وسط الحديث المتكرّر عن "مأزق أميركي" في العراق، تعرب مصادر إسلامية مطلعة عن اعتقادها ان ثمة مبالغة سياسية ـ إعلامية في الكلام عن مأزق "كبير" للولايات المتحدة، وتفضّل القول ان أميركا تواجه في العراق مشكلات قابلة للتحوّل الى ما تسمّيه "كميناً تاريخياً" إن لم تجد واشنطن حلولاً سياسية وعملية فعلية في هذا البلد.
وتشرح المصادر الإسلامية اعتقادها هذا بالقول ان الخارطة الحالية لـ"العنف" محدودة بما يسمّى "المثلث السنيّ"، وبعض مناطقه كبيرة مساحة انما قليلة السكان نسبياً، ما يعني الآن ان ثمة "جبهة طويلة" من أم قصر الى زاخو توازي نسبة الثلثين تقريباً من مساحة العراق، هادئة، ولن يمكن الحديث عن مأزق أميركي كبير إلا في حال انضمّت هذه "الجبهة" الى "العنف".
وإذا كانت المصادر الإسلامية نفسها تسخر من اميركا التي تخيّلت في فترة من الفترات انها إذا شنّت حرباً استعراضية فإنها قد ترعب العراقيين وجيران العراق بما يؤدي الى خضوعهم لها، فإن المصادر تلاحظ ان واشنطن بدأت منذ مدة تدرك تماماً ان ما تخيّلته بعيد عن الواقع، ولذلك فإن الولايات المتحدة إزاء ما تواجهه من "عنف" ولو في مناطق محدودة، شرعت في البحث عن "بدائل" تريد من خلالها أن تكون أكثر أماناً.
"البدائل" الأميركية
وفي هذا السياق، تتحدّث المصادر الإسلامية عن سعي الى تشكيل ما يشبه الأداة الأمنية لمجلس الحكم الانتقالي في بغداد، هي عبارة عن نوع من الميليشيا تشارك فيها الأحزاب المنضوية في مجلس الحكم. كذلك، أخذت "قوات التحالف" في العراق تستعين مؤخراً بـ"فوج" عراقي بملابس عسكرية أميركية من العراقيين الذين جرى تدريبهم قبل سقوط نظام صدام حسين وبعده في دول أوروبا الشرقية، يتولى مهمّات في إطار المداهمات لمدن وقرى كما جرى مؤخراً في كركوك والحويجة بحسب معلومات المصادر. كما تضيف ان نسبة كبيرة من الآسيويين الموجودين ضمن الجيش الأميركي في العراق والموعودين بالجنسية الأميركية يجري "تقديمهم" في المواجهات بحيث إذا حصلت خسائر لا تكون إنعكاساتها مباشرة في أميركا لان من يقع من هؤلاء في أرض المعركة يُعاد الى موطنه الأصلي.
وتلفت الى ان مسؤولي "التحالف" يلجأون الى مبادرات سياسية جنباً الى جنب مع "البدائل" الأمنية. وتتحدّث في هذا الإطار عن لقاءات يعقدها الحاكم الأميركي بول بريمر مع فاعليات سنية يبحث خلالها مع محدّثيه في "المكاسب" التي يمكن إعطاؤها للسنّة العرب، وهو مشجّع في ذلك من تيار رئيسي في الإدارة الأميركية من ناحية ومن دول عربية من ناحية ثانية، تحت عنوان ان من شأن ذلك أن يُبقي العراق ضمن النسيج العام للمنطقة. بيد ان مقاربة بريمر هذه، أدّت حتى الآن الى مفعول عكسي في البيئة الشيعية العراقية، ذلك ان ثمة نقاشاً راهناً في الأروقة الشيعية قوىً سياسية ومرجعياتٍ، عنوانه انه إذا كانت أميركا تتجه الى "شرعنة" العنف عبر إعطاء مكاسب للقائمين به بهدف استمالتهم، فهل يكون العنف وسيلة لنيل المكاسب؟
على أي حال، وفي وقت تؤكد المصادر ان شيعة العراق قوى ومرجعيات ليسوا الآن في وارد اللجوء الى العنف، مع إصرارهم على عدم تكرار ما يعتبرونه "خطأ العام 1920" الذي أدّى الى تحجيم دورهم وتهميشه في حكم العراق.
"خارطة "العنف"
وفي الانتقال الى قراءة "خارطة العنف" وتحديد قواها، دائماً في سياق اعتبار ان العمليات التي تواجه أميركا لا تضعها في "مأزق كبير" حتى الآن، تتردّد المصادر الإسلامية الآنفة في وصف العمليات بـ"المقاومة" من منطلق التريّث في حسم هوية هذه "المقاومة" ومراقبة هدفها السياسي، ذلك ان لا مقاومة من دون مشروع سياسي كما تقول. وفي هذا المجال تقول ان ثمة نوعاً من العمليات يستهدف بنى تحتية ومرافق حيوية مثل قساطل المياه والتمديدات الكهربائية ومواقع نفطية، وهذه العمليات التي يرجّح ان وراءها بقايا النظام السابق، تعتبر "تخريبية" كي يقال مثلاً ان الوضع في ظل النظام السابق كان أفضل ممّا هو الآن. وهناك عمليات ضد السفارات والبعثات الانسانية ومراكز الشرطة العراقية والمدنيين، وهي ايضاً من النوع التخريبي، لكن ثمة عمليات قوية ضد القوات الأميركية، وفي الحالة الأخيرة هذه فإن من يقوم بها إسلاميون عراقيون أو عرب، غير ان هذه العمليات الأقرب الى "المقاومة"،عراقية الصنع في الغالب. وفي تقدير المصادر الآنفة ان تعاطي أميركا مع هذه العمليات الأخيرة على انها من صنع صدام حسين لا يشكل فهماً دقيقاً للحالة في العراق وهو من مظاهر الارتباك باستسهال التصويب على جهة معينة.
