توقّفت الأوساط السياسية على اختلافها خلال الساعات القليلة الماضية عند التصريح "العنيف" الذي أدلى به السفير الأميركي فنسنت باتل لدى خروجه من مقابلة رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري مساء أول من أمس، وهو التصريح الذي تناول فيه تطوّرات الوضع في الجنوب بعد المواجهة الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله". ودعت الأوساط الى مقاربة ما قاله باتل ليس فقط من زاوية روايته للتوتر الذي حصل جنوباً على خلفية وجهة النظر الإسرائيلية، بل من زاوية مجموعة من الدلالات الأخرى، وذلك على النحو الآتي:
تبديد القناعة بحق الدفاع المشروع
أولاً ـ ان تقديم السفير الأميركي لما حصل في الجنوب يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين على أنه "فعل" من "حزب الله" و"ردّ فعل" من إسرائيل، وتحميله مسؤولية ما جرى للمقاومة و"أعمالها الاستفزازية" وليس للانتهاكات والخروق الإسرائيلية قبل المواجهة وأثناءها وبعدها، واعتباره أن إسرائيل تعرّضت لـ"اعتداء" أثناء محاولتها إزالة آثار "اعتداء" آخر تمثّل بالألغام والمتفجّرات التي زرعها "حزب الله" على الجانب الإسرائيلي من الحدود كما قال، ان ذلك كله يتجاوز كونه انحيازاً لإسرائيل التي كانت اعترفت هي نفسها بخرقها "الخط الأزرق" داخل الأراضي اللبنانية. والأرجح هنا ان باتل في امتداد موقف وزير الخارجية الأميركي كولن باول، يتطلّع الى تبديد أي قناعة في لبنان بأن ثمة حقاً مشروعاً في "الدفاع" عن الأرض والحدود حتى في حال وجود خرق إسرائيلي مادّي ملموس، ولذلك، هو قلَب الرواية رأساً على عقب، تماماً كي لا يبني أحد هنا على أن وجود واقعة الدفاع يمكن أن يمرّر "الفوز" بعملية ضد قوات الاحتلال.
ردّ على المسؤولين اللبنانيين
ثانياً ـ ولا شك أن باتل الذي أطلّ بتصريحه بعد ساعات قليلة من جلسة مجلس الوزراء التي جرى فيها تداول بالتطورات الجنوبية، شاء أن يردّ مباشرة على ما قاله رئيس الجمهورية إميل لحود في الجلسة من أن لبنان لا يمكنه قبول "معادلة الاعتداء من دون ردع"، ليذكّر عبر المطلب القديم ـ المتجدّد الداعي الى انتشار الجيش اللبناني في الجنوب حتى الحدود، بأن هذه هي الوجهة الوحيدة الكفيلة برأيه بنزع فتيل التصعيد، راداً في هذا السياق على ما قاله وزير الإعلام ميشال سماحة بعد جلسة مجلس الوزراء من أن الدعوات الى نشر الجيش في الجنوب ليست في محلّها، وفي الإطار نفسه على رئيس الحزب التقدمّي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي أعلن بعد لقائه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله أن كل الأسلحة لا بد منها دفاعاً عن الأرض ضد الاعتداءات الإسرائيلية.
ثالثاً ـ وكان لافتاً في سياق التصريح التصعيدي الذي أدلى به، أن يلفت باتل الى ان ثمة "دينامية استراتيجية" في المنطقة اعتبر انها "تجبر" سوريا ولبنان على عدم دعم "حزب الله" الذي وصفه بـ"الإرهاب"، معيداً التذكير في هذا المجال بـ"المفهوم" الأميركي المتجذّر منذ ما بعد الحادي عشر من يلول 2001 والذي يقول ان "السلام" يلي تفكيك ما يسميه الأميركي إرهاباً، والذي يقول أيضاً أن أي سياسة عربية تقوم على افتراض إمكان التسوية مع أميركا في غير محلها لان المطروح أميركياً أن تتم الاستجابة للشروط والمطالب الأميركية أولاً.
رابعاً ـ وإذا كانت نبرة السفير الأميركي تجاوزت المألوف من صيغ المخاطبة الديبلوماسية في البلد الذي يعتمد فيه السفير، فإن هذه النبرة في الشكل وما تضمّنته في المضمون، انما تؤشر الى ان ثمة أداء أميركياً يزداد "جرأة" أو "شراسة" في مخاطبة سوريا من لبنان بالشروط الأميركية، في تجاوز للبعد الإقليمي السوري للبنان، في ما يبدو انه إفتتاح لمرحلة سياسية مختلفة.. وخطيرة.
