شكّلت مشاركة السيدة ستريدا جعجع على رأس وفد كبير من "القوات اللبنانية" في تشييع المرجع الروحي للدروز الشيخ أبو حسن عارف حلاوي، الإطلالة السياسية الأولى لها منذ السابع من أيلول الماضي عندما تحدّثت في احتفال "قواتي" آنذاك. وفي إطلالتها السياسية "الشوفية" التي كانت موضع ترحيب سياسي من زعيم الجبل وليد جنبلاط، لم تحضر جعجع بوصفها مسؤولة عن تيار منضو في "لقاء قرنة شهوان" على الرغم من الالتقاء في إطار الخط الذي تحمله "القرنة"، بل حضرت بالصفة "القواتية" الصافية من جهة وبوفد "قواتي" معظمه من منطقة الجبل من جهة ثانية.
ومما لا شك فيه أن الحضور على هذا النحو إنما ينطوي على دلالات سياسية أبرزها اثنتان. الأولى هي أن "القوات" التي أدركت المعنى السياسي الذي أراده وليد جنبلاط لمناسبة تشييع الشيخ حلاوي بما هو استكمال نصاب المصالحة التاريخية التي أرساها مع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير صيف العام 2001، شاءت بمشاركتها في التشييع الانضمام الى هذه المصالحة. ذلك أن "القوات" التي كانت طرفاً في "حرب الجبل" في مرحلة من مراحلها، بقيت بعد سنوات طويلة من انتهاء الحرب من دون "فرصة" حقيقية لمصالحة "خصمها" التاريخي في تلك المنطقة ولـ"تسوية" العلاقة معه.. فكانت وفاة حلاوي مناسبة لخطوة بادلها الزعيم الاشتراكي بإيجابية تمثّلت في الاتصال الذي أجراه بالسيدة جعجع وهي في طريقها الى الباروك لتخييرها حول ما إذا كانت ترغب في الانطلاق معه من المختارة نحو الباروك، الأمر الذي حالت دونه أسباب عملية بالنسبة الى جعجع.
أما الدلالة السياسية الثانية فهي أن "القوات" التي تمثّل الفريق المسيحي الأكثر تنظيماً وحضوراً في مناطق من الشوف، على ما يقول محايدون، إنما تُقيم على تماس سياسي مع الفريق الرئيسي أي وليد جنبلاط و"الحزب التقدمي الاشتراكي". ومن منطلق أنها قوة ناخبة "مهمة"، لا مجال للشك في أن للقوات طموحاً الى ترجمة حضورها "الانتخابي" في الجبل وفي غيره من المناطق الى علاقات تفكّ "الحَجر" عنها خارج المدار المسيحي، باتجاه البيئة الإسلامية.
ستريدا ـ سمير
وفي هذا المجال، وقبل الخوض في الآفاق المحتملة لهذا التوجه "القواتي" الذي لا تتردّد ستريدا في نسبته الى زوجها قائد "القوات" سمير جعجع، من المفيد استعراض ما تقوله "القائدة الموقتة" لـ"القوات" في مجالسها الخاصة.
فهي تؤكد أن "القوات" تقف الى جانب "خط البطريرك" وما أعلنه بالنسبة الى الأوضاع الإقليمية سواء في فلسطين أو في العراق، وتؤيد "رفضه عدم المراهنة على الخارج". وتشدّد على أن مرجعية الخط السياسي "القواتي" هي "الطائف الذي اختلّت معادلاته بإدخال سمير الى السجن".
وإذ تركّز على الانتماء الى "الخط البطريركي"، تبدي ستريدا جعجع ارتياحها الى "اتساع دائرة اللبنانيين ممن باتوا أكثر استعداداً لمقاربة إشكالية وجود سمير جعجع في السجن"، وتقول إنه نقل إليها "ارتياح سوري الى مهرجان 7 أيلول الماضي لجهة اعتدال الكلمة التي ألقيتها بتوجيه من سمير ولجهة حضارية التنظيم".
