8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"نقزة" مسيحيّة غير علنيّة من "صفحة لم تطوَ".. ومٍن "خطاب تحريريّ" يتجدّد

مَن تسنّى له اللقاء بأوساط مسيحية خلال الأسبوع الماضي، خصوصاً بعد إتمام المرحلة الأولى من اتفاق تبادل الأسرى بين "حزب الله" وإسرائيل، سمع كلاماً "استثنائياً" في سلبيّته حيال "الصورة" التي بدا عليها المشهد السياسي اللبناني خلال الأيام الماضية، وهو كلام سلبي ينقله المتحدّثون باسم هذه الأوساط عن "المناخ الشعبي" المسيحي، مع تأكيدهم أنّهم يتعاطفون معه في جانب وأنهم ساعون الى "عقلنته" في جانب ثان.
كيف يقرأ المسيحيون في معظمهم تلك "الصورة"؟
أولاً ـ يؤكد المتحدثون باسم أوساط مسيحية أن السلبية في مقاربة المشهد اللبناني لا تتعلّق البتة بـ"إنجاز" إطلاق الأسرى في حدّ ذاته، إذ لا يعقل أن يكون ثمة موقف لا ينظر الى الحدث الذي يطوي صفحة من صفحات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب بإيجابية، وهذا ما عبّر عنه البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير مرة بعد لقائه رئيس الجمهورية إميل لحود قبل أيام، وثانية في عظته الأسبوعية يوم الأحد الفائت إذ هنّأ "لبنان والأسرى وذويهم" بحريّة الأسرى.
"الدولة الموظّفة"
ثانياً ـ لكن إذا وضع إنجاز عودة الأسرى الى الحرية جانباً، فانّ ما استثار البيئة المسيحية بحسب المتحدثين هو "صورة" الدولة (السلطة) التي بدت قبل يوم التبادل وأثناءه في المطار "موظّفة" عند "حزب الله" كما يقولون، لا دور لها إلاّ في الإطار "اللوجيستي"، وقد غابَ دورها "السياسي ـ السيادي" الأمر الذي يطرح مسألة قرار الدولة وفي يد مَن، برأي المتحدثين.
خطاب تجديد المقاومة
ثالثاً ـ غير أن ما استوقف البيئة المسيحية على ذمّة المتحدّثين أنفسهم، هو الخطاب السياسي للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في استقبال العائدين من الأسر، وهو خطاب بدا من خلاله للمسيحيين أن مسألة الأسرى ليست "صفحة تطوى" بل هي على ما يبدو منطلق لتجديد "المشروع المقاوم" وتحديد الخيارات نيابة عن كل اللبنانيين ومن غير تفاهم وطني في هذا الشأن. ويقول المتحدثون هنا أن هذا الخطاب السياسي ليس فقط لا يأخذ في الاعتبار المتغيّرات الإقليمية ـ الدولية التي يجب أن ينصبّ الجهد اللبناني على تفادي تداعياتها، بل هو لا يأخذ في الحسبان الاحتضان الذي مُنح لحزب الله خلال السنوات الأخيرة ضدّ الاتهامات التي تعرّض لها، وهو احتضان كان للمسيحيين دور أساسي فيه، والدليل أن الخطاب لم يبدُ مهتماً بـ"اللبناني الآخر" وما يطرحه.
رابعاً ـ ودائماً على ذمّة المتحدّثين، فإن "صورة المشهد" أحدثت "نقزة" مسيحية إذ بدا أن في الأمر "استعراض قوة" وتصرّفاً على أساس يوحي بـ"غلبة" من لون معيّن. ويلفت المتحدّثون الى أن إنجاز التحرير في أيار من العام 2000 لم يحدث هذه "النقزة"، لأن هذا الإنجاز بدا آنذاك خاتمة أحزان اللبنانيين مع الاحتلال الإسرائيلي، وبدا في وجه آخر منه بوصفه "الصفحة" الأخيرة في "كتاب" الحرب اللبنانية، وأن بعده سيكون تعزيزاً للمصالحة والتفاهم اللبنانيين. بيد أن "النقزة" عادت لتبرز حينها عندما "استحضرت" مزارع شبعا، حيث بدا من ذلك "الاستحضار" أن ثمة محاولة خروج من البعد اللبناني للمقاومة نحو بعد آخر. ويشير المتحدثون الى أن إطلاق البيئة المسيحية لـ"الخطاب السيادي" في تلك الحقبة، إنما كان مؤسساً على إنجاز التحرير من جهة لكنه كان يحاول الدعوة الى الانطلاق نحو مرحلة لبنانية جديدة من جهة أخرى. ويؤكدون أن ما جرى بعد ذلك، لا سيما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول في واشنطن ونيويورك، يشير بوضوح الى العقلانية المسيحية في التعاطي مع التطورات الاقليمية الدولية الخطيرة، خصوصاً بعد الحرب على العراق، والى رفض المراهنة على هذه التطورات، والى التمسك بالعيش المشترك واحتضان كل مقومات هذا العيش المشترك بمن فيها "حزب الله"، مما كان يفترض معه احترام "الآخر"، وعدم الاستمرار في ما يسميه المتحدثون "الانفراد بالقرار"، وقد أبدت البيئة المسيحية في أكثر من مناسبة تفهمها لحزب الله وأدائه وشدّدت على التواصل والحوار معه، وهذا ما أبلغه البطريرك صفير الى وفد الحزب الذي زاره منذ فترة قريبة.
