ربما لا يكون اللقاء الذي جرى بين البطريرك نصرالله بطرس صفير ووفد قيادة "حزب الله" أوّل من أمس في بكركي قابلاً للكثير من التفسيرات وقد يضعه البعض في خانة "عاديّة". بيد انّ اللقاء في السياق السياسي الذي انعقد ضمنه من ناحية وما قيل فيه من الجانبين من ناحية ثانية، يحملُ على تحليل العديد من الإشارات والدلالات والرسائل التي حفل بها، لاسيّما انّه أول لقاء بين الجهتين منذ ما بعد الحرب الأميركية على العراق وما تلاها من ضغوط على المنطقة ودولها في ظل توازن شديد الخلل لمصلحة الولايات المتحدة.
صحيحٌ انّ زيارة وفد "حزب الله" كان يجب أن تحصل قبل الآن، في فترة الأعياد للتهنئة بها، وصحيح انها تأجلت بعد كارثة طائرة كوتونو نهاية العام الماضي التي فرضت مناخاً من الحزن على الجميع، غير انّ الحرص على عدم جعل الزيارة بروتوكولية كان لافتاً ايضاً في المقابل. وصحيحٌ انّ وقائع الحوار الذي دار تدلّ على انّ "المبادرة" الى "تفتيح" الأسئلة والعناوين أتت من جانب وفد الحزب، لكنّ الصحيح ايضاً ان وقائع الحوار تحمل أهمية سياسية جديرة بالتوقّف عندها.
والسؤال الآن هو الآتي: ماذا تعني زيارة بكركي بالنسبة الى "حزب الله" أولاً؟
انفتاح يخرج عن الترسيمة التقليدية
أولاً ـ لا شك ان "حزب الله" الذي لم يقطع علاقته بالبيئة المسيحية خلال المراحل السابقة وحرص على إبقاء جسور التواصل بينه وبينها في بعض الأطر التي تجمعهما مثل "اللقاء اللبناني للحوار الإسلامي ـ المسيحي"، يبدي استعداداً لمزيد من الانفتاح عليها والتحاور معها والتوصل الى مواقف مشتركة بينه وبينها. وعليه فانّ الزيارة ـ اللقاء في بكركي تصبح بهذا المعنى رسالة انفتاح، تكتسب في هذه اللحظة الإقليمية الضاغطة بعدين معاً، داخليّ وخارجيّ. داخلي يعني ان الحزب يطوّر علاقاته، يتحالف هنا ويشبك هناك ويفكّك ألغام هنالك بحسب الجهة التي يتوجه اليها. وخارجي يعني ان الحزب يقول للخارج كلّه بما فيه اميركا على نحو شبه مباشر انه "يسبح" في "بحر" الوضع السياسي اللبناني وانه مستعصٍ على العزل والاستفراد.
ثانياً ـ كذلك، فإن "حزب الله" المتّجه الى مزيد من الانفتاح في كل الاتجاهات، وفي الدائرة المسيحية خاصة، انما يخرج في انفتاحه عن ترسيمة تقليدية اعتمدها في الغالب حتى الآن وقضت بالتركيز على العلاقات الرسمية (مع الدولة) وضمنها بشكل خاص العلاقة برئيس الجمهورية، وعلى العلاقة بـ"مسيحيي النظام" أحزاباً وشخصيات وتجمعات مسيحية، لينتقل الى إعطاء أهمية إن لم تكن أكبر فموازية في أقل تقدير مع "المرجعية المسيحية" ممثلة بالكنيسة ورأسها البطريرك صفير.
المعارضة المسيحيّة
ثالثاً ـ وتأتي زيارة بكركي في موازاة بحث مركّز في "حزب الله" عن العلاقة بالمعارضة المسيحية والمدى الذي يمكن أن تذهب اليه. وفي هذا المجال، ثمّة توجه الى التعاطي والتعامل مع شخصيّات محدّدة في "لقاء قرنة شهوان"، على اعتبار ان التعاطي مع "القرنة" كإطار بالجملة متعذّر بسبب بعض مكوّنات "القرنة"، كما يقول المسؤول عن ملّف الحوار الإسلامي ـ المسيحي في الحزب غالب أبو زينب الذي يعطي مثالاً عن ذلك "الحركة الكتائبية الإصلاحية" ورئيسها أمين الجميل. ويقول هنا، أن ليس الماضي فقط هو الذي يحول دون التفكير بعلاقة تشمل هذه المجموعة، بل الراهن أيضاً، مذكّراً بأن الرئيس الجميل ضمّن خطابه السياسي الى مؤتمر "الحركة الإصلاحية" قبل أيام مواقف عدائية من "حزب الله" ومقاومته، لافتاً الى انه كان ربما من الضروري مواجهته بالحقائق المتعلّقة بالمسؤوليات عن مشكلات البلد لولا انّ قرار الحزب يقضي بعدم الإنجرار الى سجالات في الوقت الحاضر.
