياسية يزعج برّي، خاصة في وقت تبدو العلاقة مقطوعة بين الرجلين.
دروز فلسطين
سابعاً ـ في غضون ذلك، أي في انتظار أن تقود "المعادلة" الى بلورة آفاق العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية التي يستطيع جنبلاط أن يلعب دوراً محورياً فيها، وفي انتظار أن يترسخ أكثر فأكثر هامش حرية حركته، والذي يبدو (الهامش) غير مرفوض سورياً، من الواضح أن الزعيم الاشتراكي يعزز مساهمته قومياً عبر الحركة باتجاه دروز فلسطين، حيث تفيد المعطيات أن هذا الأمر كان موضع بحث بينه وبين الرئيس الأسد قبل أيام، وأن ثمة عملاً يقوم به جنبلاط على "المثلث الدرزي" بين فلسطين وسوريا ولبنان ينتظر أن تتبلور نتائجه في غضون الأشهر القليلة المقبلة.
وفي هذا السياق، نقل وفد قيادي من الحزب التقدمي الاشتراكي الى دمشق رسالة مشتركة من "حركة ميثاق المعروفيين الأحرار" و"حركة المبادرة المستقلة"، و"لجنة الاتصال القومي"، وهي فاعليات ناشطة في فلسطين المحتلة، تشكر سوريا على تعاطفها معها وعلى استقبالها وفوداً منها قبل مدة.
وخلاصة القول إن ما يقوم به وليد جنبلاط ليس "تكتيكات" أو "تكيّفات"، بل إعلان قناعات لا يراها متناقضة بين الخيار الاقليمي وترميم الداخل، ما يجعله حليفاً مستقلاً لسوريا يتمتع بقدرة حركة "مقبولة"، وقابلة لأن تكون منتجة أيضاً. ثمة ذكاء جنبلاطي طبعاً لكن ليس ثمة "تذاكٍ"... وفي ما يقوم به يشبه جنبلاط نفسه فعلاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.