8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المسألة تطرح تحدّيات على المسلمين ولا تستدعي حملات متجاهلة للعلاقة بفرنسا

لا يزال القرار الفرنسي الذي يمنع ارتداء الحجاب في المدارس الرسمية موضع نقاش في عدد من الأوساط المهتمة بهذا الموضوع وبحسن العلاقة الإسلامية ـ العربية ـ الفرنسية ـ الأوروبية، وهو نقاش يتخذ منحىً مختلفاً عن حملة "الاستنكار" و"الشجب" و"الإدانة" التي انخرط فيها رجال دين وسياسة مسلمون بدوا مسقطين لكل اعتبار في تناول هذا الأمر، مركّزين على زاوية وحيدة هي الزاوية الدينية البحتة.. ومن دون كثير "اجتهاد" على هذا الصعيد.
وفي تقدير هذه الأوساط المهتمة ومن ضمنها مسلمون انه كان ولا يزال يتوجب على النقاش أن يركّز على مجموعة من العناوين بغية أخذها في الحسبان عند صوغ وجهة التعاطي، خاصة ان أحداً لا يتوقع من رجل دين مسلم، من عالم أو مفكّر، أن "يفتي" بجواز منع الحجاب، حيث ثمة اجماع ـ على ما هو ظاهر ـ على ان ارتداء الحجاب بمثابة "فريضة" على المسلمة، وعلى ان الحجاب ليس مجرّد "رمز" ديني.
الإسلام ـ الإشكالية؟
أولاً ـ يسجّل المناقشون بدايةً أن لا مفرّ من التفكير بكيفية الحؤول دون تحوّل المسلمين في أي بلد لا يشكّلون فيه إلا أقليّة ولو "كبيرة"، الى مشكلة في هذا البلد أو إشكالية مستعصية، كما هي الحال في فرنسا بعد تزايد أعداد المسلمين الفرنسيين المتحدرين في معظمهم من أصول عربية مغاربية واكتسبوا جنسية البلد. وفي اعتقاد المتناقشين ان ذلك هو التحدّي الأكبر أمام التفكير الإسلامي، خاصة إذا بدا ان الحجاب لا يعدو كونه رأس جبل الجليد. ذلك ان "صورة" الإسلام ـ الإشكالية ضارة بالإسلام والمسلمين، لاسيما في المرحلة الدولية الحاضرة وفي ظل مسمّى "حرب الحضارات" الذي يؤكد قادة الرأي المسلمون بعدهم عنه ورفضهم له.
ثانياً ـ وفي امتداد النقطة السابقة التي لا تعتبر "طارئة" بالنسبة الى علماء المسلمين ومفكّريهم، وإن بدت غير حاضرة في حمأة "الحملة" على الحكومة الفرنسية، يرى المتناقشون انه لا بدّ أن يكون المسلمون عامل استقرار في مجتمعاتهم، وأن يشاركوا، وقد حملوا الهوية الوطنية للبلد الذي هم فيه، في تحقيق الاندماج الاجتماعي لا أن يثبتوا لليمين العنصري انهم استعصاء أمام هذا الهدف الذي يشكّل تحقيقه ضمانة رئيسية لهم ولسواهم.
علمانية الدولة والمدرسة
ثالثاً ـ ويلفت المتناقشون الى ان على المسلمين، الفرنسيين منهم في هذه الحالة، ألا ينسوا ان الدولة الفرنسية التي تأسست تاريخياً في امتداد ثورة نهاية القرن الثامن عشر، انما قامت في الأصل على أنقاض سلطة الكنيسة في بلد "مسيحي" وبعد ان تم "زرب" رجال الدين المسيحيين في كنائسهم ومنازلهم، فتحقّقت علمانية الدولة التي يعتبرها الفرنسيون ـ والأوروبيون في أوروبا ـ إنجازهم التاريخي الضامن لوحدة بلادهم، ويرفضون تعريض هذا الإنجاز لـ"الزوال" أو الاهتزاز.
رابعاً ـ وإذا كان من البديهي من وجهة نظر المتناقشين أن يحترم الوافد الإسلامي "الجديد" أي حديث العهد، علمانية الدولة أو الدولة العلمانية التي اعترفت بـ"مسلميها" والتي من مبادئها (العلمانية) الاعتراف بحقوق الجماعات والأفراد تكريساً لمجتمع "الأحرار المتساوين"... فمن البديهي ايضاً ـ ودائماً من وجهة نظر المتناقشين ـ أن يحترم المسلمون علمانية التعليم الرسمي الذي يقع تحت إشراف الدولة.
