8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الجبهة الوطنية للإصلاح": أزمة مشروع وموقع.. وتركيبة إشكاليّة

كان الرئيس عمر كرامي "سبّاقاً" الى الاستدلال بالحدث الجورجي الشهر الماضي عندما أطاح العصيان المدني في جورجيا سلطة الرئيس ادوارد شيفارنادزه، وذلك للدعوة الى ثورة على الطريقة الجورجية نفسها في لبنان. ثم تبعه الرئيس حسين الحسيني في المثال نفسه والاستدلال ذاته والتلويح ايّاه.
وخلال أيام كان ما أعلنه ركنان أساسيان في "الجبهة الوطنية للإصلاح" موضع مناقشة في الوسط السياسي اللبناني، ليس من زاوية دوافع كل من الحسيني وكرامي الخاصة اليه، بل من زاوية ما يعنيه هذا الطرح سياسياً، وسُجّلت في هذا السياق مجموعة من الملاحظات على النحو الآتي:
الحسيني وكرامي وسياق إنتاج انتمائهما
إلى "الطبقة السياسية"
أولاً ـ ثمة استهجان في معظم الوسط السياسي من محاولة الرئيسين السابقين للمجلس والحكومة الإيحاء بأنهما من خارج "الطبقة السياسية" التي يدعوان الى الثورة عليها أو يحذّرانها من ثورة ضدها. والحال أن "الطبقة السياسية" التي يجادل اللبنانيون في دورها خلال السنوات الماضية بعد الطائف لا تقتصر على من تعاقبوا على "السلطة" بل تشمل ألواناً من "المعارضات" أيضاً. وبهذا المعنى فإن الحسيني وكرامي ليسا بتاتاً خارج "الطبقة السياسية".
ثانياً ـ والى ذلك يضاف سبب آخر لتصنيف الرجلين ضمن "الطبقة السياسية" التي يحذّران من ثورة أو انتفاضة عليها، وهو أنه إذا كان الجذر الحقيقي لـ"أزمة" هذه الطبقة أن إنتاجها كان يتم في سياق غير طبيعي على مستويات عدة، فإن انتاج نيابة كلّ منهما حصل في سياق غير طبيعي أيضاً، ولا يختلفان تالياً عن أقرانهما من السياسيين في هذه النقطة تحديداً.
ثالثاً ـ إلا أن ما لفت انتباه الوسط السياسي، أكثر من غيره، هو "الوسيلة" التي يقترحها معارضان برلمانيان دستوريان، أو هكذا ينظر اليهما عديدون، وسيلة العصيان لمجرّد تلويحهما بها، الأمر الذي يعني دعوة الى تغيير سياق إنتاج "الطبقة السياسية" و"السلطة" بوسيلة غير طبيعية. والمستغرب في هذا المجال ليس فقط أن يتبنى دستوريان وسيلة غير دستورية، بل أن يلوّحا بها على عتبة استحقاقات دستورية رئيسية منها الانتخابات البلدية والانتخابات النيابية التي تشكّل كلّ منهما وسيلة تعبير شعبي أصلي وأصيل.
رابعاً ـ وتطرح دعوة الحسيني وكرامي أكثر من علامة استفهام في السياسة المباشرة. بكلام آخر، إذا كان ما تقدم يدخل في إطار النقاش معهما على خلفية ثقافية سياسية، فإن الدعوة تثير "الريبة" بصرف النظر عن قدرتهما على السير فيها في ظل استبعاد تجاوب شعبي معها، من زاوية اندراجها في مشاريع سياسية تحاول أن تلاقي التطوّرات الخارجية بصيغة معينة تنطوي على لون من ألوان إدارة الظهر لعملية تطوير النظام البرلماني، كونها تشكّل قطعاً مع مسار التطوير ديموقراطياً.
أزمة مشروع وبنية
بيد أن ما يطرحه الرئيسان الحسيني وكرامي، لا يمكن في اعتقاد الوسط السياسي فصله عن الوضع المأزوم الذي تعيشه "الجبهة الوطنية للإصلاح" والذي يتجلّى عبر مؤشرات عدة.
أ ـ لا شك أن "الجبهة" تعاني من "أزمة مشروع"، وهذا ما لا يلغيه القول إن ثمة برنامجاً متكاملاً قيد الإعداد سوف يتم الإعلان عنه مطالع العام المقبل. فـ"المشروع" يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ"الموقع" الذي تتطلّع "الجبهة" الى احتلاله في المعادلة السياسية، و"أزمة المشروع" هي أن "الجبهة" لا تزال في "اللاموقع" و"اللامكان". فهل هي جبهة الموالاة لأحد فرقاء السلطة؟ أم هي "الجبهة" التي تطمح الى أن تكون "السلطة البديلة"؟ وهل هي "جبهة" إعادة إنتاج تسوية في الطائف؟.. ومع من؟ ومن هم حلفاؤها أو محاوروها؟ وهل فعلاً تستطيع أن تتوسّع؟ وغيرها من الأسئلة التي تُطرح حول "المشروع" الذي لا يعني نصّاً يُكتب ويصدر يوماً ما.
