لا شك في أن الأسبوع الطالع هو للاحتفاء بانجاز وطني كبير يتمثل بعودة الأسرى والمعتقلين في السجون الاسرائيلية الى الوطن والحرية، وبعودة رفات الشهداء الى التراب الذي قضَوا دفاعاً عنه. وهذا الانجاز، الثاني بعد التحرير في أيار 2000، سيكون مناسبة لاستعادة أجواء "الوحدة الوطنية" في البلاد و"ربما" فرصة لتنحية "منغصّات" معروفة جانباً بضعة أيام. (ص 3 و4 و5).
فغداة إعلان الوسيط الألماني أرنست لانداو التوصل الى اتفاق بشأن تبادل الأسرى بين اسرائيل و"حزب الله" برعاية ألمانية، كان أمس يوماً للإعلان المتزامن من الحكومة الاسرائيلية ومن "حزب الله" على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله عن الموافقة على الاتفاق ذي المرحلتين، الأولى التي تتم الخميس والجمعة المقبلين (وتشمل خرائط الألغام) والثانية التي تبدأ بعدها مباشرة وتستغرق نحو ثلاثة أشهر. وأكد نصرالله "اننا ملزمون العمل جدياً لإنجازها في وقت قريب ونراهن على انجازها".
وفي وقت أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون أن حكومته "اتخذت القرار الصحيح والمسؤول والأخلاقي"، أكد السيد نصرالله في مؤتمر صحافي عقده بُعيد ظهر أمس انه لا يريد "تقويم الاتفاق من ناحية الانجاز وأهميته ومتانته"، لافتاً الى أن "المرحلة الثانية ستكون أكبر وأهم بكثير من المرحلة الأولى، ولا شك"، في ما بدا انه تعويل على المرحلة الثانية التي يفترض اذا سارت الأمور سيرا مناسبا أن تقفل ملف الأسرى والمعتقلين إقفالاً تاماً ونهائياً، وهذا لا يحقّقه تنفيذ المرحلة الأولى. وقد بدا التركيز على المرحلة الثانية واضحاً في قول الأمين العام لـ"حزب الله" انها "ستكون أهم كمّاً ونوعاً"، وفي اعلانه أنه من موقعه في التفاوض يعرف"الثمن الذي أبدى الاسرائيلي استعداده لدفعه من أجل انجاز المرحلة الثانية".
"الاضطرار" والمكتسبات
واذا كان طبيعيا القول إن ليس من شأن أي تحليل ان يفسد أجواء الفرح بالانجاز الوطني، فإن هذا "الحدث" كان على مدار الساعات الماضية موضع نقاش لدى الأوساط السياسية في محاولة لـ"تقويم" الانجاز الظاهر في عناوين المرحلة الأولى في وقت لا يزال بعض الغموض يلفّ المرحلة الثانية.
والسؤال الذي طُرحَ بقوة أمس هو الآتي: هل ثمة في الاتفاق "تراجع" أقدم عليه "حزب الله"، وما هو؟، وفي المقابل ما هي المكتسبات المتحققة؟. والسؤال نفسه مطروح على "الضفة الاسرائيلية".
وفي هذا المجال تسجل الأوساط السياسية عدداً من العناوين:
أولاً ـ "اضطر" الحزب إلى قبول "صفقة" مجزّأة، أي غير شاملة دفعة واحدة، صفقة على مرحلتين لا يخفى أن الثانية هي الأدق من بينهما، وهي مفتوحة على احتمالات شتّى ومرتبطة بتوافر ظروف شتى أيضاً.
ثانياً ـ وإذا كان صحيحاً ما أعلنه السيد نصرالله ولو بـ"اقتضاب" هذه المرة من ان المقاومة لا تزال تملك "أوراق مساومة" حتى بعد إطلاق الضابط الاحتياطي الحنان تننباوم والجنود الثلاثة أحياء أو موتى، وإذا كان صحيحاً كذلك ان نصرالله ردّ على سؤال عما إذا كان في وسع الحزب بعد الآن تنفيذ التهديدات بخطف مزيد من الجنود الإسرائيليين بالايجاب من غير توسع، فإن الصحيح أيضاً ان المرحلة المقبلة ستشهد على الأرجح تغليباً واضحاً للمفاوضات والمنحى الديبلوماسي.
ثالثاً ـ ويتعزز الانطباع بأن المرحلة للمفاوضات والديبلوماسية، من تضمن الاتفاق نصاً عن لجنة تضم "المعنيين" لتكوين المعلومات عن الطيار الإسرائيلي رون اراد من جهة، وعن المفقودين اللبنانيين والديبلوماسيين الايرانيين الأربعة من جهة أخرى، ومع ان تكوين اللجنة هذه غير معلن بعد، وإن كانت معلومات عدة تؤشر إلى انضمام إيران إلى هذه اللجنة، فإن ما يحصل فعلياً هو نوع من "اقلمة للمفاوضات وتدويلها".
