8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك ومفهوم "اللبننة".. يطرح تحدّياً في الدائرتين المسيحية واللبنانية

في الأيام الأخيرة من العام 2003 والأيام الأولى من العام 2004، بدا البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير لزوّاره من المقرّبين مرتاحاً جداً. ويعزو المقرّبون ارتياحه الى كونه قد حدّد مجموعة من الثوابت التي يلتزمها ويرى في الوقت نفسه انها قابلة للتحقّق مما يخلق لديه حالاً من الاطمئنان على الرغم من "الصورة" الراهنة المباشرة للوضع. وفي هذا المجال يعدّد المقرّبون هذه الثوابت البطريركية على النحو الآتي:
أولاً ـ يتمسّك البطريرك، على ما ينقل عنه المقرّبون، بموقفه الداعي الى احترام الدستور، لانه من جهة يرى ان احترام الدستور يمثّل ضمانة للاستقرار السياسي، ومن جهة أخرى يعتبر ان الوقت لم يحن للبحث في تعديلات أبرزت التجربة ضرورة الإقبال عليها، وذلك في انتظار أن يبرز تطبيق الدستور بـ"حذافيره" ما ينبغي طرحه على طاولة البحث في مناخٍ من الوفاق الوطني الحقيقي. وعليه فإن احترام الدستور يقترن عنده مع تطبيقه نصّاً وروحاً.
ثانياً ـ ويتمسّك البطريرك بموقفه المؤكد على رفض المراهنة على "الخارج"، وعلى الولايات المتحدة بالتحديد، وذلك لاعتبارات عدّة منها ما يتعلّق بالتجربة "التاريخية" السابقة، ومنها ما يتّصل برفض الاستقواء بأميركا على العلاقة اللبنانية بسوريا خصوصاً في المرحلة الإقليمية ـ الدولية الراهنة. بيد ان "المستجدّ" الذي يجعل البطريرك أكثر تشدّداً في هذا الموضوع، هو ما بات يجري تداوله أو الكتابة عنه بشأن دور "ما" بنسبة ما لواشنطن في تقرير مصير عدد من الاستحقاقات اللبنانية خلال العام الجاري.
"التحالف الوطني" مقابل "السلطة البديلة"
ثالثاً ـ على ان ما يلفت اليه المقرّبون من سيّد بكركي، هو انه إذ يتمسّك باحترام الدستور وبرفض المراهنة على الخارج، الأميركي تحديداً، انما يتطلّع الى أن يشكّل الأمران أي احترام الدستور ورفض المراهنة على أميركا، المدخل الى استعادة الداخل اللبناني دوره بعد انكشاف طال أمده كثيراً، أي المدخل الى "اللبننة" بما في ذلك "لبننة" الاستحقاقات كافة.
رابعاً ـ وفي مجال التأكيد على هذا المنحى المنشود، كرّر البطريرك أكثر من مرة في الآونة الأخيرة، وآخرها في رسالته بمناسبة عيد الميلاد، دعوته الى قيام تحالف وطني لبناني أو كتلة لبنانية مختلطة. وإذا كان مفهوماً من هذه الدعوة ان البطريرك لا يرى فائدة من انغلاق التكتلات الطائفية (أي الممثلة لطوائف أو الأكثر تمثيلاً لها)، وانه يرى في المقابل ضرورة ولادة دينامية تواصل تشكّل حماية للوضع اللبناني.. فإن ما يشير اليه المقرّبون في هذا الخصوص هو ان البطريرك يعتبر قيام "تحالف وطني" مدخلاً الى "اللبننة" وذروة لها في آن.
ويشير أحد أبرز المقرّبين من بكركي، الى ان صفير مازحه وزملاء له معارضين، بالقول: لقد تحدّثت في رسالة الميلاد عن "السلطة البديلة" التي تطرحون، وعندما سئل: كيف ذلك؟ أجاب: تحدّثت عن "التحالف الوطني". وهنا، وبصرف النظر عن "الدعابة" أو "التلطيش" في هذا المجال، فمن الواضح ليس فقط ان البطريرك يفضّل مصطلح "التحالف الوطني" أو "الكتلة اللبنانية" على مصطلح "السلطة البديلة"، حيث الأول أقل التباساً من الثاني، بل هو يعطيه الأولوية لان "السلطة البديلة" بمفهوم البطريرك على ما يبدو هي في واقع الأمر تحالف هادف الى قيادة المرحلة اللبنانية الراهنة ـ المقبلة.
