8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"ممكن" العمل السياسي الداخلي .."تواصل" بحدود؟

يُجاهر العدد الأكبر من السياسيين في مجالسهم الخاصة هذه الأيام بما يسمّونه "أزمة العمل السياسي" في لبنان، ويبدون في أحيان كثيرة كمن يكتشف "البارود" للمرة الأولى.
بيد أن السياسيين الأكثر نضجاً يعترفون بأن السبب المباشر لـ"أزمة العمل السياسي" هذه، هو اعتبار كل عمل سياسي متّصلاً بالاستحقاق الرئاسي العام المقبل، واحتساب كل موقف سياسي على أنه يصبّ في هذه الخانة أو تلك حيال هذا الاستحقاق. وإذا كان هؤلاء السياسيون الناضجون، قد مالوا خلال فترة معيّنة خلال الأشهر المنصرمة باتجاه ليس فقط اعتبار أن لهذا الاستحقاق ما بعده على مستوى مجمل الحياة السياسية اللبنانية، بل باتجاه محاولة "تظهير" ما يراه "الداخل اللبناني" مناسباً كي يكون حاضراً بنسبة معيّنة في حسابات هذا الاستحقاق، فإنهم سرعان ما أعادوا اكتشاف حقيقة أن مقتضيات التضامن مع سوريا في المرحلة التي تتعرض فيها الى ضغوط استثنائية، تفترض منهم ضبّ هذا الموضوع في المدى المنظور، تماماً لأن هذا الأمر أضحى عنواناً لحرب سياسية ضارية تؤذي الوضع اللبناني وتضغط على سوريا التي تركّز اهتمامها على مواجهة التفاعلات الإقليمية للحرب الأميركية على العراق، حيث لا مفرّ من القول إن "الورقة اللبنانية" أساسية بالنسبة الى دمشق.
الطائف
وإذ يعترف السياسيون الناضجون بأن السبب المباشر لـ"أزمة العمل السياسي" في لبنان يعود الى هذا المعطى في وقت لا يريدون إحراج سوريا به، يذهب بعضهم الى أن السبب الأعمق لهذه الأزمة هو تعطّل الآليات السياسية منذ الطائف عكس ما كان مفترضاً أو متوقعاً. وفي رأيهم أن نظرية "التوازن الطائفي" في خلفيّة اتفاق الطائف، جعلت تحقيقه أمراً صراعياً بين الطوائف من جهة وداخل كل الطوائف من جهة ثانية، الأمر الذي عطّل الحياة السياسية الوطنية الى حد كبير، فغابت التحالفات الوطنية بنسبة عالية. ولا مبالغة في القول إن أكثر السياسيين نضجاً يعتبرون أن أزمة العمل السياسي في امتداد أزمة الحياة السياسية، تلقي بثقلها على كل شيء الى درجة أن واحداً من كبارهم اضطر للاعتراف بأن أحداً لا يستطيع شيئاً حيال "الأزمة الاقتصادية" مثلاً، وبأن لا بدائل جوهرية في هذا المجال طالما أن الوضع السياسي معتل أصلاً، فإذا قلت "الهدر" جيّر ذلك ضد فريق وإذا قلت "الفساد" احتسب ضد فريق آخر، وإذا قلت "استقلالية القضاء" اعتبرت الكلمة موجهة ضد مرجعية معينة، وإذا قلت "بيئة" كذلك... الأمر الذي يُطبق على أي محاولة تشكّل سياسي يخرج من "القديم الحزبي" المأزوم والمختل والبلا أفق، نحو التيارات الجديدة المنفتحة على بعضها توصلاً الى إعادة انتاج النخبة السياسية في سياق طبيعي فعلاً.
صفير "والتحالفات الوطنية"
ومع ذلك، برزت في الآونة الأخيرة دعوتان أساسيتان، إحداهما أطلقها البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الى قيام "تحالفات وطنية"، والثانية مر عليها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط سريعاً وتتعلق بقيام "القوة الثالثة"، وإن كانت الدعوتان لا توضعان في مواجهة بعضهما.