"حزب الله" والمسألة الداخلية
رابعاً ـ والأهم هو ان رسالة الانفتاح باتجاه البطريرك وباتجاه أجزاء حيّة من المعارضة المسيحية يجري تحديدها حالياً في الحزب، انمّا تأتي في امتداد توجه أقرّه "حزب الله" منذ فترة غير قصيرة بإعطاء مزيد من الاهتمام بالشأن الداخلي، ومن مدخل المسألة الاقتصادية ـ الاجتماعية بشكل رئيسي. وإذا كان البعض قد يسارع هنا الى استنتاج ان "حزب الله" في صدد "تجاوز" دوره المقاوم، فإن على هذا البعض جواباً من "حزب الله" هو ان للحزب ومقاومته جمهوراً وقواعد شعبية يتأثرون بالأزمة الاجتماعية لان المقاومة أصلاً لا يمكن أن تكون مقطوعة العرى بقواعدها ممّا يفرض على الحزب إعطاء هذا العنوان أهمية استثنائية في ظروف يرى الحزب انها تنذر بالأسوأ على هذا الصعيد. وفي تتمّة الجواب، ان "حزب الله" يعيد تقديم مقاومته بوصفها أمراً يخصّ كل اللبنانيين من زاوية كونها "ورقة ضمانة" للبنان في الظروف الإقليمية الضاغطة.
خامساً ـ وإذ ينفي أبو زينب أن يكون انفتاح الحزب موحى به من قبل دمشق أو طهران، بل هو قرار ذاتي لـ"حزب الله"، فمن الطبيعي أن يلاحظ المراقبون ان القرار ومع كونه ذاتياً، لا يتعارض مع ما هو متداول من رسائل سورية توجه بين آونة وأخرى الى بكركي، كما لا يتعارض مع التوجه الانفتاحي الإيراني حيال كل الفئات في لبنان، ولا مع التموضع الإيراني الجديد على الخارطة الإقليمية ـ الدولية.
صفير يطمئن.. ويخاطب دور الحزب
في الوحدة الوطنية
من المبكّر ومن الصعب في آن أن تتم مقاربة التوجهات الآنفة من زاوية كونها تحوّلاً أو منعطفاً كبيرين، ذلك ان هذا الأمر يخضع بلا شك لحسابات ومعطيات شديدة التعقيد بنيوياً وسياسيّاً، غير ان ثمة "ملامح" جديدة بلا شك أيضاً متصلة بشكل أكيد برغبة الحزب بإجراء بعض التكيّفات و"التحصينات" الضرورية في جميع الأحوال.
في المقابل، بماذا أوحى البطريرك صفير والى ماذا أشّر؟
أ ـ "نحن وإياكم في مركب واحد" قال البطريرك للوفد القياديّ. وإذا كانت هذه العبارة تحتمل تفسيرات سياسية شتّى فإن التفسير الأدقّ هو أن صفير يوجه لـ"حزب الله" رسالة طمأنة الى انه لن يقبل أن يكون الحزب وحده، وانه حاضن له في وجه ما يتعرّض له من ضغوط وتهديدات. وفي ذلك تجديد للموقف الذي ما فتئ البطريرك يكرّره منذ مدة: ان "حزب الله" وشبابه لبنانيون قاوموا الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، والمقاومة لبنانية وليست إرهاباً.
ب ـ في حديثه أمام الوفد، شدّد البطريرك على "معنى لبنان"، بوصفه "رسالة" ووطناً للتعايش الإسلامي ـ المسيحي، ونموذجاً يجب تقديمه للآخرين في زمن التفكّكات الكيانية في أكثر من مكان في العالم العربي والإسلامي، إضافة الى تشديده على الوحدة الوطنية. وإذا كان كلام البطريرك لا يحمل جديداً على هذا الصعيد، فإن أهميته تكمن في كون "حزب الله" المخاطب به، ممّا يعني ان صفير يخاطب دور الحزب في ترسيخ التعايش الإسلامي ـ المسيحي وتطوير الوحدة الوطنية.
البطريرك و"اللبننة"
ج ـ وإذ أثنى البطريرك على أداء المقاومة وحكمتها، فإنه ركّز على الإشادة بدور "حزب الله" داخلياً، وكان لافتاً تنويهه بالأداء النيابي للحزب، الأمر الذي لا تفسير له إلا تشجيع الحزب في التجربة البرلمانية.
د ـ على ان الأهم في كلام البطريرك الى الوفد القيادي، حديثه عن الولايات المتحدة "التي لا تبحث الاّ عن مصالحها وعندما تصل اليها تبيع حتى حلفاءها"، ليؤكد ان على اللبنانيين "الاعتماد على أنفسهم". لكنّ ما لفت في كلامه عن الاستحقاق الرئاسي تبرّمه من صيرورة هذه المسألة أمراً يتقرّر أميركياً ـ سورياً فيما "يغيب دورنا"، ودعوته الى "صوت لبنان ودوره" في هذا الاستحقاق وغيره من الاستحقاقات.
هـ ـ لا شكّ ان البطريرك صفير لم يكن يناقش مع "حزب الله" توجّهاته أو سياساته، ولا شكّ انه لم يكن في موقع إسداء ملاحظات أو نصائح، غير انه بلا شكّ أيضاً كان شديد التركيز على "اللبننة" في جميع الميادين، ومثلما كان اللقاء يكتسب دلالات ويوجّه رسائل من جانب "حزب الله"، فإن الرسالة البطريركية في اتجاهها الرئيسي هي " اللبننة" التي يأخذ "حزب الله" ببعض أبعادها في حركيّته الراهنة.
لذلك، ومع تكرار القول انّ لقاء بكركي أول من أمس قد لا يحتمل كلّ التفسيرات الواردة آنفاً، فإنه بالتأكيد يحتمل جزءاً رئيسياً منها ما يجعله لقاء بمنسوب عالٍ من السياسة دلالات ومؤشّرات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.