شكّل الحديث الذي أدلى به رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكيّ النائب وليد جنبلاط الى مجلة "الأنباء" قبل بضعة أيّام، مادّة نقاش في أوساط المعارضة المسيحيّة التي قرأت فيه نهاية ايجابيّة للعام 2003، وتعاملت معه بوصفه مؤشراً الى مرحلة تقتضي التنسيق "الدقيق".
في هذا الإطار، يرى عدد من أركان "لقاء قرنة شهوان" انّ حديث جنبلاط يأتي ليعطي مشاركة "القرنة" في حدث تشييع الركن الأبرز في الطائفة الدرزيّة الشيخ أبو حسن عارف حلاوي، معنىً سياسياً وليكسبها مضموناً يتجاوز حدود التضامن في مناسبة حزينة. ذلك انّ هذه المشاركة التي تمّت في حينها بناءّ على دعوات من جنبلاط، انما حصلت بعد انقطاع بين الطرفين استمر طويلاً ولو انّ قناة محدّدة بينهما استمرت قائمة بـ"تقطّع" خلال هذه الفترة.
وإذ يلفت هؤلاء الأركان في "القرنة" الى الاستقبال "الودّي" الذي لقيه وفدها في المناسبة آنذاك، يشيرون الى انّ المشاركة والاستقبال كسرا حدّة التباعد من ناحية وأعادا أجواء المصالحة الدرزية ـ المارونيّة في الجبل من ناحية أخرى.
بكلام آخر، يشدّد أركان "القرنة" على انّ حديث جنبلاط الى "الأنباء" لم يكن مقطوعاً عن هذا السياق، لا بل هو (الحديث) متابعة لافتة من قبل الزعيم الاشتراكي لما جرى في تشييع الشيخ حلاوي، وحرصٌ من جانبه على إضفاء بعدٍ سياسي وتثميره ضمن الممكن. وفي تقديرهم انّ حديث جنبلاط ذو قيمة على أكثر من صعيد. فهو ذكر "القرنة" بالاسم كطرف مسيحي "مؤهل" للحوار أولاً، واتّسم بـ"نبرة" هادئة حتى حيالَ الخصومات المعروفة لجنبلاط في الوسط المسيحي ثانياً، وهو طرحَ وجهات نظره ولم يضع شروطاً على الحوار ثالثاً، واستعاد مقولةَ تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية من الشوائب التي تعتريها، وكان قد أبرز هذه المسألة مراراً خلال الأشهر الماضية، وذلك من موقع إدراكه انها تمثّل نقطة محورية في أي حوار وهو الذي يصدر في موقفه هذا عن تضامن مع سوريا لا لبس فيه.. رابعاً.
لا تباعد.. في النظرة الى العلاقة بسوريا
ويعتبر الأركان في "القرنة" انّ حديث جنبلاط مأخوذاً في سياقه، وبالصلة مع المقدمات التي مثلتها مناسبة تشييع الراحل حلاوي ومعطياتها، يؤكّد انّ "المسافة" عن جنبلاط أقلّ ممّا قد يخيل للبعض. فـ "القرنة" كما يقولون تحمل عنوان تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية وليس محاربة سوريا أو النيل منها، وتحمل عنوان استعادة اللبنانيين قرارهم حيال ذاتهم بما يمكنهم من المحاسبة الداخلية وتعزيز الحياة السياسية واسترجاع سياقها الطبيعي، وهذا ما يطرحه جنبلاط أيضاً بصيغة أو بأخرى.
وإذ يلاحظون أن لا تباعد مع رئيس "التقدمي" يسجلون انّ تعاوناً بين الطرفين حصل ازاء عدد من الملفات الداخلية في الآونة الأخيرة، سواء بالنسبة الى الموقف من الاضراب العمالي أو من تظاهرة الاساتذة والطلاب في الجامعة اللبنانية، وينوّهون بدور "المنبر الديموقراطي" في مجال التنسيق وتطوير المواقف المشتركة في قضايا محدّدة، فضلاً عن كونه واحدة من قنوات "التواصل" التي اعتمدت خلال مرحلة سابقة.
