كثيرون هم الذين "يلاحظون" أن الحركة السياسية للرئيس نبيه بري في ما يتجاوز كونه رئيساً للمجلس النيابي، شبه معدومة في الآونة الأخيرة وأن الكلام السياسي الذي يطل به من حين الى آخر يتعلق بـ"الشأن الاقليمي" ويجانب "الشأن الداخلي" الى حد كبير. وفي المقابل، كثيرون هم الذين "يراقبون" بري في محاولة لصوغ استنتاجات تتصل بـ"موقعه" المستقبلي، في ضوء ما يعتبرونه "متغيرات" تمس هذا "الموقع" بشكل مباشر.
والحال أن فئتي "الملاحظين" و"المراقبين" تنطلقان مما تعرض له الرئيس بري من "هجمات" منذ ما قبل نهاية العام الماضي، بالتزامن مع مجموعة من الأحداث ـ التطورات، ما جرى معه افتراض من قبل البعض أن بري يواجه في حقيقة الأمر حملة لـ"تقليم" موقعه مما يترك انعكاساً مباشراً على "الواقع الشيعي" وعلى وضعيّته ضمن المعادلة اللبنانية ككل.
"الستاتيكو" الداخلي
وفي هذا المجال، وبالنسبة الى محدودية الحركة السياسية لبري في ما يتجاوز حضوره كرئيس لمجلس النواب، يقول متابعون عن كثب لهذا الموضوع إن بري ليس وحيداً في بابه في هذا الإطار، لا سيما أن ثمة نوعاً من "الستاتيكو" فرض على الجميع (مبدئياً)، ومن مفاعيله المباشرة الحد من قدرة المواقع السياسية الرئيسية على "التموضع" حيال عدد من الاستحقاقات، والاستحقاق الرئاسي من ضمنها بشكل خاص. ويضيف المتابعون أن بري أساساً وقبل فرض هذا "الستاتيكو" الذي أدى الى ما يسمى "سحب الاستحقاق من التداول" الى أن يحين أوانه في الصيف المقبل، لم يعطِ أي موشر ـ علني على الأقل ـ الى موقف حاسم من هذا الاستحقاق وذلك لسببين ينقلهما عنه من تسنى له النقاش معه خلال الفترة السابقة: الأول ينطلق من قناعة لديه بأن هذا الاستحقاق "ورقة مهمة" في يد سوريا لا يجوز "التشويش" عليها، وبأن من مصلحة لبنان أن تتاح لسوريا فرصة لعب هذه "الورقة" بشكل رابح، لا سيما أن لبنان هو المعقل "الدفاعي" الرئيسي لسوريا في وجه ما تتعرض له من ضغوط، فضلاً عن أن لا مصلحة لسوريا في "كشف" وجهة هذا "الورقة" في وقت مبكر. أما السبب الثاني الذي ينقل عن بري في هذا الخصوص، فهو أنه كرئيس لمجلس النواب لا يمكنه "حرق" موقعه هذا الذي يفترض منه الاحتفاظ بالقدرة على إدارة "اللعبة" عندما يحين الأوان، على نحو يتيح له تولي "الإخراج" اللازم للاستحقاق، طالما أن "الإخراج" لا يقل أهمية عن الاستحقاق نفسه.
يفسر المتابعون عن كثب محدودية الحركة السياسية لبري في هذا العنوان إذاً بالستاتيكو أولاً وبمواقف بري نفسها ثانياً، والتي يفهم منها أنه حريص على تشكيل "حصانة دستورية" للاستحقاق وللخيار السوري ضمنه.