معروف أن فكرة "التحالفات الوطنية" التي يطرحها البطريرك، تنطلق من تأكيده الدائم على العلاقات المسيحية ـ الإسلامية في إطار "العيش المشترك"، ومن تشخيصه للعلة التي تزامنت مع الطائف أي غياب الآليات السياسية، ومن رفضه لأي صفقة أو تسوية أو اتفاق من وراء ظهر الشريك المسلم، ومعروف أن البطريرك الذي لا يخفي تفضيله للتكتلات المختلطة ويذّكر بـ"الدستورية" و"الكتلة الوطنية"، يدرك تماماً أن قيام هذه التكتلات المختلطة متعذر في الظرف اللبناني الراهن، فضلاً عن إدراكه أنه يمكن لـ"التحالفات الوطنية" بين كتل من ألوان طائفية مختلفة أن تؤدي الغرض نفسه. ويفترض البطريرك أن الخط السياسي الذي صاغه منذ نحو عام في الشأنين الاقليمي والداخلي، يفتح الأفق لتحالفات وطنية.
ومع ذلك، فإن استجابة هذه الدعوة دونها حواجز رئيسية: من حاجز الظن بها على أنها موجهة ضد أحد، الى حاجز الظن بها بوصفها تواطؤاً، الى حاجز اعتبارها مشروع تكيف اقليمي معين. والى ذلك يضاف أن فكرة التحالفات الوطنية تحاول أن تنقل الصراع السياسي الى بر الأمان وتمنحه بوليصة تأمين بجعل هذا الصراع ذاتي الحركة والقواعد، ولكن من الواضح أن ما يقدمه البطريرك من فرصة انقاذ للحياة السياسية، غير قابل للتحقيق في المدى المباشر على الأقل لاعتبارات شتى.
جنبلاط و"الممكن"
في ظل هذا الواقع، طرح الزعيم الاشتراكي ذات مرة فكرة "الخيار الثالث". ومع أنه أوضح أنه لا يقصد التسمية لذاتها وأنه لا يتمسك بها، فلا يخفى أن جنبلاط يعي تماماً "أزمة العمل السياسي" و"أزمة الحياة السياسية" ككل، ويدرك تعقيدات الانتقال الى وضع صحي، ولذلك فهو يسعى الى تحريك الركود السياسي.
للوهلة الأولى توحي تسمية "القوة الثالثة" وكأن ثمة بحثاً عن تكتل يقف على مسافة متساوية من نزاع أهل السلطة، أو كأن ثمة بحثاً عن تشكيل "الوسط" السياسي الذي "يحجز" إمكان انزلاق الوضع السياسي الى توتّرات معيّنة، بيد أن ما يقصده جنبلاط بالتحديد في هذه الفترة هو تحقيق تواصل معيّن مع أطراف معيّنين وفي البيئة المسيحية تحديداً، وتحقيق اتفاقات حول قضايا وعناوين لا تتّسم بـ"الشمول" أي لا تمسّ الصعيد السياسي الكلّي مباشرة، أي نوع من العمل السياسي "الممكن"، وهو الذي يدرك من تجربته العريقة "الممنوعات" و"الحدود".
غير أن ما يعترض هذا التوجه هو إمكان "تفسير" حتى العناوين المحدودة على أنه محاولة خلق اصطفاف سياسي ضد أحد أو مع أحد، ويعترضه أيضاً إمكان أن يكون "الممكن" بالنسبة الى جنبلاط ليس هو نفسه بالنسبة الى آخرين.
وفي الحالتين: "التحالفات الوطنية" و"العمل السياسي الممكن"، واللتين تطرحان إمّا في سياق محاولة إخراج الحياة السياسية من مأزقها أو في سياق محاولة منع دخول الحياة السياسية في فراغ مخيف، فإن "الأزمة" شديدة الوضوح، ليبقى من "الممكن" مبدأ "التواصل" في حد ذاته، ومواقف مشتركة في قضايا معيّنة ولو جزئية.. فهكذا تبدو الحال السياسية الآن.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00