استحضار دفتر الشروط
ترى الأوساط السياسية على اختلافها إذاً ان كلام باتل لا يهدف فقط الى قطع الطريق على أي استثمار سياسي لما حصل في الجنوب وعلى إمكانية التأسيس عليه باسم "الدفاع" في وجه الخروق الإسرائيلية، ولا يهدف فقط الى استعادة قدر من الهدوء على الحدود، بل هو يعكس تصعيداً سياسياً تتولاه الولايات المتحدة حيال "حزب الله" والسياستين اللبنانية والسورية، وهو تصعيد تتطلّع الولايات المتحدة بواسطته الى استحضار دفتر الشروط الأميركية على سوريا ولبنان واستعادة بنوده والتحذير من عدم استجابته، ما باتت الأوساط معه تخشى أن يكون كلام باتل محطة في سياق الانتقال بالضغوط والتهديدات الى التنفيذ. وتقول الأوساط نفسها انه إذا كان صحيحاً ان مفردات تصريح السفير الأميركي لا تخرج عن مفردات الخطاب الأميركي العام تجاه "حزب الله" ولبنان وسوريا، فالصحيح أيضاً ان "تشديدها" من بيروت بالذات، وصولاً الى حدّ يسبق معه باتل وزير خارجيته في اتهام "حزب الله" بالمبادرة الى التوتير في جنوب لبنان، انما يعني انعطافة لافتة.
الحريري و"الداخل اللبناني"
من هنا، تعرب الأوساط على اختلافها عن قناعتها بأنه كان من الطبيعي أن يردّ الرئيس الحريري على تصريح السفير الأميركي، ليس فقط لأن باتل أدلى به من منزل رئيس مجلس الوزراء، بل لتأكيد الخلاف معه بشأن قراءة ما حصل مطلع الأسبوع في الجنوب، حيث كان لا بدّ للحريري أن يسجّل حقيقة ان مصدر التوتير هو الخروق والانتهاكات الإسرائيلية، وأن يسجّل ان الاستفزاز الذي يجب أن يتوقف هو تلك الانتهاكات، وان لبنان كان في موقع الدفاع عن سيادته. بكلام آخر، كشف الحريري الخلاف مع السفير الأميركي وإدارته، والذي ساد اللقاء المغلق، بعد أن بادر السفير الى إطلاق العنان لمواقفه.
بيدَ انه وفي ما هو أبعد من الردّ ـ التوضيح الذي صدر عن الرئيس الحريري والذي تظهر منه مقاربة مختلفة للوضع وتطوّراته، وفي ما هو أبعد من كون تصريح باتل تظهيراً متجرّئاً لمواقف الإدارة في واشنطن، تعرب الأوساط على اختلافها عن اعتقادها ان "الصدمة" التي أحدثها كلام السفير الأميركي يجب أن تؤخذ في جوهرها وعلى حقيقتها.
سيعلّق "الداخل اللبناني" على هذا الكلام وسيقول فيه الكثير. لكن الأوساط نفسها ترى ان التعليقات التي ستتوالى مستنكرة "الانحياز" و"العين الواحدة" و"الكيل بمكيالين"، أو التي ستعلن "الحق المشروع في المقاومة" و"تحذير إسرائيل من مغبة أي عدوان"... ان هذه التعليقات لن تضيف جديداً على الموقف "المبدئي" المعروف تماماً لان السياسة الأميركية غير عادلة ولا هي متوازنة، بل قهرّية للوضع العربي والإسلامي. وقد لا يعلّق "الداخل اللبناني" في شقّه الذي يرى ان "مواجهة" ما تطرحه أميركا لا يكون بأسلوب "تقليدي" وخطاب معروف، كي لا "يتهم" بانه يخرج عن التضامن مع المقاومة.
بيدَ ان الأهم من وجهة نظر الأوساط المتنوعة، هو أن يحصل تقدير مشترك لخطورة المرحلة من ناحية، وأن يقوم تفاهم وطني على ما يمكن عمله ضمن التوازنات القائمة ثانياً، وأن يقرر اللبنانيون معاً ما يمكنهم تجنّبه وما عليهم دفعه ثالثاً... وأن يحصل احتضان لبناني لـ"حزب الله" الذي تعنيه كثيراً "الحاضنة اللبنانية"، وهو الذي سيفتش في التعليقات على تصريح باتل عمّا إذا كان ثمة اهتمام لبناني بـ"حمايته"، وسيكون معنياً بمعرفة آراء الجميع بالمرحلة ومقتضياتها، فلا مصلحة في أن يغشّه أحد كما لا مصلحة في أن يتغاضى هو نفسه عمّا يقال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.