في المقابل، وإذا تم اعتبار ما تقدم نوعاً من التراجع أقدم عليه "حزب الله" في اطار "الصراع التفاوضي" الذي خاضه، فإن ثمة إيجابيات ومكتسبات كثيرة جديرة بالتنويه.
أ ـ لم يكن سهلاً في ظل الأوضاع الاقليمية والدولية الضاغطة في شطر رئيسي منها على "حزب الله" تحديداً، أن يتم "انتزاع" تحرير هذا العدد الكبير من المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب. كذلك لم يكن في وسع الحزب عدم قبول "الصفقة" كما تم التوصل إليها، من غير مجازفة سياسية بإعلان إنهاء المفاوضات، الأمر الذي كان سيضعه أمام تحدّي اللجوء إلى "خيار آخر" في ظرف صعب من ناحية، ومن غير مجازفة بأهالي الأسرى الذين يمثّلون عاملاً مؤثراً من ناحية أخرى.
جنبلاط يرفض الخصوصية الدرزية
ب ـ ومع ان "الصفقة" خلت في مرحلتها الاولى من إطلاق عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار، فقد نجح "حزب الله" في "استيعاب" هذه النقطة، خصوصاً بالعلاقة برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي واضح انه تولّى في الأيام الماضية عملية الاستيعاب هذه مع أسرة القنطار، وغطّى سياسياً موافقة السيد نصرالله على "الصفقة" من غير القنطار في المرحلة الأولى، وشاء جنبلاط ليس فقط ان يؤكد تحالفه مع "حزب الله" بل تأكيد احتضانه ورفض أي محاولة لاقتناص الحزب في ميدانه الرئيسي.
وفي هذا السياق، قال جنبلاط لـ"المستقبل" عشية مغادرته إلى برلين انه يقدّر تماماً جهود السيد نصرالله "والنتائج التي تحققت في مقابل إسرائيل وقدراتها"، وأكد ان الأمر يتعلق هنا بـ"انجاز حقيقي"، مضيفاً انه "إنجاز لأن تركيز السيد حسن نصرالله على سمير القنطار وإطلاقه يعزز الحجة التي نؤكد عليها وهي ان لا خصوصية درزية في الصراع مع إسرائيل". وشدد جنبلاط على ان "سمير القنطار أخذ بذلك بعداً وطنياً وقومياً وإسلامياً"، ملاحظاً ان "الخصوصية الدرزية تسقط تدريجياً وستسقط نهائياً وإلى الأبد"، مسجلاً ان ذلك "يتقاطع مع العمل الذي نقوم به مع دروز فلسطين".
ج ـ ولا شك في ان قبول إسرائيل الافراج عن سجناء فلسطينيين وعرب، لا يمثّل فقط تراجعاً إسرائيلياً عن رفض سابق في هذا المجال، بل هو يؤكد المكانة العربية لـ"حزب الله"، خصوصاً إذا تأكد "الثمن" الذي تكلم عنه نصرالله أمس وقال ان إسرائيل ستدفعه في المرحلة الثانية "كمّاً" و"نوعاً" في إشارة إلى العدد وإلى المستوى السياسي للأسرى الذين يتوقع نصرالله الافراج عنهم. وهذا الأمر بدأ يطرح في إسرائيل حيث اعتبر كثير من المعلّقين ان "الصفقة" التي تم التوصل إليها بمثابة "مسودة" للصفقة الأكبر التي ينبغي لإسرائيل إتمامها في المرحلة الثانية.
إسرائيل.. والثمن الكبير
في غضون ذلك، وفيما تعتبر الأوساط السياسية نفسها ان ما جرى تسجيله في خانة الايجابيات المتحققة لمصلحة "حزب الله" هو في خانة "السلبيات" بالنسبة إلى إسرائيل التي كان عليها ان تفاوض "حزب الله" ولو بطريقة غير مباشرة عبر الوسيط الالماني، في الوقت الذي تصفه بـ"الإرهاب"، تسارع الأوساط إلى القول ان إسرائيل تمكنت من تجزئة "الصفقة" أولاً، ومن الاحتفاظ بـ"ورقة مساومة" إلى إشعار آخر في مقابل الحصول على معلومات "جدية" عن اراد ثانياً، وفي تسويق "الصفقة" إسرائيلياً تحت عنوان عدم التفريط بأراد ثالثاً، لكنها في مقابل كل ذلك "دفعت" ثمناً كبيراً لا يزال يثير جدالاً داخل إسرائيل نفسها وسيتفاقم (الجدال) بشأن المرحلة الثانية والأخيرة.