بري وحملة الشائعات
بيد أن "مراقبي"، بري، أي "المتربصين" به بمعنى من المعاني، فإنهم يذهبون في "التفسير" الى "مكان" آخر. فهؤلاء، أو بعضهم، يعتبرون أن محدودية حركته السياسية، وانحصار إطلالته السياسية في مجالات تتصل بـ"الشأن الاقليمي" أساساً، تعود الى مجموعة عوامل أبرزها "على ذمتهم" ما يسمونه تراجع علاقة بري بالقيادة السورية منذ فترة، و"تنامي" أدوار بعضهم ضمن "فريق السلطة" أو بالأصح "عودة" بعض الأدوار ضمن "فريق السلطة" الى التنامي من جديد. وفي تقدير هؤلاء أن هذين المعطيين يفسران الى حد كبير الهجمات التي واجهها بري في الفترة السابقة، وحاولت إلصاق مجموعة من الاتهامات به، سواء تعلق الأمر بـ"طائرة كوتونو" التي أشيع أن ثمة علاقة له (أو أقاربه) بمالكيها أو تعلق بـ"الدنانير العراقية" التي أشيع أن ثمة علاقة لـ"مقربين" منه بها... قبل أن تتضح المسألة بأبعادها المتصلة بالعلاقة بين لبنان والعراق... فضلاً عن "الشائعات" الشخصية الأخرى.
ومن أتيح له النقاش مع الرئيس بري في الفترة السابقة، وجد أنه يكظم غيظه من حملة الشائعات التي يؤكد كما قال في المؤتمر الصحافي الذي خصصه للرد على بعضها أنه كان يتوقعها مع بداية العام 2004، ووجد في الوقت نفسه أن رئيس المجلس لا يعطيها الأهمية التي يعطيها "مراقبوه" من "المتربصين". ويقول الرئيس بري ساخراً، وفي عمق نفسه الذي لا يبوح به إن موقعه في الاستحقاقات هو المستهدف من هذه الحملة، وإنه بناء علي هذه الشائعات "يحق" له المطالبة بـ"حصته" المزعومة من الطائرة ومن الدنانير... لكنه إذ يعرب عن قناعته بأن هذه الشائعات مفضوحة وستنفضح أكثر وستظهر الحقيقة التي يعرفها هو أمام الجميع، يؤكد ومن غير رد مباشر على "المتربصين"، أن علاقته بدمشق علاقة خط ونهج سياسيين، وأنها لم تبدأ اليوم، وأنها متينة، وهو نفسه بمثابة رأس حربة الدفاع عن العلاقات اللبنانية ـ السورية وعن وحدة المسار والمصير مع سوريا وعن مصلحة لبنان في التحالف مع سوريا، وأن كل ذلك معروف ولسان حاله يقول "فليخيّط هؤلاء بغير هذه المسلّة".
رئيس المجلس.. "وحزب الله"
ويوحي بري لمحدثيه بثقته العالية حيال ما يطرحه. ويزداد ثقة بما يطرح عندما تصله أصداء كلام منسوب الى "متربصين"، من أنه قلق من موقعية "حزب الله" خصوصاً بعد اتفاق تبادل الأسرى بين الحزب وإسرائيل في الأيام الأخيرة. وهنا يسارع الى القول إن هذا الكلام مثير للضحك، ويؤكد في هذا المجال على عدد من المواقف: إن تبادل الأسرى بقدر ما هو إنجاز للمقاومة و"حزب الله" هو إنجاز وطني لبناني أولاً، وأن المطلوب أوسع تضامن لبناني حول الإنجاز وأهميته بالنسبة الى لبنان ومقاومته ثانياً، وأنه لا يعتبر هذا الإنجاز فئوياً ثالثاً... ويلفت في هذا الإطار الى أنه هو نفسه لم يشأ الظهور على "شاشة الحدث" بمناسبة تشييع رفات لشهداء من "أمل" مثلاً في عدد من القرى، تماماً لأنه يرفض الإيحاء بأي حال من الأحوال بأن ثمة تنافساً على الحدث الذي يسجل لمصلحة كل اللبنانيين، ويعتبر أن "حقه وصله" بإنجاز هذه المرحلة من التبادل.
"الترانسفير"...
