عند اكتمال المرحلة الأولى من اتفاق التبادل بين "حزب الله" وإسرائيل اليوم وغداً، لا يمكن القول على الرغم من أهمية الإنجاز إن ملف الأسرى في السجون الإسرائيلية قد تمّ إقفاله، الأمر الذي يتوقف تحقيقه على إتمام المرحلة الثانية من الاتفاق الذي أعلن عنه.
ومع أن المرحلة الثانية هي الأكثر تعقيداً كونها تتضمّن الإفراج عن عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار مشروطاً بالحصول على معلومات عن الطيّار الإسرائيلي رون آراد، إضافة الى شرط إسرائيلي مستجدّ هو الحصول على معلومات عن مفقودي السلطان يعقوب، فإن مقاربة الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله للمرحلة الثانية خلال مؤتمره الصحافي يوم الأحد الماضي، أوحت بما لا يدع مجالاً للشك أنه شديد التفاؤل بإنجازها، لا بل إن المراقبين السياسيين الذين تابعوا وقائع المؤتمر الصحافي كـ"نصّ" واستخدموا بعض "الفراسة" في قراءة الملامح الشخصية للسيّد، استنتجوا أنه لم يركز كثيراً في السياسة على المرحلة الأولى قيد التنفيذ وذهب مباشرة الى المرحلة الثانية التي وصفها بـ"الأكبر والأهمّ" وقال إن الثمن الذي ستدفعه إسرائيل فيها سيكون كبيراً "كمّاً ونوعاً".
وإذا كانت المرحلة الثانية قابلة للتعطيل "نظرياً"، فإن ما يملكه السيّد نصرالله من معطيات ومعلومات من موقعه الرئيسي في العملية التفاوضية ممّا يجعله متفائلاً بإنجازها وبإقفال الملف بشكل نهائي تالياً، أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية استند في بعض منه (النقاش) الى كلام لمصادر ديبلوماسية غربية، فطرحت العناوين والملاحظات والأسئلة الآتية:
ماذا "يقبض" حزب الله وماذا "يدفع"؟
أولاً ـ إذا تمّت المرحلة الثانية من اتفاق التبادل فعلاً، فمعنى ذلك أن إسرائيل دفعت ثمناً باهظاً في حساب "حزب الله"، لم يسبق لها أن دفعت مثله لأي دولة عربية بما فيها تلك التي وقّعت معها اتفاقيات. لكن، وبما أن المرحلة الإقليمية ـ الدولية المتسمة بالضغوط الأميركية (والإسرائيلية) على سوريا ولبنان وإيران و"حزب الله" نفسه، تفيد أن العنوان الرئيسي لهذه الضغوط هو وقف الدعم لـ"حزب الله" وإنهاء مقاومته في الجنوب، وبما أن ثمة مفارقة بين "الدفع" للحزب و"الدفع" المطلوب من الحزب في المقابل، فإن الأوساط السياسية تسأل بداية: هل إن إتمام المرحلة الثانية من اتفاق التبادل يتضمّن ثمناً يدفعه "حزب الله" وما هو هذا الثمن اللاحق على إنجاز مرحلتي الاتفاق الأخير؟
ثانياً ـ لا تجادل الأوساط في حقيقة أن إنجاز المرحلة الثانية ـ والأخيرة ـ من اتفاق التبادل إذا تمّت فعلاً، يعني عندئذٍ إقفال ملف الأسرى، وبالتالي فإذا كان ثمة "ثمن" يدفعه "حزب الله"، فإن هذا "الثمن" الافتراضي ليس مرذولاً بالمعنى القيميّ والسياسي، ولا هو مجاني، بل سيكون في إطار "تسوية" ما مرعيّة إقليمياً ودولياً. وبكلام أشدّ وضوحاً، تعتبر الأوساط هنا أن ثمة ملفين استمرا قائمين بعد التحرير في العام 2000، الأول هو ملف الأسرى الذي يفترض أن تنجزه المرحلة الثانية من الاتفاق الأخير، والثاني هو ملف مزارع شبعا. ومن حيث "المبدأ"، فإن إقفال هذين الملفين يعني من وجهة نظر العديدين محلياً وخارجياً (بما في ذلك ايرانيّاً. حسب تصريح لأحد كبار المسؤولين الايرانيين أخيراً)، "إسقاط" العنوانين الرئيسيين للمقاومة في بعدها اللبناني. ومن هنا، إذ تسأل الأوساط عمّا إذا كان ثمة ثمن يدفعه "حزب الله" في مقابل ما تدفعه إسرائيل، تسأل ايضاً، ما إذا كان "الثمن الافتراضي" الذي يدفعه الحزب، مرتبطاً بإقفال ملف المزارع في الوقت نفسه عبر انسحاب إسرائيلي منها، وهو أمر تحرّك أكثر من مرة خلال السنوات الماضية بصيغة أو بأخرى؟
وترى الأوساط أنه إذا اكتملت المرحلة الثانية من اتفاق التبادل أولاً، وإذا ارتبط اكتمالها بإقفال ملف الأسرى وبالانتقال الى إقفال ملف المزارع ثانياً، سيكون ثمة ثمن مدفوع من قبل "حزب الله"، هو "تعليق" المشروع المقاوم في أقل تقدير، وعندئذٍ فإن هذا الثمن الافتراضي سيعتبر منطقياً لا بل "عادلاً". هذا، في ضوء اعتبار أن المرحلة لا تسمح بمكافآت مجانية للحزب ومقاومته.