الحوار الممكن
ومن ذلك كله، يستنتجون انّ اللقاء مع جنبلاط يغدو ممكناً أكثر من أي وقت مضى. ويعلنون انّ ثمّة حاجة الى "حوار تمهيدي" بهدف أن يفضي الى تحديد جدول أعمال للقاء الثنائي، ويعربون عن اعتقادهم انّ التوصل الى هذا الهدف متيسر طالما أنّ لا جنبلاط ولا "القرنة" يضعان شروطاً أو يشترطان أي موضوع للحوار. ويضيفون ان الأفق مفتوح أيضاً لعمل مشترك بشأن الجوانب المتفق عليها.
ويقول الأركان في "القرنة" انّ ثمّة "شعوراً" لديهم بأنّ المرحلة تتطلّب تنسيقاً "دقيقاً"، على اعتبار انّ المرحلة مفتوحة على احتمالاتٍ ومعطيات، وانّ هذا التنسيق الممكن يلتقي مع الفكرة التي طرحها بعض أعضاء "القرنة" في وقت سابق حول قيام "شبكة أمان" لبنانية تتشكل من الأكثر تمثيلاً في بيئاتهم "ممن أعادوا تأهيل" وضعهم ودورهم للمرحلة الآتية، لا بل انّ الأركان يرون في عودة الصلة بجنبلاط ترجمةً لهذه الفكرة بالتحديد، ولو أوّلية.
جنبلاط وبكركي والفاتيكان
وفي وقتٍ يبدو الأركان في "قرنة شهوان" شديدي الارتياح الى هذا التطور، تسجّل مصادر متابعة لـ "تفكير" زعيم الجبل انّ جنبلاط عندما أدلى بحديثه كان يفتح الأفق أمام تجدّد معين في الحياة السياسية، وهو مذخّر بعدة معطيات.
أولاً ـ يكرر جنبلاط في شتى المناسبات وعند كلّ المحطات، وذلك منذ شهور طويلة، بما في ذلك في "اللحظة" التي تجلّت فيها "أزمة الثقة" بينه وبين البيئة المسيحية كما في الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه، ثقته بالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير وبالخط الذي ينتهجه لاسيما حيال التطوّرات الإقليمية، ويؤكد تقاطعه معه.
ثانياً ـ يؤكّد الزعيم الاشتراكي ارتياحه الشديد الى مواقف الكنيسة الكاثوليكية في العالم، وهو يمدح مواقف الفاتيكان الذي زاره قبل مدة وأتاحت له المحادثات مع المسؤولين في الكرسي الرسولي التعرّف الى "الانحياز" الفاتيكاني بجانب قضايا العرب والمسلمين، والاعتراض على السياسة الأميركية في المنطقة.
ثالثاً ـ يعرف جنبلاط حقّ المعرفة انّ الشطر الأعظم من المعارضة المسيحية لا يتجاوز في تناوله مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية حدود المطالبة بتصحيح الشوائب، وانّ معظمها لا يقف في موقع الاستقواء على سوريا في موازاة الظروف الإقليمية والدولية الضاغطة.
.. و"القرنة"
رابعاً ـ يشدّد جنبلاط على ما تمثّله العلاقة بالمسيحيين بالنسبة اليه من أولوية، ليس فقط بعد نتائج الانتخابات الفرعية وبسببها، وانما تأكيداً لمصالحة الجبل وتشديداً على ما تمثّله من ضمانة لبنانية عامة، وهو الذي بقدر ما أراحته المشاركة المسيحية في تشييع الشيخ حلاوي، شغلت تفكيره بشأن المطلوب عمله لـ"استئناف" العلاقة السياسية بالمسيحيين وتطويرها، مدركاً المعادلات التي لا يستطيع أحد تخطّيها.
خامساً ـ لا شكّ ان "القرنة" لا تمثّل إطاراً تتطابق نظرة الجميع ضمنه الى الوضع العام والى العلاقة بجنبلاط وأهميتها، وهذه ليست مسألة حاسمة "ضدّ" انطلاق الحوار وترسيخه وبلورة نتائج مهمة، لانّ لجنبلاط محاورين داخل "القرنة" يعرفون كلّ الحساسيات، والأهمّ هو انّ جنبلاط يحظى بـ"عين" بطريركيّة ايجابيّة، فضلاً عن انّه من الأفضل أن تكون "البدايات" مع من هم أكثر تفهّماً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.