وتنفي مقولة ان "حزب الله" اللبناني موجود داخل "خارطة العنف" في العراق، وترجّح ان أميركا عندما تواجه عملية موجعة، تحاول تنسيبها الى "حزب الله"، أو انها تفترض ان الحزب يخطط لدور في العراق فتحاول استباق ذلك بمحاصرته بالاتهامات، علماً ان "حزب الله" لا يعتبر نفسه بديلاً من العراقيين أنفسهم.
وتضع المصادر الإسلامية المطلّعة استبعادها لحضور "حزب الله" في إطار "خارطة العنف" الحالية في العراق، في سياق الموقف الشيعي العام الذي يضع العنف جانباً في الوقت الحاضر، ويتعاطى مع مجلس الحكم بشكل عام لأن لا بديل منه راهناً.
القوى الشيعية الثلاث الرئيسية
وتلفت الى ان ثمة ثلاث قوى شيعية رئيسية تستعرضها من دون ترتيب معين. الأولى تتمثل بحزب "الدعوة" الذي يمتلك تاريخاً عريقاً ذلك انه كان أول وأقوى حزب معارض، حيث له في كل بيت عراقي شهيد على الأقل. و"حزب الدعوة" عانى من إشكاليتين في السنوات الماضية، واحدة تتصل بكونه حزباً نخبوياً وثانية تتعلق بنتائج مرحلة النفي القسري لقياداته وكوادره مما خلق مشكلة علاقة بين الداخل والخارج، ونجم عن ذلك كلّه تكوّن أجنحة. غير ان ذلك في ظل شخصية ممثل "الدعوة" في مجلس الحكم ابراهيم الجعفري، يتجه نحو الحل في ظل الحوارات الجارية بين "أطراف" الحزب.
القوة الثانية تتمثل في "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، وقد تشكّل "المجلس" بداية في إيران من كل الأحزاب المعارضة بما فيها "الدعوة" قبل أن تحصل خلافات وتنسحب الأحزاب في مرحلة لاحقة. وإذ يستفيد "المجلس" من صيغة تنظيمية شبه عسكرية ناتجة عن رعايته لجناح عسكري هو "فيلق بدر"، فإنه يستفيد الآن بعد حل "الفيلق" من انتشار كوادره وتوزّعهم في شتى المدن والقرى، بحيث بات "المجلس" ممسكاً بمفاصل مهمة في العراق.
القوة الثالثة تتمثل في "تيار الصدر"، ذلك ان السيد مقتدى الصدر ورث عن أبيه ارثاً كبيراً. وإذا كان "الدعوة" حزباً نخبوياً الى حدّ كبير فإن "تيار الصدر" شعبي، وكان "الدعوة" طرح على زمن السيد محمد الصدر التوحّد بين الجانبين من منطلق ان أصل السيد "دعووي"، لكن السيد محمد فضّل في حينه قبل استشهاده الاّ يحصل التوحّد لاعتبارات "توزيع" الأدوار بينه كإمام "علني" وبين "الدعوة" كتنظيم شبه سري. بيد ان "التيار" واجه انشقاقاً معيناً قبل مدة قاده المجتهد الشيخ محمد اليعقوبي، ومن هذا الانشقاق تفرّع حزب "الفضيلة" الذي استقطب مثقفين، ويحاول "الدعوة" مدّ جسور باتجاه مقتدى الصدر واليعقوبي و"الفضيلة".
السيستاني
هذه القوى الثلاث التي لم تصل العلاقات بينها حتى الآن الى مستوى التنسيق، تتقاطع مع ذلك على رفض المقاومة بالطريقة العسكرية وعلى التوجّه الى الأساليب المدنية. غير ان الأهم في التطوّرات الشيعية الأخيرة في العراق، هو ان الشيعة يتطلعون الى استعادة دورهم بانتخابات ديموقراطية، وهو التوجه الذي عززّه موقف المرجع الشيعي في النجف آية الله علي السيستاني.
فقد أبلغ السيستاني الى الجميع موقفاً حاسماً في نقطتين: الأولى ان المجلس الانتقالي المقبل في حزيران 2004 يجب أن يكون نتاج انتخابات ديموقراطية، والثانية ان الدستور الجديد يجب أن يتضمن تحديداً للهوية الإسلامية للعراق. وإذ شدّد السيستاني بنفسه على ان موقفه لم يرتقِ الى مستوى "الفتوى" و"الحكم الشرعي"، فإنه فتح الباب أمام مفاوضات جديّة بين الأطراف العراقيين من جهة وأميركا من جهة ثانية، مفاوضات لا بدّ أن تُفضي إما الى إقرار الانتخابات الديموقراطية العامة وإما الى تسوية ديموقراطية حقيقية تفتح الطريق امام اعتماد الديموقراطية الشاملة. وبذلك انطلق السيد السيستاني الى تأكيد موقعه كمرجعية والى تأكيد موقعيّة النجف في البحث عن مستقبل العراق، والى تأكيد تكامل النصاب الشيعي.
وبالعودة الى نقطة البداية، تختم المصادر الإسلامية المطلّعة بأن محكّ "المأزق الأميركي" في العراق، سيكون خلال الأشهر المقبلة بالتحديد في ضوء طريقة التعامل السياسي مع الاقتراحات المتعلّقة بالمستقبل السياسي للعراق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.