أقلمة المرحلة الثانية وتدويلها
ثالثاً ـ وبما أنه من الصعوبة بمكان عند تحليل المنعطف الذي يعنيه اتفاق التبادل ـ دائماً إذا تمّت المرحلة الثانية بنجاح ـ وفي غياب معلومات لا يملكها إلا السيّد نصرالله أو هو يملك جلّها، الجزم بدقّة الاستنتاجات، وبما أن المعيار في هذه الحالة هو مدى اقتراب أي استنتاج من "المنطق"، وبما أن الحديث عن ثمن يدفعه الحزب في مقابل الإنجاز، أولاً بإقفال ملف الأسرى عندما يتمّ، وثانياً إذا أقفل ملف المزارع أيضاً، فإن الأوساط السياسية تتوقف مليّاً عند ما ترى أنه يعزّز وجهة التحليل والاستنتاج.
وفي هذا المجال، تتوقف الأوساط نفسها عند التشكيل الإقليمي ـ الدولي للجنة التي تضمّنها اتفاق التبادل والتي تبدأ عملها مباشرة بعد انتهاء المرحلة الأولى غداً، والمعروف أنها ستضم إسرائيل وألمانيا وإيران و"حزب الله". وإذ تؤكد أن سوريا لعبت الى جانب هذه الأطراف دوراً سياسياً في التشجيع على التوصل الى اتفاق التبادل وأعلنت دعمها له، وأن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن المشاورات التي أدّت الى الاتفاق وما كان ممكناً حصوله لو لم تشجّع عليه بشكل من الأشكال، وأن فرنسا والمجموعة الأوروبية كانتا على اطلاع فضلاً عن التنسيق مع ألمانيا، تستنتج في ضوء ذلك أن البعد الإقليمي ـ الدولي للجنة من ناحية كما البعد الإقليمي ـ الدولي لمفاوضات المرحلة الثانية من ناحية أخرى، يؤشران الى أن ثمة في الأمر ما هو أكثر من صفقة تبادل أسرى، وأن ثمة عملاً سياسياً ـ ديبلوماسياً مكثّفاً يستهدف إقفال عدد من الملفات الإقليمية و"إطفاء" عدد من التوترات... و"تحريك" بعض المطالب الأميركية على نحو أكثر "عقلانيّة".
التزامن مع تطوّرات إقليمية
رابعاً ـ وفي مجال "مراقبة" مجموعة من التطوّرات التي تحصل بشكل موازٍ في المنطقة، ومن غير ربط "محكم" بينها، تلفت الأوساط الى تزامن التوصل الى اتفاق التبادل مع تجدّد المساعي للتوصل الى هدنة متجدّدة بين الفلسطينيين وإسرائيل، وهي مساعٍ تضطلع بها مصر لكنها على ما يبدو مدّعمة من قبل عدد من الدول العربية المشجّعة من أميركا التي تؤكد مصادر ديبلوماسية غربية أنها تحتفظ بعلاقات ما مع حركات إسلامية فاعلة. كذلك يتزامن اتفاق التبادل مع تحرّك المساعي الديبلوماسية بنشاط بين سوريا وأميركا وإسرائيل وأبرزها التوسط التركي في محاولة لـ"احتواء" التوترات على هذا الصعيد. ولا يخفى أخيراً أن الأمر يتزامن مع حديث متزايد عن العلاقات الإيرانية ـ الأميركية ومستقبلها، في ظل ما بات معروفاً عن دور إيراني بارز ومؤثر في مفاوضات التبادل التي أثمرت الاتفاق الأخير.
وفي ضوء ذلك، تعرب الأوساط السياسية عن اعتقادها أن مجمل هذه المساعي السياسية ـ الديبلوماسية على خط أكثر من ملف، تضع مسألة التبادل في سياق حركة نشطة إقليمية ـ دولية لـ"إطفاء" التوترات، وفي ما يعني لبنان فإن الحركة الإقليمية ـ الدولية تهدف الى إقفال الملف الأمني في الجنوب بشكل حاسم، وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد أيار من العام 2000.
وتختم بالتشديد على أن التحليل السابق يهدف الى القول إن ثمة متغيّرات تؤشر اليها عملية التبادل في السياق الذي وضعت فيه، وأن العملية "محطّة"، لكن "التصديق" على التحليل بحاجة الى السيّد حسن نصرالله وما يملكه من معلومات ومعطيات، وفي انتظار ما سيقوله وما ستكشفه الأيام المقبلة، فإن الله أعلم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.