8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الانتخابات سياسيّة ونتائجها أيضاً.. ستؤشّر إلى وجهة التوازن الداخليّ

في وقت يبدو واضحاً أنّ الاتجاه الغالب لدى مختلف الفرقاء السياسيين هو الى اعتبار أنّ الانتخابات البلدية تمثّل محطة سياسية بامتياز، وبينما تبدو هذه المحطةّ على درجة عالية من الأهميّة في المناطق كافّة، من الواضح تماماً أيضاً أن فريق السلطة ولو تحت عناوين شتى، يتعاطى مع هذا الاستحقاق سياسياً ويبدي اهتماماً مركّزاً بالانتخابات البلديّة في المناطق المسيحيّة.
وقد تدرّج فريق السلطة في تعاطيه السياسيّ مع الاستحقاق البلدي على نحو يُظهر وقوفه بين حدّ الخوف من نتائجها وحدّ السعي الى اختراق النتائج. وبدأ الأمر بـ"تسريب" احتمال تأجيل الانتخابات البلدية، وهنا برز أنّ فريق السلطة يعلن صراحة أنّ لا مصلحة له في حصولها وفي خوضها. ثم عندما تبيّن له أن التأجيل يلاقي اعتراضاً شبه إجماعي أسقط في يده فكان الإعلان عن حصول الانتخابات في مواعيدها لكن.. مع ضرورة عدم تسييسها والتعاطي معها بوصفها استحقاقاً أهلياً ـ عائلياً ـ تنموياً وحسب. بيد أن اتضاح أن للاستحقاق بعداً سياسياً أكيداً، جعل الفريق نفسه ينتقل الى محاولة إحداث "ثغرة" في الوضع المسيحيّ.
من الهروب الى نغمة عدم التسييس
من هنا، لا مفرّ من القول أن فريق السلطة الذي حاول الهروب من الاستحقاق ويواصل الهروب باسم عدم "التسييس" إنما يخشى النتائج السياسية وفي الدائرة المسيحية بالتحديد، ذلك أن النتائج هنا والتي يهمّ فريق السلطة أن تأتي في مصلحته بحيث تكون مؤشراً يحتاجه بقوة في ما سيلي من استحقاقات، يمكن إن لم يكن مرجّحاً أن تخذله. ومن نافل القول أنه عندما تكون القوى المسيحية كافّة مصمّمة على اعتبار البلدياّت اختباراً شعبيّاً لها من ناحية واختباراً لمدى ديناميّتها السياسية من ناحية أخرى، فإن ذلك يجعلها على "تصادم" مع فريق السلطة ومحاولته تجيير النتائج لصالحه. وعلى أيّة حال، تذكّر قوى معارضة مسيحية هنا أن الانتخابات البلدية الوحيدة التي جرت في لبنان بعد عقود من التأجيل، أي في العام 1998، استخدمت سياسياً للتأسيس لفريق السلطة الحالي، وتسأل: لماذا يحرّم هذا الفريق على غيره ما حلّله لنفسه قبل ستّة أعوام؟
أمّا وقد أضحى الاستحقاق البلديّ داهماً إذاً، وانتقل الفريق إيّاه الى "نغمة" عدم التسييس، فقد وجّه أركاناً منه باتجاه "المركز" المسيحيّ الأول أي البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير. وفي هذا الإطار كانت زيارة النائب ميشال المرّ الى بكركي حيث حذّر هناك من تسييس البلدياّت، واستعاد ما سمّاه "النتائج الوخيمة" للتسييس في انتخابات المتن الشمالي الفرعيّة، وحذر البطريرك من نتائج تسييس تقوده المعارضة المسيحيّة ويؤثر على الوضع المسيحيّ ككل، معلناً بشكل أو بآخر أن لا مصلحة لبكركي في أن تكون على طرف نقيض مع بعبدا.
واذا كان ليس من عادة البطريرك أن يعلن مواقف حادّة بمناسبة استحقاقات ذات طبيعة سياسية، واذا كان ليس من عادته أيضاً أن يتصرف بوصفه فريقاً ولو كان ذا "ميول"، فانّه اعتبر في ما أعلنه بشأن البلديات انها فرصة للناس للتعبير عن أنفسهم في مناطقهم، وهذا القول في حدّ ذاته كافٍ من مرجعيّة دينية ـ وطنية للدلالة على البعد الشعبي للمسألة البلديّة.
.. ومن عدم التسييس الى محاولة اختراق المعارضة
ولمزيد من الإمعان في خرق الدائرة المسيحيّة كي تخلو لتسييسه هو ولسبل الاستفادة منه، وجد فريق السلطة مجموعة صغيرة ضمن المعارضة المسيحيّة: نائب من هنا موجود في إطارين معاً وقيادي سابق في تيار معارض يسير متهالكاً باتجاه أي موقع في أي مكان هناك وبعض اعلامٍ هنالك. وراحت هذه المجموعة تتبنى شعار "عدم التسييس" متناقضة مع ما تطرحه سياسياً داخل الغرف السياسية أو علناً، وذلك في مقابل "إغراءات" قدّمها لها فريق السلطة تتعلّق باستحقاقات أخرى سوف لن تتأخر في الانكشاف، وهو انكشاف يزيد منه إزدواج اللغة السياسيّة وأسلوب "لكل مقام مقال".
