مرّة ثانية: ماذا يحصل بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة؟
عن هذا السؤال تجيب مصادر إيرانية متابعة، تبدأ بالعودة الى التاريخ البعيد لتتوقّف بشكل رئيسي عند الحقبة التي بدأت مع انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الراحل آية الله الخميني. وفي هذا المجال تؤكّد المصادر انّ "الثورة" لم تكن مبادرة الى "العداء" لأميركا ولا الى قطع العلاقات معها، بل كانت المبادرة في هذا الإطار، أميركية. وتعود بالذاكرة الى ما تعتبره مسلسلاً من المواقف الأميركية ضدّ الحركة الإسلاميّة في إيران قبل تسلّمها السلطة في العام 1979 وبعده حتى أمس قريب، حيث لم تترك الإدارات الأميركية المتعاقبة مجالاً للشكّ في انها تستهدف النظام الجمهوري الإسلامي، سواء تعلّق الأمر بدعم ما يهدّد وحدة الجمهورية من الداخل أو تعلّق بدعم حرب صدّام حسين على إيران.. من الخارج.
الخميني: لا تحريم للعلاقة بأميركا
وإذ "تعترف" المصادر الإيرانية المتابعة بأن النهج السياسي الذي التزمته الجمهورية الإسلامية يتعارض ويتناقض مع السياسة الأميركية في محاورها كافة ممّا يصنّف الجمهورية في خانة "العداء" للسياسة الأميركية وليس لأميركا دولة وشعباً، تعتبر في المقابل انّ المواقف الأميركية ضدّ إيران تجاوزت حدود الخصومة السياسية باتجاه استهداف إيران بلداً ونظاماً وشعباً، وباتجاه معاقبة إيران على سياستها، وهذا ما لا يندرج في خانة أي من القوانين والأعراف الدولية، من تجميد الأرصدة الإيرانية الى التشجيع على الحرب ضدّها وتعزيز ترسانة العراق في مواجهتها، وصولاً الى وضع إيران على لائحة ما يسمّى "الإرهاب". وتأخذ المصادر الاعتذار الذي قدّمته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت الى إيران قبل نحو أربع سنوات عن التدخّل الأميركي في مرحلة حكومة مصدّق (الذي حالفته الحركة الإسلامية)، دليلاً على رفض واشنطن التعامل مع إيران كبلد مستقل ورفضها التعامل مع محصّلة ما يريده الشعب الإيراني.
وتدخل المصادر الإيرانية نفسها في تفاصيل كثيرة من "التاريخ". غير انها تسارع الى توضيح "تاريخيّ"، وهو ان الإمام الخميني الذي صاغ شعار "الشيطان الأكبر" وما جرى اشتقاقه من شعارات أخرى لدى حديثه عن أميركا، انما كان يتناول الأمر على صعيده السياسي المباشر في مرحلة سياسيّة كانت تقتضي نوعاً من "التعبئة" دفاعاً عن الجمهورية الإسلامية، لكنه لم يكن يعتبر ان الولايات المتحدة دولة غير شرعيّة أو غير مشروعة، أي انه لم يكن يعتبر ان بين إيران وأميركا صراعاً وجوديّاً كالذي يحكم النظرة الى إسرائيل، ولم يكن يعلن عدم جواز العلاقة بأميركا متى توافرت شروط العلاقة وأبرزها "التعامل المتساوي" بين دولتين.
من الواضح إذاً ان هذه "البانوراما" التاريخية تهدف الى مقاربة الوضع الراهن من زاوية التشديد على ان العلاقة الإيرانية ـ الأميركية مسألة سياسية أولاً، ولا تحكمها نظرة عقيديّة تحرّمها ثانياً، وانها واردة وممكنة متى توافرت شروط استعادتها ثالثاً.
الواقع الراهن:
أميركا لم تطوّر موقفها
أما في الواقع الراهن للعلاقة، فتلفت المصادر الى انها غير قائمة الآن على الرغم من كثرة التداول في الأمر. وإذ ترحّب بالخطوتين الأميركيتين الأخيرتين في مجال مساعدة إيران بعد زلزال بام، سواء خطوة إرسال فريق أميركي مع مساعدات الى المنطقة المنكوبة أو خطوة تعليق العقوبات لمدّة ثلاثة أشهر لتسهيل مرور المساعدات، تسجّل ان المسائل الرئيسية لا تزال تراوح مكانها. فإيران من الجانب الأميركي لا تزال دولة من دول "محور الشرّ"، ولا يزال اسمها على لائحة "الإرهاب"، ولا تزال خاضعة لنظام العقوبات، وأرصدتها مجمّدة. بيد ان المصادر لا تغلق الباب: إذا بادرت واشنطن الى خطوات ايجابية ستلاقي إيران هذه الخطوات، وإن لم تبادر ستبني طهران حساباتها على أساس انّ العداء قائم.