"مسيحيو السلطة"
خامساً ـ ويبدي المتحدثون أستياء "المناخ الشعبيّ المسيحيّ" من "صورة" مسيحيي السلطة، بين شخصيّة وزارية تصرّفت وكأنها "ظل" المقاومة في هذه المناسبة، وشخصية وزارية أخرى من فريق السلطة راحت تحاول استغلال المناسبة بهدف تأجيل استحقاق قريب، على قاعدة "تخويف" معنيين على غير صعيد محلي وخارجي من اكتساح محتوم لحزب الله لهذا الاستحقاق القريب. وفي السياق، يلفتون الى أن شخصية معارضة تواجدت في استقبال المطار، نالها قسط من الانتقاد، لأنها في السياق الذي ظهرت فيه بدت أشبه بمن يشهد على أمور لا مبرر لها.
ويؤكد المتحدثون بعد استعراضهم لـ"النقزة" المسيحية (الشعبية) حيال "الصورة" كما تجلّت الأسبوع الفائت، أنهم يشاطرون "المناخ الشعبي" بعض "نقزته" و"قلقه" و"مخاوفه"، وإن كانوا يشددون على ضرورة تنزيه إنجاز استعادة الأسرى عن أي سجال. ويلفتون في هذا المجال الى أنهم لا يخفون "الامتعاض" من أداء الدولة (السلطة)، ولا يخفون الرغبة في عقلنة ردود الفعل والابتعاد عن "الغرائزية".
ثنائية التحرير ـ السيادة؟
وإذ يبدون حرصهم على الحوار مع "حزب الله" الذي لم ينقطع بمعناه الواسع والعام طيلة المرحلة الماضية، يسجلون الى جانب هذا الحرص نوعاً من "العتب" على "حزب الله" الذي كانت باتجاهه مجموعة من المبادرات لكنه لم يقدِم في المقابل على أي مبادرة تتجاوز الطابع البروتوكولي أو التواصل المحدود كما يقولون.
ويسألون: هل المطلوب إزاء خطاب السيد نصر الله الذي يبدو ناطقاً باسم الدولة اللبنانية، دفع المسيحيين الى تجديد طرح خطاب مقابل؟ هل المطلوب إعادة اطلاق "خطاب السيادة" بمفرداته نفسها في مقابل "خطاب التحرير" المستمر؟ هل المطلوب حدوث استقطاب حاد متجدد بين "سياديين" و"تحريريين"؟
وعن هذه التساؤلات يجيبون ان البيئة المسيحية، المعارضة خاصة، لا تتطلع الى تجديد الإنقسام السياسي على الرغم من الأبعاد والدلالات التي اتخذها حدث التبادل في "مشهديته"، لكنها تسجّل أن "السلطة" فشلت مرة أخرى في إدارة عملية سياسية على نحو يبعدها عن الحساسيات ويبقيها في إطار وطني، وتسجل أيضاً أن المرحلة هي لـ"تواصل" وطني يقترب فيه الكل من الكل ويتعرّف على ما لدى الآخر، ولعل الحدث ورد الفعل عليه يحفزان على ذلك، علماً ان المعارضة ستعطي رأيها بالقدر اللازم من الحرص على "التواصل" لكن بالقدر اللازم من الوضوح أيضاً.
خطاب نصر الله دفاعي أم هجومي؟
ما يعلنه المتحدثون باسم البيئة المسيحية، المعارضة خصوصاً، وما ينقلون عن "المناخ الشعبي" المسيحي، يؤشر بحسب مراقبين الى "إشكالية" على درجة من الخطورة، الأمر الذي يستدعي برأيهم توضيحاً من "حزب الله" لمعاني خطابه السياسي أياً تكن درجة الوضوح الراهن فيه، خاصة إذا ما أخذ في الاعتبار انّ خطاب نصر الله كان موجهاً بالدرجة الأولى الى "الخارج" الإسرائيلي (والأميركي) في لحظة صراع تفاوضي "موصوف"، وهو أمر مطلوب من "حزب الله" طالما أن "السلطة" لا تحوز الثقة، في هذه البيئة بالتحديد.
غير أنّ المراقبين يسارعون الى القول أن "الإشكالية" التي تطرحها البيئة المسيحية قبل أيام، ليست جديدة. فصحيح أنها لم تبرز على هذا النحو في أيار من العام 2000، إلاّ أنها "حضرت" بقوة وحرّكة "مخاوف" حيال ما سمّي "الثقل الشيعي" في الداخل اللبناني، وتُرجمت هذه المخاوف حينذاك بمطالبات من بينها انتشار الجيش على الحدود. وصحيح أيضاً أن ثمة "خيبة" من أن "الصفحة" لم تطوَ، بيد أن الصحيح في نظر المراقبين هو، في ما يتجاوز "الصورة" و"النقزة" من "الصورة"، ان خطاب نصر الله في منحاه العام "دفاعي" أكثر منه "هجومي"، وان "الصورة" محدودة المفاعيل السياسية لأنها متّصلة بحدث مباشر. ومع ذلك كله، فإن الأمر يحتاج الى مصارحة في مقاربة المرحلة ومقتضياتها والى الانتباه الى ضرورة عدم قطع الحوار بين مختلف المواقع الرئيسية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00