8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تركيز على قيام "تيار إسلاميّ إصلاحيّ".. أمّا في لبنان فـ"مجموعات تكفيريّة صغيرة بفكر مستورد"

كثرت في الفترة السابقة المؤتمرات التي تدعو اليها الولايات المتحدة أو التي تشارك فيها، والتي تركز بصورة رئيسيّة على الإسلام، السياسيّ منه بشكل خاصّ. وقد انعقدت مؤتمرات وندوات متعددة فكريّة وتربويّة وسياسيّة في هذا السياق. ويثير هذا الاهتمام الأميركيّ بذلك كله فضولاً لمعرفة ما تطرحه أميركا بشكل محدّد في هذه المناسبات وما تتوخاه فعلاً.
في هذا الإطار، يلفتُ أكاديميون وباحثون ومتخصّصون لبنانيّون شاركوا في العديد من هذه الندوات والمؤتمرات، الى أنّ ثمة عوامل واعتبارات عدّة تقف وراء الاهتمام الأميركيّ بـ"المسألة الإسلامية" وإلى أنّ في المقابل ثمة استهدافات سياسيّة بالتأكيد أيضاً، وذلك على النحو الآتي:
أولاً ـ يركزّ الأميركيّون، باحثين وسياسيين، على الوضع الإسلاميّ السني أكثر من تركيزهم على الوضع الإسلاميّ الشيعيّ، انطلاقاً من قناعة بأنّ "الخطر السني الأصولي" زاد بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 ثم بعد الحرب على العراق، وأنّ هذا "الخطر" أخذ مكان "الخطر الشيعي" المتمثّل بايران و"حزب الله" قبل هذين الحدثين.
"الإسلام الشيعيّ" أقلّ خطراً الآن
ثانياً ـ ويعزّز الأميركيّون تقديرهم لأولوية ما يعتبرونه "الخطر السنّي" الأصوليّ، انطلاقاً من تسجيل عدم مقاومة الشيعة في العراق للأميركان، وأنّهم لا يشكلون "محور الصراع" في هذه المرحلة، وإن كانوا لا يسقطون من الحساب "التحدي السياسيّ" الشيعي بطبيعة الحال. ويوضح المشاركون اللبنانيّون في هذه المنتديات أنّه كان ثمّة خوف أميركيّ من دخول "حزب الله" اللبنانيّ على خطّ الشيعة العراقيين، ومن أن يحصل نوع من الانخراط الشيعي في المقاومة، بما يؤدي الى محاربة شيعيّة ـ سنيّة ـ لأميركا في العراق، بيد أنّ الوقائع العراقيّة لم تظهر حتّى الآن على الأقل أنّ مثل هذا الاحتمال قائم من وجهة نظر الأميركيين، خصوصاً في ظل مرونة إيرانيّة في العراق كما يقولون.
ثالثاً ـ وفي السياق نفسه، يعرب الأميركيّون عن اعتقادهم أنّ ثمّة "مرونة اجتهادية" لدى العديد من المرجعيات الشيعيّة في العراق وخارجه، لكن في العراق بشكل خاصّ. فالمرجع الشيعي السيّد علي السيستاني الذي لا يطرح قيام دولة إسلاميّة شيعيّة، يتقبل فصل الدين عن الدولة عمليّاً ولو مع إبقاء الإسلام مرجعاً أخلاقياً وقانونياً، كما يقولون ويشاطرهم في ذلك متخصصون إسلاميّون. ويضيفون أنّ "حزب الدعوة" الذي يشكّل إلى حدّ كبير الحركة السياسيّة الشيعيّة "الأم"، ليس مع دولة إسلاميّة يحكمها رجال الدين أيضاً.. وذلك في اختلاف واضح مع النموذج الايراني، على الرغم من قابلية هذا النموذج للتطور في ظل ما يتمتع به من حيويات ديموقراطية، كما يذكرون.
