كان المشهد السياسيّ بين المختارة والباروك استثنائياً أول من امس، وشكل حدثاً "تبارى" الوسط السياسيّ في قراءة دلالاته والأبعاد من المهمّ الى الأكثر أهميّة. وفي هذا المجال سجّلت الملاحظات الآتية:
أولاً ـ استطاع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ان يحوّل مأتم أحد المراجع الروحيين للدروز الشيخ ابو حسن عارف حلاوي، الى مناسبة سياسيّة كبيرة، بدا من خلالها الزعيم المطلق للدروز، وهذا ما تجلى بالاحتشاد الدرزي الواسع بعشرات الآلاف استجابة لدعوة جنبلاط، كما بدا من خلالها الزعيم اللبناني "المحوري"، حيث لا يزال وليد جنبلاط الشخصية السياسية التي تستطيع ان تجمع من حولها الألوان السياسيّة كافة، وان كانت المناسبة تميزت بشكل خاص بالمشاركة المسيحية اللافتة التي غاب عنها "التيار العوني" فقط، فلا هو دُعيَ ولا هو بادر إلى الحضور.
ثانياً ـ وبما انّ المناسبة تأتي زمنياً بعد اختبار شعبي مثلته الى حدّ كبير الانتخابات الفرعيّة في دائرة بعبدا ـ عاليه حيث حصل ما يشبه التصويت الاحتجاجي على جنبلاط والحزب درزياً اولاً، وحيث ظهر لأسباب شتى انّ مسيحيي الجبل بعيدون عن جنبلاط تعبيراً عن "أزمة ثقة" معينة.. فانّ مأتم الشيخ حلاوي الذي أشرف عليه جنبلاط سياسيّاً وتنظيمياً، كان أكثر من تعويض ـ بحشوده ـ عن الانتخابات الاخيرة، بل كان بمثابة "ردّ اعتبار" سريع لم تفصله عن حدث الانتخابات سوى شهور ثلاثة، "ردّ اعتبار" ظهر بواسطته انّ لجنبلاط اليد الطولى درزياً من جهة وانّ قليلاً من المرونة والانفتاح حيال المسيحيين كفيل بالتمهيد لاستعادة مناخ من الايجابية من جهة ثانية.
"النصاب السياسي" و "انقلاب 7 آب 2001"
ثالثاً ـ وبالمقارنة مع حدث شعبي آخر في مطلع آب من العام 2001، عندما رعى جنبلاط والبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير المصالحة التاريخية في الجبل وفي دارته في المختارة تحديداً، يمكن القول بلا ترددّ انّ "النصاب السياسي" في مأتم الشيخ حلاوي كان مكتملاً أكثر مما كانت عليه حال هذا النصاب في الحدث السابق. ففي آب 2001 حضرت وجوه مسيحية الى جانب البطريرك، لكنّ "قرنة شهوان" كإطار لم تكن حاضرة، و"القوات اللبنانية" لم تحضر آنذاك، والرئيس أمين الجميل كذلك، في حين حضر هؤلاء جميعاً أول من أمس. أمّا "المفارقة" في 2001، فهي أنّ "المصالحة التاريخية" في الجبل سبقت بأيام قليلة القطيعة التي نشأت بين جنبلاط و"القرنة" والتي استمرت الى ما قبل يومين فقط حتى في "الشكليات"، وهي قطيعة ساهم انقلاب السابع من آب من ذلك العام في حصولها قبل أن تحصل أحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة فتقدم "مخرجاً تفسيرياً" لجنبلاط بشأنها، في ضوء قراءتين متعارضتين بينه وبين "القرنة" بخصوصها وكيفية مواجهة تداعياتها.
وبكلام آخر، ان الحديث عن نصاب سياسي مكتمل في مأتم الشيخ حلاوي بين المختارة والباروك، يقود الى اعتبار انّ ما حصل أول من أمس بمثابة "ملحق" بمصالحة 2001، لا بل هو "ردّ اعتبار" لمصالحة 2001، واعادة للأمور الى ما قبل 7 آب 2001، أي "محو" لواحد من تداعيات انقلاب فريق الحكم على المصالحة التي شاء هذا الفريق قراءتها بوصفها تواصلاً بين أطراف لبنانيين يهدّد وجوده (الفريق).
