8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تكيُّف استراتيجي مع المعطى الأميركي أم "تكتيكات مواجهة جديدة"؟

ماذا يجري بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة الأميركية؟
سؤال طُرح بقوة في الآونة الأخيرة في مختلف الأوساط السياسية والديبلوماسية في ضوء مجموعة من التطوّرات المتراكمة على صعيد "العلاقة" بين طهران وواشنطن.
وفي هذا المجال، يلفت مصدر ديبلوماسي غربي الى أن "التحوّل" في مسار التعاطي الإيراني مع أميركا لم يبدأ مع الموافقة الإيرانية الأخيرة على المساعدات الأميركية لضحايا زلزال بام ولا مع "صورة" المخيّم الأميركي في المنطقة المنكوبة ولا مع الرفع الموقت للعقوبات الأميركية على طهران بما يسمح للمساعدات بالمرور. فعلى أهمية كل ما سبق ودلالاته، مما يمكن أن يكون نتاج فتوى دينية مبسّطة في إيران، فإن "التحوّل" من وجهة نظر الديبلوماسية الغربية بدأ فعلياً بعد الحادي عشر من أيلول 2001، وتحديداً مع بدء الحرب الأميركية على "الإرهاب" مجسّدة في الحرب على أفغانستان، ثم تعزّز (التحوّل) خلال الحرب الأميركية على العراق وما تلاها، وأخذ منحىً واضحاً من خلال موافقة إيران على السماح بتفتيش منشآتها النووية وتوقيعها البروتوكولات ذات الصلة بالأسلحة المحظورة دولياً.
الصورة الأبرز: إيران وشيعة العراق
ثمة "مشاهد" إيرانية عدة إذاً خلال السنتين ونصف السنة منذ أيلول 2001. بيد أن الديبلوماسية الغربية تركّز من بين "المشاهد" الآنفة المهمة كلها على مشهد أساسي هو في رأيها "التجاور" الإيراني ـ الأميركي في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، و"الحاجز" الإيراني بين شيعة العراق وقوات "التحالف"، الذي يحجز دور النسبة الأعلى من سكّان العراق عن "المقاومة" في مواجهة "الاحتلال الأميركي"، وهو الأمر الذي "يراهن" الغرب وأميركا على أن يتوسع تأثيره باتجاه شيعة لبنان و"حزب الله" تحديداً. وبكلام آخر، فإن أكثر ما يلفت الغرب عموماً وأميركا خصوصاً، ليس ما يتعلّق بتقديم إيران نفسها جزءاً عضوياً من الأسرة الدولية (بروتوكولات الأسلحة مثلاً)، بل السلوك الإيراني المتّصل مباشرة بمآل الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط واحتمالاتها، وذلك ما يستدلّ عليه من تشديد الأوساط الأميركية على اختلافها في الآونة الأخيرة على أن "خطر الأصولية السنيّة" حلّ مكان "الخطر الشيعي" بعد 11 أيلول 2001.
وإذا كان الكلام الغربي يتوقف عند هذا الحد، رافضاً الذهاب الى استنتاجات "حاسمة" أو توقعات لما ستؤول إليه العلاقات بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، فإن أوساطاً سياسية متابعة تنطلق من المشاهِد ـ الوقائع نفسها لترسم "صورة" أولية للموقف الإيراني وحساباته.
تقاطع مصالح مع أميركا
وفي هذا السياق، تقول الأوساط أن السلوك الإيراني تحكمه مجموعة من الاعتبارات التي يجدر أخذها في الحسبان. فبين الحرب الأميركية في أفغانستان ثمّ في العراق من ناحية وإيران من ناحية ثانية، ثمة تقاطع مصالح على درجة عالية من الوضوح. ذلك أن إطاحة أميركا لنظام تحالف "الطالبان" و"القاعدة" في أفغانستان، تلبّي مصلحة إيرانية أكيدة، طالما أن النظام السابق مثّل خطراً مباشراً في الخاصرة الإيرانية وهدّد أكثر من مرة باستدراج إيران الى حرب في هذه المنطقة. كذلك فإن إطاحة نظام صدام حسين في العراق، تلبّي مصلحة إيرانية أكيدة أيضاً، طالما أن النظام السابق مثّل خطراً مباشراً على إيران تجلّى بحرب السنوات الثماني بشكل خاص. ويُنقل في هذا المجال عن رئيس "هيئة تشخيص مصلحة النظام" هاشمي رفسنجاني قوله خلال مؤتمر عقد في طهران أخيراً "لو دخلنا المعركة في أفغانستان والعراق لكان الوضع تحوّل الى جحيم (بالنسبة الى أميركا) لكن ما مصلحتنا في الدفاع عن نظامي الطالبان وصدام؟"، ملمحاً الى أن "التخلّص من الاحتلال الخارجي أسهل من القضاء على الاستبداد الداخلي".