بوش ـ باول والمحكّ العراقي
رابعاً ـ غير أنّ ما يطرحه الأميركيون بالتزامن مع هذا "التمييز"، إنما يأتي في امتداد "المشروع" الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن ما سمي "الديموقراطية في المنطقة". وفي هذا المجال، يشير المشاركون في المنتديات المنعقدة أخيراً إلى أنّ ثمة "رأيين" في أميركا، الأوّل يتبناه الباحثون والمنتشرون في مراكز القرار والذين يعدون للقرار، ويعتبر (الرأي) أنّ "الإسلام غير ديموقراطي"، بينما الثاني الذي أخذ به بوش ووزير خارجيّته كولن باول فيعتبر أنّ "تفسيرات الإسلام يمكن أن تكون ديموقراطية"، ويوجّه رأي بوش وباول رسالة الى الأنظمة في المنطقة والتي يحمّلها مسؤوليّة أساسيّة في بروز التطرف، لأنّه يرى أنّ علاقة السلطات العربيّة بالحركات الإسلاميّة هي التي أدت إلى ظواهر العنف والتطرف و"الإرهاب".
غير أن المشاركين في المنتديات على اختلافها، يسارعون الى القول إنّ المحكّ الفعليّ لـ"نظرية" بوش ـ باول سيكون في العراق، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستنجح بالفعل في تمكين العراقيين من إقامة نظام ديموقراطي يراعي الخصوصيّات العراقيّة من جهة ولا يعادي المسلمين من جهة ثانية، وهذا ما يستدعي من وجهة نظرهم تأكيد دور المجموعات الإسلاميّة في كافة مراحل تأسيس النظام الجديد، لا سيّما "الدعوة" و"المجلس الأعلى".
"إسلام القرن 21" و"الاصوليّة السنيّة"
خامساً ـ ويشير المشاركون الى أنّ ما يطرحه الأميركيّون في المؤتمرات والندوات هو أنّ المطلوب من العالم العربيّ ـ الإسلامي، إعادة تأسيس منظومة فكريّة وتعليميّة وعلميّة لـ"إسلام القرن الواحد والعشرين"، قائم على فصل الدولة عن الدين "قدر الإمكان"، وإلغاء التحديّ مع الغرب، وفي امتداد ذلك إنهاء حال العداء مع إسرائيل. ولا يتردد الأميركيون في إعلان أنّ المطلوب نشوء تيار إسلاميّ يواجه التيارات الأصوليّة، ويربطون مباشرة بين "الفكر الإسلاميّ المحافظ" وبين "الفكر التكفيري"، ويعتبرون أنّ "تزاوجهما" ولّد تنظيم "القاعدة" على سبيل المثال، الذي هو نتاج اتحاد "التفكير المحافظ والتفكير التكفيري المصريّ المنشأ"، كما ولّد "الإسلام السياسيّ" الأصوليّ المتشدد، ويدرجون في "ظواهر" هذا "الإسلام السياسيّ" مجموعات مثل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"الجماعة الإسلاميّة المسلّحة" و"الأفغان العرب".
