8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله": "الصفقة" لم تصنع شرعية المقاومة لكنها أضافت إليها

لم يحن بالنسبة الى "حزب الله" أوان الكشف عن معطيات العمليّة التفاوضيّة في مرحلتها السابقة، وليس الوقت مناسباً للحديث عن محطات من الصراع التفاوضي الذي أفضى الى اتفاق التبادل. بيد أن الحزب الفخور بالإنجاز المتحقّق، يعتبر الفرصة مؤاتية لتقويم الإنجاز بأبعاده المختلفة، مركّزاً على مجموعة من النقاط التي يبدو مهتماً بالإضاءة عليها في لحظة سياسية استثنائية لبنانياً وإقليمياً.
"هي عمليّة انسانيّة بالدرجة الأولى"، يقول مسؤول الإعلام المركزي في الحزب الشيخ حسن عز الدين الذي يسارع الى "الاعتراف" بأن لها "نتائج سياسية بالتأكيد". ويشكّل هذا المدخل فرصة بالنسبة إليه لتقديم "البُعد الإنساني الحضاري" لحزب الله، وعلى نحو غير مسبوق في الخطاب السياسي الإعلامي ـ أي الخارجي ـ للحزب، وإن كان خطاب الأمين العام السيّد حسن نصر الله في استقبال الأسرى العائدين تضمّن هذه "النفحات".
"مسألة ثقافية" و"صورتان"
في الجانب الإنساني من عملية التبادل يركّز عزالدين على "مسألة ثقافية" من ناحية و"صورتين" من ناحية ثانية. وفي "المسألة الثقافية"، يشدّد على أن "قول السيّد نصر الله أننا قوم لا نترك أسرانا لا يؤكد فقط هاجس استعادة الأخوة المجاهدين من الأسر بل هو توكيد على رؤية المقاومة تجاه الإنسان وتجاه الانتماء الى الإسلام"، ويضيف أنّ "استعادة الأسرى أمر ينسجم وعقيدتنا وفيها أنّ الإنسان خليفة الله على الأرض، وحرمة الإنسان أهم من حرمة بيت الله الحرام ولهذا الاعتبار كان الحافز والجهد لاسترداد الأسرى الى الحرية".
وإذ يلفت الى "مجموعة القيم الإنسانية المتأصّلة والتي تجعلنا نرى الإنسان اللبناني والفلسطيني والعربي والمسلم انساناً واحداً"، ويعرب عن اعتزاز الحزب بـ"شمول التبادل أسرى فلسطينيين وعرباً"، ينتقل المسؤول الحزبي الى "الصورتين" في سياق "المسألة الثقافية"، فيقوم بمقارنة بين معنى الإنسان في ثقافة المقاومة ومعناه لدى إسرائيل "التي لا تعترف بقيمة غير الإسرائيلي"، ليشدّد على "التناقض الفكري والقيمي بين المقاومة والصهيونية".
ويتحدث في هذا السياق عن "الصورة الأولى"، فيشير الى أن "حزب الله" لم يسلّم إسرائيل رفات جنود بل جثثاً كاملة جرى حفظها طيلة السنوات الماضية بوسائل التحنيط المتقدّمة وذلك "حفاظاً على حرمة الإنسان لأن حرمته وهو ميّت كحرمته وهو حيّ". أمّا الضابط الاحتياطي الحنان تننباوم "فقد عومل بوصفه أسيراً ووفّر له المأكل والنوم المريح والمعالجة الصحيّة، وعند إطلاقه أخذ الى المطار من غير قيود، أنيق المظهر والملبس حتىّ بدا أشبه بوزير منه أسيراً"، في حين أن "أسرانا قيّدوا بالسلاسل من لحظة إخراجهم من الزنازين الى لحظة وصولهم الى ألمانيا وفي الطائرة حيث كان كلّ أسير تحت رقابة أمنيين اثنين".
الأداء التفاوضي: المركزيّة والمناورة
ومن ذلك كلّه، ينتقل عزّالدين الى "السياسة" ليتناول عملية التبادل في الأداء وفي التوقيت وفي النتائج.
في الأداء، يشير مسؤول الإعلام في "حزب الله" الى انه على الرغم من توازن القوى لمصلحة إسرائيل في المفاوضات فإن "نتائجها كانت لمصلحة المقاومة وليست لمصلحة إسرائيل". ويحدّد سبباً أول لذلك هو ان "إدارة العمليّة التفاوضيّة كانت إدارة مركزية محصورة بالسيّد حسن معه فريق عمل". أما السبب الثاني برأيه فهو ان "المفاوض من قبلنا نجح في المناورة بشكل فعّال خلال العمليّة التفاوضيّة"، وقد "استطاع أن يناور بمصير مجهول للجنود الثلاثة في وقت كان هولاء الجنود في عداد الموتى". ويؤكد عزّ الدين في هذا الإطار ان "ما أكد عليه الأمين العام منذ البداية لجهة ان كشف مصير الجنود لن يكون بلا ثمن، تم الإلتزام به"، وأكثر من ذلك فإن أي معلومة عن مصير هؤلاء "لم تعط قبل التوصل الى الاتفاق"، وهذا ما يؤكده على كل حال إعلان مصدر قيادي في "حزب الله" ان الجنود الثلاثة موتى لدى تسليمهم الى الفريق الألماني في مطار بيروت فقط. ويلفت الى انه "لم يبق أحد من دول وهيئات وصليب أحمر إلا وحاول بضغط إسرائيلي أن يعرف عن مصيرهم ولم ينجح". وفي الأداء ايضاً يشدّد "الشيخ" على ان "الشروط التي وضعتها إسرائيل في بداية المفاوضات خرقت كلها، فلم تكن عملية التبادل أحياء في مقابل أحياء وجثثاً في مقابل جثث كما أرادت، ولم يكن لها ما أرادته ايضاً من أن لا فلسطينيين ولا عرباً". ويغتنم المناسبة هنا ليقول ان "الأسرى الفلسطينيين المحررين الـ400 ليس من بينهم واحد محكوم جنائياً، إضافة الى ان أحداً لم يستطع في مراحل سابقة منذ الاتفاقات الموقعة بين جهات عربية واسرائيل، تحرير هذا العدد من الفلسطينيين".