والى ذلك يضيفون "واقعة" ان عدداً لا يستهان به من الفتيات المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب من البيت الى المدرسة تمشيّاً مع ما يرغب به ذووهن، يخلعن الحجاب عند باب المدرسة (أو على الطريق) ويشكون من تشدّد الأهل.. هذا في وقت تعتبر الدولة الفرنسية انهن لسن راشدات لاتخاذ قرار حرّ بارتداء الحجاب أو عدمه.. مّما يفترض أخذه في الحسبان عند النقاش مع المعرفة الكاملة بأن رشد الفتاة المسلمة يحدّد باعتبارات أخرى دينياً.
المخاطَب صديق
خامساً ـ الى هذه التحدّيات الفكريّة: الإسلام والمسلمون في بلد غربي، مقولة الاندماج الاجتماعي، وعلمانية الدولة، والتي تفرض نفسها على "دين جديد" في الغرب يتنامى في ظروف عدّة تتعلّق بالإسلام ومبادئه من جهة لكنها تتصل بالظروف "غير المانعة" في البلد نفسه من جهة اخرى ايضاً، يدعو المتناقشون الى عدم نسيان ان البلد المخاطب بالمشكلة هو بلد صديق للعرب والمسلمين وان دولته تدفع ضريبة هذه العلاقة، وهي في مواجهة مع السياسات المستهدفة العرب والمسلمين. ويدعون الى تذكّر ان أفضل وسيلة هي الحوار وليس الاستعداء، ذلك انه لأمر غريب أن يضحّي العرب والمسلمون في لحظة بنفوذ يكتسبونه تدريجاً ويستطيعون ترسيخه بالاندماج، في وقت لا تمنع فرنسا عن المسلمين "شيئاً" تمنحه لمجموعات أخرى، بل على العكس تمنع "الرموز" المسيحية واليهودية ايضاً.
ويسارع المتناقشون بعد تسجيل النقاط الآنفة طالبين إدراجها في الحوار لتكوين المحصّلة ، الى الاعتراف بأن ما يطرحون ليس بديهياً بل لعلّه إشكالي ايضاً، لكنهم يعتبرون ان الفكر الإسلامي مبدع وخلاّق وان في لبنان علماء ومجتهدين أثروا الفكر الإسلامي وكانت لهم "ثورات" فقهيّة.. الأمر الذي يفترض معه تغليب "الحوار" على "الحملة"، لاسيما ان الديبلوماسية الفرنسية التي تمتدح غنى علماء لبنان، وزارتهم طلباً للحوار، لم تحصد إلا حملة استنكار.
السيّد الأمين..مثالاً حوارياً
وإذ يبدون الأسف حيال عدم ارتقاء الموقف الى مستوى العلاقة المطلوبة بفرنسا، يسجّلون في المقابل ايجابية اجتهاد حواري للعلامة السيّد محمد حسن الأمين يقول فيه: الحجاب فريضة على المسلمة وليس رمزاً ولا يجوز منعه. لو اختار الرئيس الفرنسي جاك شيراك أن يردّ قانون منع الحجاب باسم العلمانية لكان أضاف الى العلمانية مأثرة اهتمامها بالحرية الفردية. الموقف الفرنسي المانع للحجاب يصدر عن ايديولوجيا علمانية وليس عن علمانية، لان أصحاب هذه الايديولوجية يظنون ان العلمانية في خطر ويأخذون مواقف من خارج العلمانية. ان ردّ قانون منع الحجاب كان غدا مأثرة لا نجدها في الأنظمة الشمولية بطبيعة الحال.
ويختم المتناقشون بملاحظة ان ما قاله السيّد الأمين على قدر عالٍ من الرحابة المحترِمة لفرنسا وخصوصيات الوضع الفرنسي، وأن ليس الأهم أن يكون المفكّر مع الحجاب وضدّ منعه، بل الأهم ألا يتسمّر عند هذه النقطة ليفتح حواراً في المسائل كافة... ودائماً بمستوى أهمية العلاقة بفرنسا.. مع الإشارة الى ان السيّد الأمين رائد في احترامه علمانية الدولة قدر ايمانه الاسلامي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00