يؤكد أركان "التيّار البطريركي" في "لقاء قرنة شهوان" الذي يضم الشخصيات الأكثر قرباً من البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، أن لا مشكلة في "القرنة" بالمعنى السياسي والتنظيمي العميق للكلمة وأن ما نشر حول إشكالات في هذا الإطار ليس دقيقاً.
فعلى الصعيد السياسي المباشر لجهة المواقف العامة، ليس ثمة خلافات بدليل البيان الأخير الشهر الماضي والذي أُقرّ بالإجماع متضمّناً جردة حساب شاملة مع السلطة وفريقها الأساسي، وتشديداً على ما أعلنه البطريرك من مواقف لاسيما خلال جولته الأوروبية. اما التأشير الى خلافات داخل "القرنة" من مدخل التباينات التي حصلت بين مكوّناتها سواء في الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه أو في انتخابات نقابة المحامين على سبيل المثال، ففيه مبالغة في التعامل مع "القرنة" بوصفها إطاراً تنظيمياً جبهوياً لم تدعّ لنفسها الارتقاء اليه في يوم من الأيام منذ تشكيلها، كما يقول الأركان.
وفي تقديرهم انه إذا كان لا بدّ فعلاً من الحرص على ألا تبرز تباينات حادة في اختبارات واستحقاقات مهمة، كي لا تستفيد السلطة وفريقها الأساسي منها، فإنه من الصعوبة بمكان الوصول الى تماثل بين الأطراف كافة، لاعتبارات تتعلّق بالمصالح تارة وبالحسابات تارة اخرى. ويلفتون الى ان المواقف العامة أو الثوابت ـ المنطلقات أو التوجهات العامة، هي ما يصنع سقف "القرنة" ولحمتها، إضافة بطبيعة الحال الى "مظلة بكركي"، ويشيرون الى ان الاختبارات التي أظهرت تبايناً، على الرغم من الازعاجات التي أدت اليها، فهي ما دون المسّ بمقومات وجود "لقاء القرنة" وبقائه حتى إشعار آخر.
يقول أركان "التيّار البطريركي" ذلك، لنفي أية توقعات أو تكهنّات بشأن مستقبل "القرنة" في المدى المنظور، لاسيما ان ثمة عاملاً مهماً يدعون الى ملاحظته، وهو ان أحداً في "القرنة" غير مستعد لمغادرتها الى "اللامكان" حيث بات الوجود فيها معنوياً بالإضافة الى الاعتبارات السياسية. لكن ذلك لا يمنع الأركان الآنفين من الاعتراف بانّ ثمة مشاكل في "القرنة" على صعد اخرى، يحددونها من الأقل أهمية الى الأكثر أهمية على النحو الآتي:
التيارات الحزبية في "اللقاء"
أولاً ـ تعيش التيّارات الحزبية المنضوية في "لقاء القرنة" ومنذ فترة غير قصيرة أزمات تنظيمية خاصة بكل منها، تجعلها أما مستغرقة فيها أو مشلولة أو غارقة في حسابات ذاتية. وهذا الأمر ينطبق في المباشر على كتائب الرئيس أمين الجميل مع كتائب ايلي كرامة، وعلى "القوات اللبنانية". فالعلاقة بين الجميل وكرامة التي بدت متفجرة خلال انتخابات بعبدا ـ عاليه عندما أعلن الأول دعم هنري حلو وأيّد الثاني المرشح العوني، لم تستعد بينهما منذ ذلك الحين، هذا إن لم تكن مجرّحة قبل هذا الاستحقاق، علماً ان الفريقين عضوان في "القرنة". كذلك الأمر بالنسبة الى "القوات"، حيث جاءت الرسالة الأخيرة للسيدة ستريدا جعجع الى "اللقاء" والتي تبلغ اقصاء توفيق الهندي عن التمثيل "القواتي"، لتظهّر الأزمة، مع العلم ان الطرفين يتبادلان التهمة نفسها، فالهندي يتهم جعجع بخفض السقف السياسي في مساومة مع السلطة للافراج عن زوجها قائد "القوات" وهي تنظر اليه بصفته مدّجناً من السلطة بعد الافراج عنه، وذلك بعيداً عن الجانب التنظيمي البحت وطموحات بعضهم الى تشكيل بدائل قيادية. اما الجامع المشترك بين الجميل وجعجع، فهو ان كليهما واجه انشقاقاً سلطوياً معلومة أبعاده.