سادساً ـ وفي وقت يلّح الأميركيّون على ما يسمّونه "تفكيك بنى هذه المنظمات"، وعلى قيام "منظومات جديدة من التفكير الإسلامي"، وفيما لا يخفي الأميركيّون تقديرهم لـ"النموذج التركي" على قاعدة أنّ تركيّا التي كانت نموذجاً في "العلمنة" يمكن أن تكون نموذجاً في "الأسلمة"، يتشاطرون مع
متخصّصين إسلاميين في القناعة بأنّ الحقبة التاريخيّة السابقة إلى ما قبل نشوء "الإسلام السياسي" معرّفاً بـ"حركيتّه" العنفيّة من وجهة نظرهم، شهدت ما يمكن تسميته "ثلاثة إسلامات"، "الإسلام العلماني" الذي جسّدته الى حدّ معين أنظمة بعضها قومي و"الإسلام الاصولي"، و"الإسلام الاصلاحي" الذي لا يعادي الغرب ويصوغ العلاقة بالغرب بصيغة إسلاميّة ويتبنى الديموقراطيّة والتعدديّة وحقوق الإنسان. ويتشاطرون في القناعة بأنّ المطلوب إحياء هذا "التيار الإصلاحيّ" الذي يلاحظون أنّه "مشرقي المنشأ". ويسجلون أنّه لذلك، لا بدّ من "انتاج فكر إسلاميّ اصلاحيّ جديد لمحاربة الفكر الإسلامي المتقوقع والأصوليّ"، ولا بدّ على المستوى السياسي من "فتح المجال أمام الإسلاميين الاصلاحيين لدخول العمليّة السياسيّة"، بحيث يؤدّي التراكم في الموضوعين إلى إضعاف الأصوليّة ونشوء حركات غير معادية للغرب.
لبنان
سابعاً ـ وعند التوقف أمام الوضع في لبنان، يلاحظ الأميركيون ومعهم المتخصصون الإسلاميّون أنّ لبنان لم ينتج في تاريخه ظواهر متقوقعة أو تكفيريّة، وليس بين مفكّريه (أو منظّريه) الإسلاميين من ضخّ فكراً لهذا الأمر، وأنّ ما يبرز من حين الى آخر يمكن القول إنّه "مستورد". ويشرحون أنّ "المجموعات الصغيرة التكفيريّة الجهاديّة" التي تظهر، يرتبط حضورها بـ"مناخ" عام من الشعور بأنّ الإسلام محاصر، وكلّما ضغط الأميركان أكثر أعطى ذلك ردّ فعل عكسياً. ويفصلون بين "التدين" وبين "الأصولية"، على الرغم من أنّ تجمعات أصوليّة تنشأ من التديّن الذي يتزايد في ظلّ الأزمات العامة. لكن المتخصصين الإسلاميين أميركيين وغير أميركيين يسجلون أن "الجماعة الإسلامية" في لبنان تحولت منذ فترة بعيدة الى التعاطي مع العمليّة السياسيّة الديموقراطية في لبنان، وإلى اعتبار أنّ الصراع مع الولايات المتحدة سياسيّ وليس دينياً، الأمر الذي يتقاطع المتخصصون على اعتباره لا يمثّل مشكلة، ذلك أنّ أميركا لا تتطلّع بحسب ما يقولون إلى إلغاء الصراع السياسيّ، لكن إلى الغاء التطرفّ والعنف و"الإرهاب".
إشكالات ومعوّقات
ثامناً ـ وإذا كان كلّ ما تقدّم يعطي فكرة أكثر وضوحاً عن دلالات الاهتمام الأميركي بـ"المسألة الإسلاميّة"، وعما يطرحه الأميركيّون في المؤتمرات المتخصصة، فإنّ المشاركين من لبنان فيها يعتبرون أنّه على الرغم من الحاجة الى استعادة حضور "التيار الإسلاميّ الاصلاحيّ المعتدل" وإلى إمساكه بزمام المبادرة، فإنّ دون ذلك معوقات وإشكاليّات كثيرة، منها أنّ تحقيق هذا الهدف بمثابة "عملية تاريخيّة" اي طويلة المدى، وأنّ تقاطع هذا الهدف الذي يمثّل حاجة إسلامية وديموقراطية مع ما تتطلع اليه أميركا يجعله معرضاً لـ"هجمات" شتى، ومن الإشكاليات أيضاً أنّ ما هو مطروح لا ينفصل عن عمليّة اصلاحيّة وتغييريّة متكاملة في الأنظمة القائمة، الأمر الذي يجعل من "الدول" العائق الأبرز أمام تحول من هذا النوع، ولذلك يختمون بالتشديد على أنّ المسألة تعني مساراً طويلاً جداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00