التوقيت
أمّا في التوقيت، فيعتبر "حزب الله" انّه "كان قاتلاً سياسياً للعدو وساهم في تعميق هزيمته التفاوضية".ويشير في هذا المجال الى ان "التوقيت قاتل بمقياس ان اتفاق التبادل كان مسبوقاً قبل أيام قليلة بانتصار ميداني سجّلته المقاومة في عملية التصدي للجرّافة الإسرائيلية على الحدود"، وبهذا المعنى، فإن التوقيت مسألة مهمة "حيث وقّع العدو اتفاق التبادل في لحظة سياسية سيئة بالنسبة اليه".
حزب ديني إنساني لا مذهبيّ
وماذا عن النتائج السياسية للعملية الإنسانية من وجهة نظر الحزب؟
علاوة على التشديد على كون التبادل انتصاراً لحزب الله "ضد إسرائيل وأميركا معاً"، يرى عزّالدين ان "حزب الله تجاوز عبر التبادل الحدود الجغرافية على مستوى التأثير، فإذا كانت الرقعة الجغرافية للعمل المقاوم ميدانياً هي مزارع شبعا والحدود، فإن التأثير السياسي والمعنوي تجاوزها ليؤكد موقعه كلاعب أساسي إقليمياً في قضية الدفاع عن الحق الفلسطيني والعربي". كذلك فإن عملية التبادل من وجهة نظر الحزب "جدّدت إدخاله الى ضمير جماهير الشعب الفلسطيني وآماله"، كما يقول عزّ الدين الذي يستدرك بأن "أهل مكّة أدرى بشعابها"، في إشارة الى ان الفلسطينيين أعرف بقضيتهم ولا يعطيهم أحد دروساً. وإذ يؤكد أن "شرعية المقاومة مكتسبة ولم تصنعها عملية التبادل"، فإنه يعتبر ان "المفاوضات أكّدت الشرعية في وجه من يدّعون ان حزب الله إرهابيّ". ويلاحظ هنا "أهميّة انّ دولة بحجم ألمانيا تدخل وسيطاً وإسرائيل التي تتحدّث بالإرهاب تعترف عملياً بأن عليها التعامل مع المقاومة".
وفي النتائج دائماً، يسجّل المسؤول الحزبي انه بالإفراج عن أسرى عرب "تجاوز إنجاز التبادل البعد الوطني الى البعد القومي والإسلامي ما يعزّز المنطلقات الفكريّة لمشروع المقاومة"، ويلاحظ ان "الحزب يترجم منطلقاته مؤكداً حقيقة كونه ليس حزباً طائفياً أو مذهبياً، بل هو حزب ديني بأبعاد إنسانية وحضارية يتكامل مع الدائرتين الوطنيّة والقومية"، ومن النتائج أخيراً أن "العملية وطنية لبنانية بامتياز وقد أخرجت اللبنانيين من دائرة العناوين الصغرى الى رحاب القضايا الكبرى".
أي ديناميّة لاحقة؟
غنيّ عن القول بعد هذا الاستعراض لتقويم "حزب الله" على لسان مسؤول الوحدة الإعلامية المركزية فيه لإنجاز التبادل بعد انتهاء مرحلته الأولى وعلى عتبة المرحلة الثانية، أن ما طرحه الشيخ حسن عز الدين "محاولة" لإبقاء الضوء مسلّطاً على الإنجاز كي لا يحصل فيه ما حصل بإنجاز التحرير في 25 أيار 2000، لجهة "الابتلاع" الذي أصابه في الوضع اللبناني الداخلي خصوصاً. غير أنّه، ولأن عدداً من النتائج السياسية التي توصّل إليها المسؤول الحزبي تتّصل باللحظة المباشرة فقط ولا تقارب المرحلة المقبلة بالمعنى السياسي الدقيق بالعلاقة مع المعطيات الإقليمية والدولية كافة، فمن الواضح أن النقاش سيبقى مفتوحاً حول مسألة مركزية هي الآتية: هل أن عملية التبادل ملفّ مفصول عن ملفات إقليمية أخرى؟ أم أنها جزء من دينامية سياسية حيال عدد من هذه الملفات؟ وهل يمكن الحديث عن دينامية في الإطار الإقليمي في ظلّ دينامية إسرائيل العدوانية؟ أم أن ثمّة دينامية إقفال ملفّات أميركياً للانصراف الى ملفاّت أخرى؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00