وإذ تستنتج الأوساط مما تقدم ان "اتفاق الصفقة" فرض نفسه على المفاوضات، تلفت إلى ان ما "اضطر" إليه "حزب الله" ليس من شأنه أن يقزّم الإنجاز الحاصل، وتدعو إلى الاحتفال به، وفيما تسجل حرص الأمين العام لـ"حزب الله" على "التواضع" في تقديم الانجاز لا بل عدم تقديمه له بانتصارية ولا حتى بـ"اغتباط" ملحوظ، تعتبر ان ذلك يعود إلى انه يرغب في إتمام إجراءات المرحلة الأولى بـ"سلامة"، وإلى انه بدأ منذ اللحظة يضع عينه على المرحلة الثانية.
لحود ـ برّي ـ الحريري
والواقع ان "حزب الله" الذي "عاد" خلال اليومين الماضيين إلى صدارة الوضع اللبناني حيث الحدث السياسي يتمحور حوله، كان أمس موضع احتضان من الجميع رسمياً وسياسياً، كما كان الاتفاق موضع تأييد ودعم لبنانيين واضحين.
فقد رأى رئيس الجمهورية العماد اميل لحود ان تحرير الاسرى والمعتقلين عبر التفاوض بهذه الطريقة "يشكل اعترافا صريحا من اسرائيل بأن المقاومة هي شرعية ووطنية وليست حركة اجنبية إرهابية كما تدعي، والا لما تفاوضت معها عبر دولة صديقة وبمعرفة السلطات اللبنانية ومتابعتها الدقيقة والمستمرة".
واكد ان النتائج التي اسفرت عنها عملية التفاوض "هي انتصار كبير للبنان ومقاومته، كما للشعب الفلسطيني وللعرب جميعا لكونه شمل اسرى ومعتقلين من دول عربية عدة"، معتبرا ان تحرير الاسرى هو استكمال لمسيرة التحرير الكبرى "وليس لدي ادنى شك في أن تحرير ما تبقى منها ولاسيما مزارع شبعا سيكون قريبا".
وحيا المقاومة التي "تعطي امثولة في الصمود والثقة بالنفس والقدرة على ايجاد توازن رادع مع العدو بصرف النظر عن فقدان التوازن العسكري التقليدي معه".
وقال رئيس مجلس النواب نبيه بري "ان تحرير الاخوة الاسرى خبر سبق العيد، وهو التزام وترابط بيوم التحرير.. تحرير مجاهدين ومظلومين دفعوا الكثير في سبيل الوصول الى هذين اليومين". واكد انه "يوم انتصار لكل لبنان ولسوريا وايران، الخط المقاوم".
وابدى رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريرى ارتياحه للتوصل الى حل لقضية الاسرى، معتبرا ان هذا الاتفاق "يطوي صفحة مريرة من معاناة هؤلاء الاسرى وعائلاتهم". وهنأ المقاومة اللبنانية على "هذا الانجازالوطني على الصعيدين اللبناني والعربي"، واهالي الاسرى بعودة ابنائهم وآبائهم، وكل من ساهم في التوصل الى هذا الانجاز "خصوصا الشقيقة سوريا التي وقفت دوما الى جانب لبنان"، والجهود التي بذلتها المانيا للتوصل الى هذا الاتفاق.
إسرائيل تعلن الخطوات الاجرائية
من جهة أخرى، ذكرت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي مساء أمس ان الحاخامين التابعين للجيش الإسرائيلي بدأوا مساء اخراج رفات الشهداء اللبنانيين من المقابر التي دفنوا فيها، فقد شوهد عدد من الحاخامين التابعين للمكتب العسكري يعدّون مقابر لفتحها واخراج رفات 59 شهيداً لاعادتها إلى المقاومة في لبنان.
ونقلت القناة عن المسؤول الإسرائيلي عن ملف التفاوض مع الالمان ايلان بيران انه سيتم اليوم أو غداً الثلاثاء نشر أسماء 436 أسيراً فلسطينياً وعربياً على موقع الانترنت التابع لمديرية السجون الإسرائيلية، ممن سيتم الافراج عنهم. وقال بيران ان الأربعاء سيخصص لمزيد من التدقيق في آلية التبادل من الوسيط الالماني، على أن يتم الخميس المقبل تنفيذ "الصفقة"، بحيث تنطلق من لبنان طائرة تحمل تننباوم والجنود الثلاثة إلى ألمانيا، وتنطلق طائرة أخرى من إسرائيل وفيها 36 أسيراً عربياً نحو ميونيخ حيث يتم التبادل، ويتم الافراج عن 400 أسير فلسطيني في الأراضي الفلسطينية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.