ويستنتج من كلام المصادر الإيرانية المتابعة حتى الآن ان المعادلة الراهنة للعلاقة الإيرانية ـ الأميركية بين شقّين: لا موقف عقيديّاً يحرّم العلاقة من ناحية لكن لا خطوات أساسية على طريق استعادتها حتى الآن من ناحية أخرى. لكن لا جواب بعد عن الأسباب التي تدعو الى ذلك المنسوب العالي من التفاؤل المبثوث في مجالات عديدة حول الآفاق المفتوحة للعلاقة الإيرانية ـ الأميركية؟
وقائع من الواقعيّة
تجيب المصادر هنا انّ الجمهورية الإسلامية الواعية بالمخاطر المحيطة بها تعتمد سياسة مركّبة من مجموعة من العوامل: العقلانيّة والواقعيّة، نزع الذرائع أمام أي استهداف لإيران، وقناعات ذاتيّة أيضاً، ومصالح.
ففي أفغانستان التي كان يحكمها نظام معادٍ لإيران (تحالف "الطالبان" و"القاعدة")، اعتمدت سياسة تراوح بين الواقعيّة (كون النظام السابق صنيعة أميركية في الأساس ومصدر توتير وإرهاب كانت إيران ضحيّته)، والمصالح (سقوط نظام معادٍ) والقناعات (مساعدة المسلمين على استعادة حريّتهم وصورتهم).
وفي العراق، لم يكن الأمر مختلفاً. هناك حمّلت الجمهورية الإسلامية المسؤولية قبل الحرب لنظام صدّام وأميركا معاً، وخلال الحرب لم ترَ ما يبرّر مساعدة النظام السابق (مصالح حيال خطورة هذا النظام على إيران وتدخّله في الشؤون الداخلية عبر دعمه "مجاهدين خلق" المنافقين في الاصطلاح الإيراني)، وبعد الحرب تحميل المسؤولية لأميركا و"التحالف". لكن السلوك الإيراني انحكم أيضاً الى "مبدأ" عدم التدخل في العراق وقرار شيعته (قناعة)، عدم إرسال قوّات أو أسلحة الى داخل العراق (عقلانيّة)، التعامل مع مجلس الحكم الانتقالي وحماية الحدود (واقعيّة). وفي هذا المجال تؤكّد المصادر الإيرانية المتابعة ان طهران ترفض الاحتلال الأميركي للعراق لكن الشعب العراقي هو الذي يقرّر مصيره بنفسه بمقاومة الاحتلال أو عدمها، وهي لا تقول للشيعة قاوموا ولا تقول لهم لا تقاوموا، وهي هناك ضدّ العمليات التي تستهدف الأبرياء والمدنيين (العمليات ضدّ الأمم المتحدة والصليب الأحمر والسفارات والشرطة العراقية، وضدّ العمليات التي استهدفت السيّد محمد باقر الحكيم مثلاً).
وفي امتداد السياسة العقلانيّة والواقعيّة في العراق، وفي أفغانستان قبله، يقع الانفتاح الإيراني حيال دول الخليج كافة، ومصر خصوصاً باتجاه استئناف العلاقة التي انقطعت على خلفيّة اتفاقيات كمب ديفيد وفي فلسطين تؤيد إيران ما يريده الفلسطينيون، وفي لبنان كذلك. وهنا تنفي المصادر الإيرانية وجود "حرس ثوري" في لبنان أو شحن الأسلحة الى "حزب الله". على ان المصادر نفسها وهي تستعرض عناوين الأداء العقلانيّ والواقعيّ، تحرص على القول ان ذلك لا ينطلق من حسابات إيرانية بحتة، بل يأخذ في الحسبان المصالح الإسلامية العامة، لأن إيران "لن تتخلّى عن المسلمين".
"الرأي العام" الإيراني..والانتخابات
هكذا إذاً تتّضح الصورة أكثر فأكثر: لا سبب عقيديّاً لرفض العلاقة بأميركا، لكن دون استئنافها شوط طويل، وما يحصل بين طهران وواشنطن يقرأ من زاوية السياسة العقلانيّة والواقعيّة... والوقائيّة أيضاً التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية. على ان المصادر الإيرانية المتابعة تلفت أخيراً الى نقطة مهمة جداً، وهي ان الانتخابات التشريعية المقبلة في إيران خلال آذار المقبل ستكون على قدر عالٍ من الأهميّة، ذلك انها سترسم المشهد السياسي الإيراني للسنوات الأربع المقبلة، وستكون السياسة الإيرانية المشار اليها آنفاً، بما فيها الجزء المتعلّق بأميركا، موضع استفتاء شعبي. وهنا لا تتردّد المصادر في التشديد على أهميّة "الرأي العام" الإيراني ودوره، وتفاخر بحيويّة المجتمع المدني وبالحيويّات الديموقراطية التي أرسى لبناتها الإمام الخميني، وتبدي اعتزازها بالنظام الدستوري الذي أقامته الثورة الإسلامية، وتلفت الى أن ليس مفروضاً أن يكون المسؤول، رئيساً للجمهورية كان أم رئيساً لمجلس الشورى، رجل دين، فالخميني لم يحبّذ في المرحلة التي تلت الثورة تبوّء رجل دين مسؤولية سياسية، وهذه المسألة فرضتها بعد ذلك تطوّرات معيّنة.
"التحوّل" الإيراني، في ضوء ما تعلنه المصادر الإيرانية المتابعة، قيد التأسيس حالياً، ولا ينحكم الى "ايديولوجيا" بل الى وقائع سياسية "عمليّة"، ولا بدّ أن تجري متابعته بدّقة لما له من إنعكاسات إقليمية كبرى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.