أثارت الوثيقة التي أصدرتها "الجماعة الإسلامية" قبل نحو أسبوع الكثير من الاهتمام مسيحياً وإسلامياً من جهة وعلى المستوى الديبلوماسي الغربي من جهة ثانية، لا سيما في عنوانين رئيسيين تضمّنتهما يتعلّقان بـ"العيش المشترك"، وبـ"الجهاد والإرهاب والتطرّف"، إضافة الى كون الوثيقة تعيد تقديم "الجماعة" في الإطارين الإسلامي واللبناني بشكل جديد يعتمد على مصطلحات فكرية ـ فقهية متجددة.
فماذا تقول "الجماعة" في وعيها لذاتها و"نصّها"؟
"العيش المشترك"
في هذا المجال يقول رئيس المكتب السياسي ابراهيم المصري وعضو القيادة النائب السابق أسعد هرموش، ان موضوع "العيش المشترك" كان مطروحاً منذ زمن على الساحة الإسلامية. غير أنهما يعترفان بأن التداول فيه علناً كان يأخذ طابع "اللياقة" ولم يتحوّل الى مفهوم ثقافي "أصيل" إلاّ في "ميثاق العمل الإسلامي" الأخير حيث تمّ التشديد عليه "بما لا يتصادم مع قناعاتنا الإسلامية لا بل بالتأسيس على قواعد شرعية ودينية"، طالما أن "التعاون في ما يخدم المصلحة الوطنية ينطلق من فهم شرعيّ وطالما أن هذا التعاون يحقّق مصلحة إنسانية ووطنية". ويضيفان الى ذلك أن "الاعتراف بالآخر" مفهوم ينهض على فهم شرعي أيضاً.
ويتسلسل القياديّان في طرحهما منطقياً، فيؤكدان أن "الجماعة" ليست في وارد تطبيق الشريعة الإسلامية أو السعي الى قيام دولة إسلامية في لبنان، لكنّها في الوقت نفسه مع "تطبيق ما يمكن مما تفرضه الشريعة على المسلمين"، ويسوقان على ذلك مثالاً في صيغة سؤال "لماذا لا يكون ثمّة مصرف لا ربويّ مثلاً؟"، ويشدّدان على أن ما يطرحان وما يمكن أن يطرح في مجال الحديث عما يمكن تطبيقه مما تفرضه الشريعة على المسلمين "لا يؤذي اخواننا في الوطن ولا يخدش المصلحة الوطنية".
على أن أهم ما يلفتان إليه في هذا الصدد هو أن "الساحة الإسلامية عانت خلال فترة طويلة من عدم قدرتها على تقديم نفسها بوصفها شريكاً معتدلاً، ما أدى الى ظهور هذه الساحة في معظم الأحيان بمثابة بعبع أمام المسيحيين ما حدا هؤلاء الى حصر تعاملهم إسلامياً بالإسلام التقليدي المعتدل". وبهذا المعنى يشير القياديان المصري وهرموش الى أن الوثيقة الأخيرة لـ"الجماعة" هي في واقع الأمر "رسالة واضحة الى الشارع المسيحي تفيد أن الإسلام الملتزم هو الأقرب الى الشراكة وأن المسلم الملتزم بالفكر المتنوّر هو الأقدر على محاورة المسيحيّ الملتزم وعلى حفظ الشريك الآخر الوطن". ويسجّلان أن "المشكلة تكمن في تجارة الطائفية من هنا وهناك".
ويركزان على أن الفترة الطويلة السابقة "شهدت عملية خلط منظّم للمفاهيم من قبل قوى خارجية لإلحاق التطرّف والعنف بالعمل الإسلامي". ولذلك "كان لا بد من تحديد المفاهيم"، فأتى الميثاق الأخير ليشكل "فرصة يقول المسلمون عبرها في العلن ما كانوا يتهامسون به في السرّ حيث كان ثمة خطاب مزدوج، وكان تكاذب وطني في العلن". ولذلك فإن وظيفة النص والالتزام به "حمل الساحة الإسلامية نحو الطرح الوسطي والاعتدال".
"الجهاد والإرهاب والمقاومة"
ومن ذلك، ينتقل القياديان الى "المسألة الأصعب" التي كان على "الجماعة" التصدّي لها في معرض انتاج الميثاق الجديد وهي "موضوع الجهاد". وهنا يشدّدان وبقوة على أن "الجهاد ليس القتال بل هو باب للجهد في ما يرضي الله، والدعوة بالكلمة في مواجهة سلطان جائر هي جهاد". وإذ يوضحان أن "الجهاد لا يعني أن نترك بلدنا لنقاتل ضدّ الآخرين، ولا يجوز أن نمارس القتال داخل الوطن مهما اشتدّت الأزمات"، يحصران "الجهاد" بمقاتلة "عدوّ خارجي في إطار حق الدفاع عن الأرض ضد عدوان خارجي"، ويضيفان أن "الباقي هو الصراع السياسي وهو جهاد". ويعلنان أن "الإرهاب يرفضه الإسلام لأنه يرفض الاعتداء على الأبرياء والترويع لتحقيق أهداف سياسية، أما مقاتلة عدوّ خارجي فمقاومة واجبة".
