8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الطائف" يفرض تحوّل "حزب الله" حزباً سياسياً لا سلاح معه

في لقاء مع مصدر ديبلوماسي أميركي بعد توقيع الرئيس جورج بوش على "قانون محاسبة سوريا"، بدت كلمة "بعد 11 أيلول" محطّة بارزة في حديثه، إذ أراد التشديد على انّ ثمّة قصوراً في الفهم العربي لطبيعة هذا المفصل الاستراتيجي في حياة الولايات المتحدة وفي سياستها الدولية، وانّ ثمة ميْلاً عربياً الى عدم التعاطي مع ما تطرحه واشنطن بوصفه غير قابل لـ"المساومة" أو لنوع من "الصفقات التبادليّة".
ولدى إنطلاق المصدر الديبلوماسي في الحديث، يتّضح أن "ما بعد 11 أيلول" بالنسبة الى أميركا، يعني أن الإدارة الأميركية في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، ترفض أن يحتفظ أي فريق معني بأزمة المنطقة بالقدرة على ممارسة "الفيتو" على السياسة الأميركية، أي أن يمتلك "أوراقاً" تمنحه القدرة على "الفيتو". وفي هذا السياق يسجّل الديبلوماسي نفسه انّ العملية السلمية التي بدأت في مدريد العام 1991 تعطّلت بعد سنوات، لأنه كان في وسع منظمات رفضية راديكالية تصفها واشنطن بـ"الإرهابية" أن تفجّر أي تقدّم سلمي أو أن تجرّ آخرين الى هدفها هذا. ويضيف انّ هذه المنظمات تحظى برعاية إقليمية لاعتبارات شتّى من بينها تقاطع معيّن في المصالح، وانّ الرعايات الإقليمية تمسك بـ"ورقة" المنظمات وتستخدمها. ويقول أن هذه "الأوراق" وغيرها تحوّلت الى أوراق "مساومة" أو "مقايضة" مع الولايات المتحدة بما في ذلك على أمنها وأمن وجودها ومصالحها في المنطقة.
ومن ذلك، أي مما يعتبره المصدر "تجربة" السنوات الماضية، يستنتج أن لا عمليّة سلمية في المنطقة مع احتفاظ أحد، نظاماً أو تنظيماً بحق "الفيتو" عملياً، وان استئناف العملية السلمية مرهون بـ"تفكيك" ما يسميه "الإرهاب" ويليه، وان تقديم هذه "الأوراق" على "مذبح" الحرب الأميركية على "الإرهاب" بمثابة "واجب" لا يخضع للمساومة أو المقايضة. أما البديل فهو أن تضمن الولايات المتحدة بنفسها ما للعرب من حقوق طالما أن لا أفق أمامهم لبلوغها بوسائل أخرى، ذلك أن منطق "التوازن" و"أوراق القوة" وما الى ذلك، ينتمي الى مرحلة ما قبل 11 أيلول، فكيف إذا كانت أميركا تعلن أن العنوان الرئيسي لـ"حملتها" في المنطقة هو فرض "الديموقراطية"؟
"حزب الله"
ومع انّ الديبلوماسي "يعترف" بأن الخطر الرئيسي الذي تواجهه أميركا في المنطقة متأت من مجموعات أصولية سنية المذهب، فإنه يتوقف عند "حزب الله" الشيعيّ لما لايزال يمثله من خطر سياسيّ من وجهة نظره، وكأنه يميّز هنا بين خطر "فكري ـ ثقافي ـ حضاري" لبعض المجموعات وآخر "سياسي" لمجموعات أخرى.
وفي هذا المجال، يشدّد على أن لا مبرّر لاحتفاظ "حزب الله" بسلاحه (ومقاومته)، وأنّ المطلوب أميركياً هو تجريده من هذا السلاح. وإذ لا يخفى ان هذا "المطلب الأميركي" ينسجم مع المقدمات الآنفة، قطعاً للعلاقة المحتملة بين "حزب الله" والمسألتين الفلسطينية والعراقية، فإن الديبلوماسي الأميركي يبادرك بأن مرجع هذا المطلب هو اتفاق الطائف نفسه الذي يفرض ألا يكون لأحد "ميليشياه" في لبنان. وفي موازاة ذلك، يرى المصدر نفسه ان على "حزب الله" أن يتحوّل الى "حزب سياسي"، لا أذرعة عسكرية أو أمنية له.