رابعاً ـ وإذ أعاد حدث أول من أمس إبراز وليد جنبلاط كزعيم لبناني "محوري"، ومثّل "ردّ اعتبار" مدوياً بعد انتخابات عاليه الفرعية في أيلول الماضي، "وردّ اعتبار" مجلجلاً للمصالحة التاريخية في الجبل ومحواً لبعض أساسي من نتائج انقلاب 7 آب 2001، فان الحدث في قراءة الوسط السياسي له، ويفترض أنه يشكل حاجزاً أمام "7 آب" آخر قيل في الوسط السياسي مراراً في الآونة الأخيرة انّ فريق الحكم يريده أو يسعى اليه، قطعاً لأي تواصل بين فرقاء نافذين وممثلين لبيئاتهم، ولا أدلّ على ذلك من التحريض الطائفيّ الذي يمارسه فريق الحكم بأركانه الرئيسيين ضدّ الرئيس رفيق الحريري مثلاً في اطار محاولة فاشلة لاستنفار عصبيات طائفية تعطّل التواصل اللبنانيّ ـ اللبنانيّ.
دور جنبلاط في التواصل الداخلي
خامساً ـ وعلى خلفيّة كلّ ما تقدّم، من الواضح انّ الزعيم اللبناني "المحوري" وليد جنبلاط معنيّ بالتفاعل مع الكلام المتكرّر للبطريرك صفير في الفترة الماضية، عن العلاقات بين الطوائف والمذاهب، وعن أنّ لبنان لكل طوائفه، وعن التحالفات الوطنية. وبمعنى آخر، فان جنبلاط الذي نجح في اختبار أول من أمس، معنيّ بتأكيد كل المعاني والأبعاد السياسية المشار اليها، ومعنيّ بأن يشكل جسراً لتواصل الجميع، تماماً لأنه إذ يفتح الطريق، لا يمكنه حصر المهمة به، فاذا كان فريق الحكم مضطراً لأن "يبلع" حدث أوّل من أمس، فانّ جنبلاط معنيّ بالضرورة بتوسيع دائرة التواصل المتعدّد الطرف.
"الرواق" الجنبلاطي المنتظر
سادساً ـ ويتوقّع الوسط السياسي من جنبلاط بعد النجاح السياسيّ المتحقق قبل يومين، ان "يروق"، اولاً لانّ تحقيق انجاز ليس امراً متيسراً كل يوم وثانياً لانّ تحقيق جملة اهداف دفعة واحدة تعيد للموقع الجنبلاطي بريقه الأصلي، ليس شأناً يجوز التفريط به عبر مواقف آنية او عالية الوتيرة، وثالثاً لانّ الاجتماع السياسيّ اللبنانيّ "أعطى" جنبلاط مرة أخرى بعداً كبيراً. وأن "يروق" جنبلاط، فذلك يعني من وجهة نظر الوسط السياسيّ الاّ يعود الزعيم الاشتراكي "متوتراً" في خطابه السياسي او في علاقاته السياسيّة، وأن يصوغ خطابه انطلاقاً من موقع جامع، وأن يصوغ تحالفاته السياسية من المنطلق نفسه، فلا يستثني من علاقاته مواقع رئيسيّة.
يستطيع جنبلاط بعد حدث أول من أمس ان يقول في الداخل وفي الخارج "أنا هنا" و"أنا لاعب أساسيّ"، وأن يخاطب الجميع على خلفيّة المشهد على خطّ المختارة ـ الباروك، وأن يتصرّف كما هو نسيج وحده، لكنه قبل هذا وذاك يستطيع ان يلعب دور "الضمانة" خاصة في سنة حبلى بالأحداث.. والاستحقاقات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.