لذلك، وفي ضوء هذه المقدمات جميعاً، لا يخفى ان الانتخابات البلدية، وفي المناطق المسيحية تحديداً، ستكون بالغة الأهميّة في دلالات نتائجها، خاصّة متى استطاعت المعارضة "التعامل" مع "أحصنة طروادة"، وهي واعية لهذا الأمر على ما يقول عدد من المعارضين. وإذا أضيف الى حقيقة أنّ ثمة صراعاً سياسياً مهما بلغت نسبة احتدامه بين فريق السلطة والمعارضة، انّ ثمّة رغبة جامحة لدى فريق "مسيحيي النظام" أيضاً في خوض استحقاق بلدي "مسيّس" لأنه يأمل عدم استفادة فريق السلطة منه، يمكن القول عندئذ ان الانتخابات البلدية من ضمن هذه الصورة، ستكون مفصلاً سياسياً له ما بعده.
جنبلاط والمسيحيون وبلديات الجبل
على انّ الانتخابات البلدية على أهميتها القصوى مسيحياً، لا تختصر بابعادها في هذا النطاق فقط. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تصور انتخابات بلدية في جبل لبنان عامة وفي مدن وقرى الاختلاط خاصة، من دون تحالفات أو تفاهمات بين المعارضة المسيحية بمختلف تياراتها من جهة والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة ثانية. ذلك ان هذه الانتخابات تمثل بالنسبة الى رئيس الحزب النائب وليد جنبلاط مناسبة لاستعادة "المبادرة" بعد الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه الصيف الماضي، كما تمثل فرصة لتأكيد التواصل بين جنبلاط والمعارضة المسيحيةّ كما حصل في تشييع الشيخ أبو حسن عارف حلاوي، وهو التشييع ـ الحدث الذي لم يجر استثمارُه بصورة واضحة حتى الآن، كما تمثل بالنسبة اليه مقدمة لاستحقاق العام 2005 أيضاً. وما تمثله الانتخابات البلدية بالنسبة الى جنبلاط هو نفسه بالنسبة الى المعارضة المسيحية، إضافة "الى هدف أكيد لها هو توكيد قدرتها على أن تشكّل الشريك المسيحيّ في السياسة للمرحلة المقبلة".
"حزب الله" المناسبة
ويمكن على سبيل المثال أيضاً، القول انّ هذه الانتخابات مهمة جداً بالنسبة الى "حزب الله". فهي مناسبة ليقّوم الحزب بالعلاقة مع الناس تجربته البلديّة بوصفها أحد أوجه تعاطيه مع الشأن الداخلي، كما انهّا فرصة اختبار شعبيّته في لحظة حسّاسة، بمعنى ان البلديات تجري وسط "تراجع" منسوب العمل المقاوم لظروف معروفة ومفهومة. وتشّكل البلديات بالنسبة الى "حزب الله" فرصة للتعبير عن نفسه في إطار لبناني بحت، في ظّل التوجه الانفتاحي الذي يسير فيه حيال مختلف البيئات، لا سيما المسيحيّة منها، وفي هذا الإطار ستكون بلديات الضاحية الجنوبية من بيروت محكاً جدياً.
والحديث هنا عن الجبل ووليد جنبلاط وعن الجنوب والبقاع والضاحية و"حزب الله" على سبيل المثال، لا يعني أن الانتخابات البلدية بالنسبة الى الآخرين في بيروت والشمال والجنوب وغيرها، لا تكتسي الأبعاد نفسها، أو أنها لا تمثّل مناسبة سياسية لهم. غير أن هذا الكلام "على سبيل المثال" يؤشر في آن الى حساسيات سياسية رئيسيّة والى أن الأمر في المناطق الإسلامية وفي مناطق الاختلاط، مهم أيضاً.
الأكثر تمثيلاً وتوازن القوى
ذلك أنّ الانتخابات البلدية التي تجري بعد نحو أربع سنوات من آخر اختبار شعبي عام 2000 بمناسبة الانتخابات النيابية آنذاك، ستعطي مؤشّرات كافية الى المزاج الشعبيّ أولاً، والى الجهات والقوى الأكثر تمثيلاً في بيئاتها ثانياً، والى العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية ثالثاً، والى آفاق التحالفات رابعاً.
صحيحٌ أنّ مستوى التسييس في هذه الانتخابات، ومستوى اكتماله، وطبيعة علاقات الأطراف في هذه المناسبة، أن كل ذلك سيقرّر ما إذا كانت نتائج الانتخابات البلدية سترسم صورة توازن القوى العام في البلاد، غير أن النتائج ستعطي بلا شك "صورة" مفيدة عن التوازن الداخلي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00