يُسأل الديبلوماسيّ: لكن التجربة مع الولايات المتحدة تدل على أن لا نهاية لمطالبها وأن لا قعر مرئياً لما يمكن أن تصل اليه في ضغوطها، فهل انّ تحوّل "حزب الله" الى "حزب سياسي" بصرف النظر عن الرأي في المصطلح المستخدم، هو نهاية المطاف حيال الحزب أم ان مطالب أخرى ستبرز؟
يجيب بالقول ان ما له علاقة بالفترة الماضية خصوصاً بين عامي 1983 و1984 (في إشارة الى تفجير مقرّ المارينز)، سيبقى قائماً والواردة اسماؤهم على لوائح المطلوبين سيبقون مطلوبين، لكن تحوّل "حزب الله" الى حزب سياسي "سيكون خطوة كبيرة الى الأمام".
الأصولية السنيّة
وينتقل الديبلوماسي، خاصة على خلفية "الهدية" التي تحوي متفجرات وتلقتها السفارة الأميركية في بيروت الأسبوع الماضي، وفي ضوء الرسائل البريدية المتفجرة من لبنان الى الكويت خلال الأيام الماضية، ينتقل الى تسجيل انّ ثمة خطراً أصولياً في لبنان، لا يدعو الى المبالغة فيه لكن يجب عدم التقليل منه ايضاً كما يقول. ويشير الى انه حتى لو كانت المجموعات الأصولية (مثل شبكة تفجيرات مطاعم "ماكدونالدز") صغيرة أو معزولة، فإن لها علاقات وهي منظمة. وينوّه بالتعاون الأمني اللبناني ـ الأميركي في هذا المجال.
وإذ يلفت الى انّ الولايات المتحدة غير معنية بالتوظيف السياسي الداخلي إذا كان حاصلاً أو حصل لاحقاً، لمسألة مكافحة "الإرهاب الأصولي"، يطلق المصدر موقفاً لافتاً يقول ان مرجعيته هي الطائف ايضاً: هدفنا أن يسيطر لبنان بنفسه على "التطرف والإرهاب" بما هو مصلحة مشتركة بينه وبين سوريا ودول عدة في المنطقة والعالم، لأن الأمر يجب أن يكون في يده تحديداً.
وبين الكلام عن تحوّل "حزب الله" حزباً سياسياً بما يقطع علاقاته بالمسائل الإقليمية وقدرته على اعتراض "التسوية" الإقليمية، والكلام عن "الإرهاب الأصولي" الذي لا بدّ من محاربته، يحدّد الديبلوماسي الأميركي العنوانين الرئيسيين اللذين يرى ان "لبنان ما بعد 11 أيلول" معني بهما مباشرة... وصولاً الى إنفاذ الطائف بمضامينه كافة، ليشدد على ان واشنطن حتى بعد إقرار "قانون المحاسبة" ستبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع دمشق، من أجل أن تساعد في الاقتراب أكثر الى "معنى" ما ترمي اليه أميركا من تأكيدها على "ما بعد 11 أيلول".
قاسم
وفي لقاء مع نائب الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم غداة توقيع بوش على "قانون المحاسبة" أيضاً، كان واضحاً أن ما يقوله الديبلوماسي الأميركي ولو انّ قاسم لم يكن يردّ عليه، غير مقبول بالنسبة الى الحزب، في إطار معادلاته الفكرية والسياسية. فلم يتردد الشيخ قاسم وعلى خلفية ان "نظرية 11 أيلول" الأميركية، هي نظرية إسرائيلية بامتياز طالما انّ إسرائيل هي المستفيد الأول من نزع "مقومات القوة" عربياً وإسلامياً، في تأكيد انّ "المقاومة ليست حالة مؤقتة مرتبطة بأحداث جارية"، مضيفاً انّ المسألة تتعلق بـ "خطر إسرائيلي" دائم، لافتاً الى تحول المقاومة "من عمل عسكري لطرد المحتل الى ضرورة رادعة للوقاية من أخطار التوجهات العدوانية الإسرائيلية".
ثمّة نقيضان اذاً كما يقول مراقبون سياسيوّن بين النظرة الأميركية من جهة ووعي "حزب الله" لنفسه مشروعاً مقاوماً أساساً، ويضيفون أن السياسة الأميركية التي تبدو شبيهة بأحجية "من يسبق من البيضة أو الدجاجة؟"، لن تحقق تقدماً حقيقياً في المنطقة إلاّ على قاعدة التقدم في حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي على نحو عادل.. والاّ ستبقى واشنطن معتمدة على "جرعات" مثل أسرها للرئيس العراقي السابق صدام حسين، وهي "جرعات" بمفعول قصير الأجل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00