المرشّحون وتفاوت المقاربات
ثانياً ـ والى أزمة التيّارات الحزبية والتي تترجم نفسها تراجعات "شعبية" معينة، يبرز داخل "القرنة" مرشّحون عدة لرئاسة الجمهورية في العام 2004. وإذ يُسارع أركان "التيار البطريركي" الى تأكيد ان وجود مرشّحين للرئاسة من داخل "القرنة" ليس مشكلة في حدّ ذاته، وإن كان المرشّحون يتميّزون عن بعضهم، فإنهم يلفتون الى ان أولوية التغيير التي يجب أن يؤكدها الاستحقاق المقبل ليست واحدة عند هؤلاء، أي أن لا مقاربة موحّدة لما تعنيه هذه الأولوية، ولا مقاربة واحدة لكيفية الوصول اليها وعبر أي توجهات وتحالفات، علماً ان الجميع موافق على الوجهة العامة التي حملها البيان الأخير لـ"لقاء القرنة".
التواصل مع المسلمين..والأفق المغلق
ثالثاً ـ على ان الأهم من كل ما سبق من وجهة نظر أركان "التيّار البطريركي"، يتمثل في "أزمة التواصل" مع الشركاء المسلمين. وفي هذا السياق، يشيرون الى انه إذا كان صحيحاً ان "أزمة القرنة" منذ أبصرت النور تجسّدت في الانقطاع بينها وبين الشركاء المسلمين، فالأصح ان "القرنة" التي نجحت في تأكيد حضورها كطرف أساسي في التمثيل المسيحي خلال الفترة السابقة، لم يعد يمكنها المراوحة في الدائرة المسيحية، بل بات عليها أكثر من أي وقت مضى السعي نحو الشركاء المسلمين، ليس فقط تأكيداً على ما يدعو اليه البطريرك من "تحالفات وطنية"، بل تحقيقاً لـ"شبكة أمان" وطنية من الطبيعي أن تتشكل من الأكثر تمثيلاً في بيئاتهم. ويقول أحد هؤلاء الأركان تعبيراً عن الفكرة "لم تعد تكفينا قرنة، صار يلزمنا بيت"، ويضيف انه وأقرانه في "التيّار البطريركي" أضحوا "ممثلين لفكرة العلاقة بالمسلمين داخل القرنة الى حدّ الالتباس بانّهم ممثلون للمسلمين عند المسيحيين"، لشدة ما يصرّون على ذلك.
بيد انهم إذ يشخّصون الإشكالية الأساسية لـ"القرنة" بما هي إشكالية عدم انفتاح الأفق مع الشركاء المسلمين بالشكل المطلوب، يعتبر أركان "التيّار البطريركي" ان العنوان الرئيسي لأزمة التواصل هو انه لا يزال ممنوعاً لانه غير مرغوب من السلطة، وهو ان الاكتفاء بجزئيات أو تفاصيل في العلاقة مع هذا الشريك المسلم أو ذاك لا يرقى الى "مستوى المرحلة" ممّا يقتضي تفاهمات معينة. وإذ يؤكدون انهم لا يرون بديلاً من العلاقة بالأكثر تمثيلاً في البيئات الإسلامية المختلفة، الأمر الذي لا تعوّض عنه علاقات بعض أركان "القرنة" بقيادات إسلامية معينة، يلفتون الى ان انقطاع التواصل أو تقطعه يحصلان في موازاة ما أعلنه البطريرك صفير أول من أمس من أن لا حوار في الكواليس بين دمشق وبكركي وان كل ما في الأمر لا يتجاوز حدود رسائل وديّة تنقل من حين الى آخر. ويقولون ان ما أراد البطريرك توضيحه في معرض نفيه وجود حوار سوري ـ مسيحي، ليس رفض حوار من هذا القبيل لو وجد فعلاً، بل تقديره أن لا شيء معروضاً في الوقت الحاضر وفي المدى المنظور، ممّا يمكنه أن يشكّل تحوّلاً معيناً في الوضع اللبناني.
وفي محاولة لـ"الربط" بين عدم انفتاح التواصل مع الشركاء المسلمين من ناحية وعدم بروز ما يتجاوز الودّ العمومي على صعيد العلاقة السورية ـ المسيحية من ناحية ثانية، يختم أركان "التيّار البطريركي" بالتشديد على أن لا بديل من فتح أفق العلاقات الداخلية، وان ذلك لا يعني السعي الى اتفاقات في المباشر، لكنه يمكن الاكتفاء بالاتفاق على أهمية فتح الأفق حتى تنضج ظروف قيام هذه العلاقات. ويسجّلون في هذا الإطار ان تلبيتهم دعوة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الى تشييع الشيخ الراحل أبو حسن عارف حلاوي، تندرج في هذه الخانة بالتحديد، ويمكن الاكتفاء بها إذا كان الذهاب بما حصل في التشييع الى "السياسة" متعذّراً، أو إذا كان يهدّد بانتكاسة لا مبرّر لها.. مشدّدين على ان هذا "الهمّ"، همّ الخروج الى رحاب العلاقة بالمسلمين، هو أكثر ما يشغل تفكير هذا التيّار في "القرنة".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.