ويعرب القياديّان البارزان عن اعتقادهما أن "لا تكفيريين في لبنان بل مجموعات تحمل فكراً مستورداً من الخارج"، لكنهما إذ يعلنان أن "الهدف هو حمل الساحة الإسلامية بمجملها على ممارسة حضور ونضال سياسيين في سبيل المساهمة في تقرير مصير البلد وتسديد المسارات السياسية بعيداً عن التشنّجات الطائفية والمذهبية"، وفي وقت يؤكدان أن "الديموقراطية لا تتناقض مع الشورى"، يشيران الى أن "ليس على الجماعة أن تكافح الظواهر المستوردة مباشرة"، ويعتبران أن ما يجب التطلّع إليه هو "أن تحُدث الوثيقة حركة عصف فكري ـ سياسي تترك تأثيراً"، وان "الوسيلة هي عمل ترشيدي ـ توعوي استباقي لهزّ أفكار الملتحقين بهذه الظواهر"، مع الحرص على القول أن "الجماعة ليست في وارد عملية استغلال سياسي"، ويلفتان الى "ان ثمة مجموعات تجري تعبئتها بشكل خاطئ ومهمّتنا هي إيصال المفاهيم الصافية إليهم حول نظرتنا الى المسائل كافة".
"حاجة داخلية" لا "ضغوط خارجية"
وينفي المصري وهرموش أن يكون إنتاج الميثاق الجديد استجابة الى ضغوط خارجية، أميركية بشكل خاص، ويصرّان على أن الميثاق "تلبية لحاجة داخلية وليس لظرف خارجي ضاغط"، مع توضيح أن "المسألة تتعلّق بالحرص على ألاّ تعطي الساحة الإسلامية ذريعة للخارج وتتعلّق بتحصين الساحة الإسلامية".
الحريري
ويوضحان أن "الجماعة" لا تهدف البتة الى تشكيل "تكتّل سنّي جديد"، ولا ترغب في "حصول مشكلة مع الموقع الذي تمثّله رئاسة الحكومة"، ويشيران الى أن "الرئيس رفيق الحريري يسعى الى عقلنة الوضع الإسلامي وله أسلوبه في هذا المجال ولنا أسلوبنا"، ويشددان على أن "الجماعة تمثّل حزباً سنيّاً شعبياً ولا تطرح نفسها بديلاً من المواقع الأخرى سواء تعلّق الأمر بالرئيس الحريري أو بدار الفتوى"، ولا يريان ضيراً من "التكامل بين الإسلام الرسمّي والإسلامي الشعبي".
دمشق وواشنطن
ويؤكد القياديان على أن "العلاقة بسوريا مستمرة منذ السبعينات من القرن الماضي"، وذلك "في نفس الوقت الذي تستمر العلاقة مع الاخوان المسلمين في العالم الغربي والإسلامي، في الأردن والعراق وفلسطين (حماس والجهاد) والجزائر". ويشددان على أن "الجماعة قبل اتفاقية الاخوة والتعاون بين سوريا ولبنان وبعدها، تعتبر أن سوريا عمق استراتيجي وثقافي وسياسي"، وعلى أن "سوريا على معرفة بالجماعة ومناهجها وممارستها ومطّلعة على التطوّر الذي يمثّله الميثاق الإسلامي الأخير".
ويختم المصري وهرموش بالدعوة الى ملاحظة أن "لا عداء للشعب الأميركي وهذا واضح في الميثاق لجهة التمييز بين الشعوب والإدارات ومواقفها الرسمية"، ويلفتان الى أن "شعور الإدارة الأميركية بأن العداء لأميركا يتعاظم قد يدفعها الى المحاورة"، ويذكّران بحوار سابق على مستوى مسؤول في السفارة في بيروت "وجّه السؤال لماذا تكرهون أميركا؟"، فكان الجواب "ان الشعب الأميركي صديق لكن موقفنا ضد الإدارة التي تدعم النظم الاستبدادية وتقف في وجه التطلّع الى الديموقراطية، وترى حقوق الإنسان بصيغة معيّنة في الغرب وأخرى في المنطقة، فضلاً عن انحياز الإدارة الى الصهيونية".
قد لا يدرك الجميع أن الوثيقة وما شرحه القياديان في "الجماعة الإسلامية" يمثلان مفصلاً بالغ الأهمية، لكنهما (الوثيقة والشرح) مقروءين من زاوية "الثورة المفاهيميّة" في الوضع الإسلامي والانعطافة السياسيّة التي يمثلان من ناحية ومن زاوية التحدّي الذي سيكون مطروحاً على "الجماعة" لإثبات إمكان السير بمعادلة الاعتدال والاحتفاظ بمرجعية النصّ الشرعي، بمعادلة "التحديث" و"الأصالة".. من ناحية أخرى، إنما يعنيان أن "الجماعة" العائدة الى دائرة "الضوء".. هي تحت "المجهر" في الوقت نفسه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.