بيد أن ستريدا التي بدت في فترة من الفترات مطمئنة الى دنوّ الإفراج عن زوجها، وأشاعت تفاؤلاً في هذا الخصوص، الى درجة بدا في وقت من الأوقات وقبل أن تتّضح "الحقيقة" وكأن ثمة "وعداً سلطوياً" لها بذلك أو كأنها تضبط حركتها السياسية على إيقاع هذا "الوعد"، تسارع الى القول أنها "متفائلة لكن لا معطيات عملية في اليد"، مشيرة الى "اننا في مواعيد الاستحقاقات نوعَد"، لافتة الى "الاستحقاقات على أنواعها حتى في الانتخابات النيابية إذ يحاول كثيرون شراء دعمنا بوعد تأييد مطالبتنا بالإفراج عن الحكيم". وإذ تؤكد السيدة جعجع أن ما يُحكى عن تحسين وضع "الحكيم" في السجن "لم يتجاوز حدود السماح بإدخال مجلّتي الإيكونوميست والتايمز إليه في وقت لا يزال محروماً من التلفزة والصحف السياسية المحلية وغيرها، إضافة الى السماح لي بالحديث معه أكثر مع ابتعاد نسبيّ للرقيب"، تطلق عنواناً سياسياً لافتاً :"القوات في انتخابات العام 2005 لن تكون هي نفسها في الانتخابات السابقة وستشكّل قوة تجبر الجميع على التعاطي معها"، وتشدّد على أن "سمير جعجع هو عنوان القوات"، رافضة الحديث عن "بعض الرفاق" من الذين داروا دورات عدة، مكتفية بالقول "الله لا يجرّب أحداً وسامح الله من غرّد في أسراب متفرّقة".
محاولة كسر الطوق
إذاً، وبالعودة الى الآفاق المحتملة للتوجه "القواتي" والذي في إطاره أتت المشاركة في التشييع في الباروك، من الواضح ان "القوات" وفي الوقت الذي تجهد لتوكيد انتمائها الى "الخطّ البطريركي" بما يصنّفها في خانة المسيحيين القابلين لأن يكونوا حواريين، إنما تسعى الى كسر طوق "العزلة الإسلامية" من حولها، ذلك أنه إذا كان صحيحاً أن الانفتاح الإسلامي حتى على البطريرك نفسه لا يزال محدوداً، فالصحيح أيضاً أن "الانغلاق الإسلامي" أكبر تجاه "القوات"، علماً بأن وضع "القوات" بالنسبة الى مواقع سياسية مسيحية أيضاً لا يزال إشكالياً موروثاً.
وليس خافياً أن ما تريده "القوات" هو تشكّل حالة سياسية مختلطة تدعو الى الإفراج عن سمير جعجع من ناحية وتعيد الاعتبار الى دورها السياسي من ناحية أخرى، وإذا كان ذلك ما تريده "القوات" منذ فترة بعيدة، فإنها على الأرجح تعتبر أن الظرف الراهن أكثر نضجاً في ظلّ سعي أطراف عدة الى طلب "الودّ المسيحي" وفي ظل "الحاجة" الى علاقات بالمسيحيين.
جنبلاط
وعلى الأرجح أيضاً أن "القوات" تعتبر انّ المدخل الى ذلك هو وليد جنبلاط، إنطلاقاً من أن تحقيق المصالحة معه يقطع مع مرحلة الحرب السابقة. ومن ناحيتها قالت ستريدا كلاماً بالغ الإيجابية حيال اتصال جنبلاط بها على الرغم من كون ما قاله لها بروتوكولياً الى حد كبير، وهي تأمل في أن يتطوّر الاتصال. ومَنْ أُتيح له أن يلتقي رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" بعدَ "ثالث" الشيخ حلاوي، استطاع أن "يكتشف" أمرين: أوّلهما أن جنبلاط وبعد الحشد السياسي حوله بين المختارة والباروك الأسبوع الماضي، مهتم بالتأسيس على هذا الاحتشاد لنوع من التواصل والحوار كي لا تمرّ المناسبة بلا نتائج وفي الوقت نفسه ألاّ تحصل "انتكاسة".. وثاني الأمرين أن جنبلاط الذي يؤكد أن "التيار العوني لا يعطي المجال لأحد للتواصل معه"، يرى في مشاركة ستريدا جعجع في تشييع حلاوي مبادرة إيجابية، وفي الأمرين، يبدو جنبلاط مهتماً بالوضع المسيحي ككلّ وبـ"معالجة" إشكالية العلاقة بـ"القوات".. وهو في صدد التفكير.
و"المعنى" هنا أن ثمة مؤشرات لا تزال بحاجة الى وقت لتنتج "معطيات" ثابتة، وان "الانفراجات" تستحق مراقبة تطوّراتها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.