ب ـ وإذا كانت "أزمة المشروع" عنواناً بارزاً لـ"أزمة بنيوية"، فإن تركيبة "الجبهة" هي الوجه الآخر لهذه الأزمة.
1 ـ يشكو الأركان المسلمون في "الجبهة" من كونهم الأقل تمثيلاً في بيئاتهم، لا بل إن بعضهم بصرف النظر عن قيمته "الفقهية" أو قيمته المعرفية السياسية، يشكو من قلّة التمثيل فعلاً، ولا يستطيعون تالياً النطق باسم بيئاتهم، الأمر الذي لا غنى عنه في أي مشروع لا يعلن أصحابه أنهم يريدونه منتدى لكلام سياسي فقط.
حرب ـ معوض ـ منصور
2 ـ أما القطبان المارونيان في "الجبهة"، فإنهما "إشكاليّان" بنفسيهما. فالنائب بطرس حرب وبغض النظر عما إذا كان مرشحاً لرئاسة الجمهورية أو لا، يملك حظوظاً أو لا، باحثاً عن الممرات الى الحظ أو لا، ينتمي في آن الى "الجبهة" والى "لقاء قرنة شهوان". وعلى افتراض أن لا تناقض في عضوية إطارين سياسيين، كما على افتراض أن نصّ "الجبهة" يمثّل "الحد الأدنى" من نصّ "القرنة".. أو العكس، فإن حرب المنتمي الى جبهة لـ"الإصلاح" يبحث عن دوره ومستقبله السياسيين تارة بعدم الاعتراض على الدعوة الى "ثورة جورجية" في لبنان وأخرى بالوسائل نفسها التي أدت الى إنتاج للسلطة في سياق غير طبيعي. هذا في وقت يتداول الوسط السياسي معلومة مفادها أن حرب "وعد" حلفاءه المسلمين في "الجبهة" بالخروج من "القرنة" مما يفترض معه أن النائب حرب يرى تناقضاً ما في ازدواج عضويته في "مكانين". وفي الوقت نفسه، تقول معلومة أخرى تبدو متناقضة في الظاهر مع المعلومة السابقة، إن حرب شديد الاستياء من كلام عن "تيار بطريركي" في "القرنة"، وهو "اصطلاح صحافي"، لأن "القرنة" من وجهة نظره لقاء على مبادئ عامة وتشاور في قضايا محدّدة، مستبعداً بذلك دوراً لـ"القرنة" في عمل سياسي "أكبر".
3 ـ أما النائب نايلة معوض، فعلى الرغم من انطباق بعض ما ذُكر عن حرب عليها لجهة العضوية في إطارين، فإن الوسط السياسي يفهم عضويتها في "الجبهة" على أنها تنطلق من رغبة في تأمين علاقة بقيادات مسلمة تقيها الهجمات الشعواء التي تتعرّض لها بين حين وآخر شمالاً، وعلى أنها تسعى الى الاحتفاظ بتحالفها الانتخابي مع الرئيس عمر كرامي.
4 ـ أما العضو الكاثوليكي في "الجبهة" النائب السابق البير منصور، والذي قيل إنه حلّ عضواً فيها في اللحظة الأخيرة مكان النائب الراحل بيار حلو، فلم تتضح بالنسبة الى الوسط السياسي "الحيثية" التي يمثلها في "الجبهة"، بصرف النظر عمّا يمثله انتخابياً في منطقته، مع أنه يبدو معتدّاً بدوره "الهجائي" لرئيس الحكومة رفيق الحريري، ومع العلم أنه والرئيس الحسيني على الأرجح يأملان بتغيّر "المعادلة الشيعية" في البقاع انطلاقاً.
"جبهة" بلا قانون انتخاب
5 ـ واللافت أخيراً، أن "جبهة" يدعو أركان منها الى "ثورة جورجية"، بعيداً عن مسار التصحيح الديموقراطي، لا تتفق حتى الآن على قانون انتخاب يشكّل اللبنة الأولى لاستعادة العملية السياسية الى سياق طبيعي، بين فكرة انتخابات على ثنائية القضاء ـ المحافظة، وانتخابات على أساس المحافظة والنسبية، وانتخابات على أساس الدائرة الصغرى إلخ..
باختصار، يرى الوسط السياسي أن إعجاب الحسيني وكرامي بما حصل في جورجيا، يطرح على بساط البحث الإطار الذي من ضمنه يحاول ركنا "الجبهة الوطنية" إعادة تأهيل نفسيهما، ويطرح سلسلة الإشكاليات والتناقضات المشار اليها، وذلك في معرض مناقشة "أزمة مشروع" ليست الوحيدة في الحياة السياسية بطبيعة الحال، لكن الإصرار على تناولها ينبع من "الجرأة" التي يحكي فيها الرئيسان السابقان وكأن "القشّة" في عيون غيرهما.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00