ومحاولة فصل المسارين
ويؤكد الرئيس بري أمام محدثيه حتى من غير أن يقول ذلك مباشرة، أنه لا "يؤخذ" بهذه الحملة ولن "يؤخذ" بها، ويعتبر أنه في الموقع "الصحيح" وأن شيئاً لن يستدرجه الى معارك وهمية أو خاطئة ولسان حاله أن ليس "كل طير يؤكل لحمه". و"يسرح" بعيداً عن هذه الأمور ليدعو الى التركيز على العناوين الكبرى، فيلفت الى استمرار الضغوط الأميركية والإسرائيلية على لبنان وسوريا، ويحذر من استمرار السعي أميركياً وإسرائيلياً الى فصل لبنان عن سوريا ومساره عن المسار السوري، وينبه الى خطورة ما يجري في فلسطين حيث يرى أن ثمة اندفاعة إسرائيلية باتجاه تنفيذ "الترانسفير" للفلسطينيين وتحديداً لعرب 1948 باتجاه غزة وصحرائها في تعطيل واضح للدولة الفلسطينية وحق العودة للاجئين... ولا ينسى ما يجري في العراق ولا يخفي أنه "نصح" من التقاهم من أعضاء مجلس الحكم العراقي الذين زاروا بيروت أخيراً بأن يتعاونوا مع سوريا بوصفها بلداً مجاوراً شقيقاً وبوصفها عامل استقرار في العراق وفي المنطقة على حد سواء.
جنبلاط و"الجبهة القومية"
وفي وقت يتجنب بري "الكلام المباح" في الوضع الداخلي بأبعاده المشار اليها آنفاً وللأسباب المحددة في ما سلف، وفي ما يبدو أنه رد على ما يُشاع عن "خلاف مستعصٍ" بينه وبين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط، فإنه يعلق مازحاً على تقسيم جنبلاط لمجلس الوزراء الى "جبهة وطنية" من جهة و"جبهة قومية" من جهة أخرى، بعد ما جرى في الجلسة الأخيرة للحكومة. وفي هذا السياق، وإذ يذكّر بري بنشوء "الجبهة القومية" الموالية لسوريا عام 1976 في أعقاب الخلاف مع "الحركة الوطنية" آنذاك حول "الإدارة المدنية"، وإذ يعيد الى الأذهان أن هذه "الجبهة" تشكلت بمبادرة من "أمل" وبمباركة من الإمام المغيّب السيد موسى الصدر، يلفت بري الى أن ما سماه جنبلاط "جبهة قومية" في مجلس الوزراء إنما هو غير دقيق لأن "أمل" العضو المؤسس في تلك "الجبهة" كانت خارجها في مجلس الوزراء الأخير، وقد ساند الوزير أيوب حميد وزراء جنبلاط في موقفهم، وكان سيساندهم الوزير علي حسن خليل لولا أنه غاب عن الجلسة بسبب تأديته فريضة الحج. ويتوقف بري عند هذا الحد، وإن كان بدا أن في استعادة هذه "السالفة" لوناً من "الإشارة" باتجاه جنبلاط الذي لم يتأخر خلال الحوار التلفزيوني الأخير معه على "اللبنانية للإرسال" في إظهار التقاطه لها (الإشارة) إذ نفى خلافاته مع بري وإن كان أشاد في المقابل بشخصية غير مدنية "متربصة" ببري.
"الوضع الشيعي"
على أي حال، وفي ما يتجاوز الحملة على رئيس المجلس من ناحية و"صموده" في مواجهتها من ناحية أخرى، يعود المتابعون عن كثب وهم من خارج فئتي "الملاحظين" و"المراقبين" الى الكلام، فيعتبرون أن ثمة قلقاً يساورهم حيال الوضع الشيعي ككل ضمن المعادلة السياسية، وذلك بصرف النظر عن كلام من هنا وهناك وحسابات مباشرة بلدية أو نيابية أو رئاسية. فأن يكون قُطبا "الثنائية الشيعية" أي "أمل" و"حزب الله" هدفاً لضغوط سواء للعلاقة بسوريا أو بايران أو لاعتبارات داخلية، وأن تكون الضغوط أمراً واقعاً.. فذلك يعني أن للمسألة ما بعدها مما قد يدخل الوضع الشيعي في مخاض.. عسير يفترض أخذه في الاعتبار والتفكير به منذ الآن.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.