.. ومصالح إيرانية ولغة واقعية
في البداية، ثمة تقاطع مصالح إذاً. وهنا تضيف الأوساط انه إذا كان لا جدال في صحة هذا الاستنتاج، فإن التكيّف الإيراني مع ما تلا الحربين وإسقاط النظامين في كابول وبغداد، يحتاج الى تفسير. وفي هذا الإطار، تعرب الأوساط نفسها عن اعتقادها أن ثمة أمرين "يوجهان" السياسة الإيرانية المتكيّفة هذه، الأول هو الحرص الإيراني على حماية الأقلية الشيعية الموالية لها في أفغانستان ومصالحها، وهذا ما يفسّر بـ"الدخول" الإيراني الى مناطق الأفغان الشيعة ومدّ شبكة الخدمات باتجاهها، والثاني هو الحرص على حماية الأكثرية الشيعية في العراق مع الوعي بأن الشيعة العرب والإيرانيين يمثّلون أقلية في محيط عربي ـ إسلامي ذي غلبة سنيّة. وتشير الأوساط الى أنه إذا كان ثمة "تقاطع" مصالح في "الجزء" المتعلّق بمقدّمات الحرب والحرب نفسها، فإن ثمة مصالح إيرانية في ما تلا الحرب تبحث عن تكيّف مع المعطى الأميركي، خصوصاً في العراق حيث لا يخفى أن إيران تخاطب هنا إرادة شيعية بعدم تكرار ما يعتبره الشيعة "خطأ العام 1920" الذي أدّى الى تهميشهم في "النظام السياسي" في العراق.
لكن بين "تقاطع المصالح" مع أميركا من جهة والمصالح بالتكيّف مع المعطى الأميركي من جهة أخرى، من الواضح أن إيران التي تحاول أن "تبيع" واشنطن هدوءاً وواقعية و"عدم مقاومة"، إنما تحاول في المقابل أن "تشتري" سلامتها وأمن نظامها في وقت تقيم أميركا على حدودها، وفي ظل توازن قوى مختلّ اختلالاً فادحاً. ولا يغيّر من هذا التقدير أن إيران "باعت" الموضوع النووي الى أوروبا حيث لا يعني التعاطي الواقعي مع أميركا عدم السعي الى تعزيز الدور الأوروبي ولو لم يحصل إلاّ على المدى الطويل. وتعتبر الأوساط أن دخول "لغة" تقاطع المصالح أو المصالح وعلى نحو كثيف على السياسة الإيرانية، هو معبّر في حدّ ذاته، علماً أن له تأثيرات وانعكاسات سياسية مباشرة على الوضع الإقليمي ككل عراقياً وفلسطينياً وسورياً ولبنانياً ("حزب الله")، ذلك أن "الواقعية" الإيرانية بما هي تكيّف مع "النظام الدولي" تحلّ مكان لغة "المواجهة". وهذا ما لا بدّ أن يكون موضع متابعة في الفترة المقبلة، حيث لا مجال للشك مثلاً أن الأداء الإيراني في "المسألة الشيعية" العراقية قد قطع شوطاً ملموساً في "الواقعية"، وكذلك الأداء الشيعي العراقي نفسه حتى بوجود "تلاوين" شيعية مختلفة عن ايران.
الموسوي: مواجهة وتكتيكات
من جهته، وإذ "يعترف" مسؤول العلاقات الدولية في "حزب الله" نوّاف الموسوي بوجود هذه "المشاهد" الإيرانية، يرفض الحديث عن "مرونة" أو "تكيّف" إيرانيين، ويفضّل الكلام على "ممانعة" و"تكتيكاتها" أو "مقاومة وتكتيكاتها". فمن وجهة نظره أن ما يملي السلوك الإيراني الراهن "انعدام التوازن في القوى" و"الوعي الإيراني بالمخاطر"، وانه من "الخطأ رؤية ردود الفعل الإيرانية على الضغوط الأميركية بطريقة تقليدية".
ويدعم الموسوي وجهة نظره هذه بالدعوة الى ملاحظة أن "عنوان السياسة الأميركية هو تغيير الواقع والوقائع، طبعاً ليس لإقامة ديموقراطية". وفي إطار هذا العنوان، يرى الموسوي أن "السياسة الأميركية لا تقرّ بوجود نظام إسلامي في إيران"، ومن هنا فإن ثمة مرحلة أولى في هذه السياسة هي "ابتزاز الأنظمة القائمة"، وثانية هي "إعادة تشكيل المجتمعات السياسية برؤية جديدة للنفاذ الى مكوّناتها".
من هنا، يشدّد على أن لا مكان للحديث عن "انكفاء أو تسليم" بل عن "نمط جديد من المواجهة"، مضيفاً أنه "إذا كان الأميركي متفوّقاً استراتيجياً فمن يقول أنه يستطيع أن يفرض الاستسلام لمشيئته؟". على أن الموسوي يدعو الى الانتباه الى العلاقة الوثيقة بين "أصولية حاكمة في الولايات المتحدة متحالفة مع إسرائيل"، الأمر الذي يبدو على لسانه بمثابة تنبيه الى أن الفصل بين أميركا وإسرائيل مستحيل أو في حدّ أدنى بمثابة تذكير بأن العلاقة بأميركا من الجانب الإيراني "شيء" يمكن أن يكون مختلفاً لو توافرت شروط معيّنة، بينما المسألة مع إسرائيل لا حلّ لها طالما أنها من النوع "الوجودي".
في ضوء رؤية الديبلوماسية الغربية الى "التحوّل" الإيراني، وقراءة الأوساط المتابعة لـ"التكيّف" الاستراتيجي، ونظرة الموسوي الى "نمط جديد من المواجهة"، من الواضح أن ما يجري بين طهران وواشنطن على قدر كبير من الأهمية مما يشغل اهتمام الجميع. سيحاول كل طرف قراءة ما يجري بمنهجية أقرب الى رأيه، لكن الوقائع هي التي ستتكلّم في النهاية، والأمر المؤكد هو أن "التحوّل" الإيراني سيفرض جديداً كبيراً على الجميع، وسيكون موضع متابعة رئيسية في المقبل من الأيام، خصوصاً إذا صحّ ما يلفت إليه البعض من أن حسابات إيران يغلب عليها "البعد الإيراني" أكثر من الحسابات "الإسلامية العمومية".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00