كيف يمكن قراءة حصيلة ما جرى في الجنوب خلال اليومين الماضيين؟
في الجواب عن هذا السؤال، تعتبر أوساط سياسية مطّلعة ومتابعة انه لا بدّ من الإقرار بدايةّ بأنّ "حزب الله" استفاد في العملية التي نفّذها على الحدود من مجموعة معطيات سياسية ملائمة تتمثّل بالآتي:
أولاً ـ لا شكّ انّ إسرائيل كانت في حالة خرق "ماديّ" فاضح ومكشوف لـ"الخط الأزرق" المعترف به دولياً، بعد أن توغّلت الجرّافة التابعة لسلاح الهندسة في الجيش الإسرائيلي عدّة أمتار داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي أدى لاحقاً لدى معاينة المكان من قبل الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية الى اكتشاف خرق كبير بمساحة عدة مئات من الأمتار المربعة.
ثانياً ـ وإذا كانت مزارع شبعا، المسرح التقليدي لعمليات "حزب الله" منذ ما بعد التحرير في العام 2000، موضع جدل على الصعيد الدولي خصوصاً من زاوية ما إذا كانت أرضاً لبنانية أو سورية، فإن المنطقة التي حصل فيها الخرق الإسرائيلي الذي تصدّت له المقاومة، هي لبنانية حتى باعتراف إسرائيل نفسها، وبالتالي فإن مسرح المواجهة الأخيرة لبناني مئة في المئة ولا يطرح أي إشكال "حقوقي".
ثالثاً ـ تزامن الخرق الإسرائيلي البرّي هذا مع مجموعة من الخروق الجويّة والبحرية، بلغت بحسب إحصاء "حزب الله" نحو خمسة وستين خرقاً منذ ثلاثة أسابيع، كما تزامن مع استنكار الأمم المتحدة على لسان ممثل أمينها العام ستيفان دي ميستورا لهذه الخروق ودعوته إسرائيل الى الكفّ عنها، محمّلا هذه الاختراقات مسؤولية التوتير في جنوب لبنان.
رابعاً ـ لهذه الاعتبارات جميعاً: إسرائيل متقدّمة داخل الحدود، مسرح غير إشكالي للمواجهة، غطاء من الأمم المتحدة ضدّ الخروق الإسرائيلية، يمكن القول بحسب الأوساط ان "حزب الله" الذي بدا في موقع دفاعي واضح أحسن الاستفادة من موقعه هذا ونجح في تنفيذ عمليّة دفاعيّة سياسياً ولو كانت هجومية عسكرياً.
خامساً ـ وإذ تلفت الأوساط الى انّ الحديث عن موقع دفاعي لـ"حزب الله" في عمليته الأخيرة لا يعني انّ المقاومة لم تكن دفاعية في مرّات سابقة بمقياس انّ الاحتلال هو "الفعل" وهو "الهجوم"، تؤكد انّ الحزب الذي نجح في "اصطياد" خطأ إسرائيلي فادح، فرض على إسرائيل أن يأتي ردّها في السياسة وفي الميدان مرتبكاً، أي انها اضطرت الى "ردّ معنوي" محدود تمثّل في الغارات التي نفّذتها أول من أمس.
العمليّة دفاعية
بيدَ انّ لهذه الحصيلة وجهاً آخر كما ترى الأوساط نفسها، وتطرحه في العناوين الآتية:
أ ـ إذا كان يحقّ لـ"حزب الله" أن يرى في ما حصل انتصاراً وهو كذلك فعلاً من وجهة نظر اللبنانيين جميعاً، فإنّه ينبغي التروّي في اعتبار ما حصل نجاحاً في تغيير "قواعد اللعبة" لصالح المقاومة ضدّ إسرائيل، ذلك انّه إذا كان صحيحاً، من خلال مراجعة عمليّات المقاومة خلال الشهور الماضية أنّ المقاومة نجحت في "تنويع" أماكن توجيه ضرباتها أو اختراقاتها من مزارع شبعا الى مستوطنة شلومي الى أهداف داخل الجولان السوري المحتلّ وصولاً الى الحدود في الأيام الأخيرة، فالصحيح أيضاً انّ لكلّ عملية ظروفها ولا يمكن معه استنتاج انّ المقاومة تملك خيارات حرّة دائماً أو انها انتزعت المبادرة تماماً.