التحدّي المطروح على المعارضة المسيحية
في تفسير ارتياح البطريرك صفير إذاً، يذكر المقرّبون الثوابت التي يتمسّك بها وتبعث على ارتياحه: احترام الدستور بتطبيقه، رفض المراهنة على أميركا، "اللبننة"، و"التحالف الوطني" بديلاً من مصطلح "السلطة البديلة" أو مرادفاً له "أقرب" الى تظهير المقصود. بيد ان ما تتضمّنه هذه الثوابت البطريركية، ليست فقط مجرّد إشارات أو رسائل موزّعة في الاتجاهات كافة كي تُقرأ بإمعان، انما هي في جانبها الآخر نوع من "التوجيه" أو "الإرشاد" لمن يستظلون العباءة البطريركية، والمعارضة المسيحية تخصيصاً.
وفي هذا الإطار، يرى متابعون من كثب ان هذين "التوجيه" أو "الإرشاد" يشكّلان تحدّياً سياسياً أمام "المعارضة المسيحية"، وبنوع أخص أمام "لقاء قرنة شهوان" كإطار "مُجتمِع"، وإن كان ثمة في "اللقاء" عدد من الشخصيات ممن التقطوا ما يرمي اليه البطريرك في وقت مبكّر، حيث طرح عدد منهم "فكرة" أو "مقولة" تعبّر عن ذلك: "شبكة الأمان" الوطنية، وأيّدهم في ذلك عدد آخر.
ذلك ان ما يعنيه البطريرك في العمق هو أن يكون المسيحي مؤيداً من بيئته ومدعوماً من المسلمين الأكثر تمثيلاً لبيئاتهم، وأن يكون المسلم مؤيداً من بيئته ومدعوماً من المسيحيين الأكثر تمثيلاً لبيئتهم.. وبذلك تتحقّق "اللبننة" المقصودة، ويتحقّق التفاهم الذي يقي من أي منحى سلبي للتطوّرات الإقليمية والدولية. وما يعنيه البطريرك، مشروحاً على النحو السابق من المتابعين، يفيد انه إذا كان "لقاء القرنة" غير قادر على تحقيق هذه "النقلة" مجتمعاً لأثقال تتعلّق بالبعض ربما على صلة بمراحل ماضية، فإن آخرين ضمن "اللقاء" يمكنهم "الشفاعة" به لدى الشريك الآخر (المسلم) أو تحقيق تراكمات معينة في الاتجاه الصحيح، علماً ان بعضاً من أعضاء "اللقاء" ممّن يملكون علاقات في الدائرة الإسلامية يشكون هنا من أمرين: الأول هو انهم بشكل مباشر أو غير مباشر لا يزالون يتحركون في دائرة التناقضات على مستوى السلطة فيلعبون أحياناً لعبة هذا الطرف أو ذاك داخل هذه السلطة، والثاني هو انهم في اختيار تحالفاتهم على الضفة الأخرى (المسلمة) لا ينجحون في التقدّم نحو اكتساب ثقة الجهات الأكثر حضوراً ونفوذاً.. وكلا الأمرين يفيد ان هؤلاء لا يزالون "أسرى" مرحلة ولا يتقدّمون باتجاه ما يرمي اليه البطريرك من "لبننة"، على ما يقول المراقبون. ويذكر هؤلاء المراقبون ان "تشخيص" إشكالية قدرة "القرنة" مجتمعة على تحقيق "النقلة" المطلوبة، لا تعني ذمّاً بـ"اللقاء" بل تعييناً لمن هم أكثر قدرة على تشكيل "جسر" للقاء ككل باتجاه الآخرين، وهو ما يمكن تلمّسه بنسبة عالية من تجربة العلاقة بالزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط من ناحية ومن تجربة العلاقة بحزب الله في الإطار الذي تقوم ضمنه وبالحدود التي تظللها من ناحية أخرى... كما ان هذا ما يمكن تقديره للأفق السياسي في مرحلة أولية. ويختم المراقبون بملاحظة ان ثوابت البطريرك التي تمثّل تحدياً على المستوى اللبناني ككل، انما تمثّل تحدّياً في الإطار المسيحي انطلاقاً، تحدّي ما يسمّونه "التأهل" للمستقبل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00