ب ـ وعلى الرغم من الطابع الدفاعي "المحرج" الذي ارتدته العملية الأخيرة داخل الحدود قرب "الخط الأزرق"، أي على الرغم من "مشروعيّة" العملية من زاوية "القانون الدولي" هذه المرّة، فإنّ ما أعلنته إسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة، من مواقف، يظهر بما لا يدع مجالاً للشك انّ عدم قدرة إسرائيل على تنفيذ ردّ مباشر تصعيدي بفعل حشرتها بالخطأ الذي ارتكبته، انّ إسرائيل وأميركا انتقلتا فوراً الى التصعيد السياسي ضد "حزب الله" وسوريا، وتضمّنت المواقف ضغوطاً حادة على دمشق، خصوصاً على لسان وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي جدّد المطالب الأميركية المعروفة ونفى حقّ المقاومة وهدّد "حزب الله" وسوريا.
التصعيد السياسي والاستدراج
ج ـ ويستدل من المواقف الأميركية ـ الإسرائيلية انّ ثمة مرحلة جديدة من التصعيد السياسي، يخشى معه أن يكون ثمة قرار أميركي متّخذ ولو كان توقيت تنفيذه غير معروف، بـ"توكيل" إسرائيل بالعدوان على سوريا ولبنان، وانّه إذا كانت العملية الأخيرة لـ"حزب الله" لم توفّر الحجّة للعدوان بمعناه الأوسع، فإن التربّص لتنفيذه قائم. على الأقل هذا ما تلفت اليه الأوساط التي استشفّت ذلك من نقاشات مع مصادر ديبلوماسية غربيّة بعد "التوتر" يوم الاثنين الماضي.
د ـ وتلفت الأوساط الى انّ ما سبق "المواجهة" الأخيرة قرب الحدود، من جانب إسرائيل، سواء عبر الخروق الجويّة أو عبر التدشيم والتحصين في المزارع أو عبر بناء السياج الإلكتروني على الحدود، أو محاولة "تعديل" الخط الأزرق، يؤشّر الى أمرين: أوّلهما شعور لدى إسرائيل بالقوة المطلقة وثانيهما سعي إسرائيل الى استدراج "حزب الله" ومن خلاله الوضع الإقليمي الى "مجابهة". حتى الخرق على "الخط الأزرق" الذي استدعى قصف الجرّافة، تنظر اليه الأوساط على انّه أتى في سياق اختبار معيّن لإمكان الاستدراج هذا.
هـ ـ وتعتبر الأوساط تأسيساً على ما تقدّم انّ الوعي الدقيق لظروف نجاح "حزب الله" في عمليته الأخيرة من جهة، وللظروف السياسية الاجمالية إقليمياً ودولياً في المقابل من جهة اخرى، يفترض أن يؤدّي الى توخّي عدم حصول استدراج في لحظة تربّص يظلّله قرار اميركي يفتّش عن توقيت معيّن.
في ضوء كلّ ذلك، وإذ تسجّل الأوساط المطّلعة والمتابعة انّ "سرّ" النجاح يكمن في الطابع الدفاعي لأداء "حزب الله" والمقاومة، وانّ جميع التيّارات السياسية التي تضامنت مع هذا النجاح وأدخلته في رصيد لبنان ككل، فإنها تعرب عن اعتقادها انّه لا بدّ من الحذر من أيّ "تضخيم" وهذا ما تتوقّعه بالعلاقة مع تجربة المقاومة نفسها، وذلك كي تبقى إسرائيل في حشرتها وارتباكها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.