أمّا وقد "هدأت" نسبياً في فترة الأعياد، "عاصفة" ما بعد القمة اللبنانية ـ السورية، ما قيل عنها وما كتب، فقد بدا لمصادر نيابية مطلعة أن الظرف مناسب لكلام هادئ يعيد الأمور الى نصابها الحقيقي، بما يساعد على استشراف المرحلة المقبلة.
في هذا المجال، تعرب المصادر النيابية عن اعتقادها أن ما نُسب الى دمشق من أنها خطت خطوة رئيسية حاسمة باتجاه خيار التمديد في الاستحقاق الرئاسي اللبناني المقبل، ليس "دقيقاً"، وذلك لاعتبارات عدة. الأول هو أن المسافة التي لا تزال تفصل عن موعد هذا الاستحقاق، طويلة، الأمر الذي يؤدي الى استبقاء ما سبق للقيادة السورية أن دعت إليه، أي اخراج الاستحقاق من دائرة التجاذبات الى حين يصبح تداوله طبيعياً. والاعتبار الثاني هو أن "ورقة الاستحقاق" والتي تمسك بها سوريا، انما هي ورقة سياسية لا تفرّط بها، تماماً لأنها واحد من المداخل في علاقات سوريا لبنانياً ودولياً، وهي حريصة تالياً على الاحتفاظ بـ"صلاحية هذه "الورقة" وعلى عدم نفاد تاريخ الصلاحية قبل وقته. أما الاعتبار الثالث فهو محصلة للاعتبارين السابقين، أي أن سوريا ليست في وارد قول كلمتها في الاستحقاق الرئاسي منذ الآن لتكون كمن يغلق على نفسه مبكراً أبواب شتّى الخيارات التي لكل منها ظروفه.
وتؤكد المصادر النيابية التي سبق لها أن اكتسبت معرفة بـ"السياسة" و"الأداء" السوريين أنه لا يمكن أن تكون دمشق حسمت خيار التمديد وإن كانت لم تحسم ضدّه بطبيعة الحال. أما البيان الذي أصدرته "مصادر متابعة من دمشق"، فهو من وجهة نظر المصادر نفسها، لا يعدو كونه إعلان ثقة برئيس الجمهورية وموقعه ودوره، ولا يحتمل أي إضافة أخرى، أي أنه لا يمكن أخذه على محمل الإيحاء بأي شيء، منظوراً إليه من ضمن السياسة السورية. وفي تقديرها ان المناخ الذي ساد البلاد خلال الأيام الماضية، أبرز رغبة لدى غالبية لبنانية في عدم بقاء الحال على ما هي عليه، وان هذه "الرغبة" بمثابة معطى سياسي ذي أهمية.
وفي السياق نفسه، تشدد المصادر النيابية المطلعة على أن "التغيير الحكومي" وعلى الرغم من كل ما قيل وذكر، لن يكون داهماً وذلك لاعتبارين رئيسيين، أولهما يتعلق بمحطة الموازنة في المجلس النيابي، وهي محطة يلزمها شهران على الأقل، أي أن التغيير الذي لا يمكن أن يحصل قبل الموازنة أمامه شهران في حد أدنى، وثاني الاعتبارين هو أنه اذا كان التغيير الحكومي مطروحاً بأفق الاستحقاق الرئاسي، واذا كان التداول في هذا الاستحقاق لن يبدأ الا قبل فترة قريبة من موعده، فمعنى ذلك أن مسألة التغيير الحكومي مؤجلة الى بضعة أشهر في أقل تقدير. والى ذلك كله تضيف ان تغييراً حكومياً يكون سبباً في مزيد من التأزم السياسي لن يكون مرغوباً على مستوى البلاد، علماً بأن الرئيس رفيق الحريري أكد أن "التغيير الحكومي" أو عدمه "آخر هم" لديه.
صفير
على ذمة المصادر النيابية المطلعة، من المفترض اذاً أن يهدأ الجميع قليلاً. لكن ماذا عن زيارة رئيس الجمهورية اميل لحود للبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير يوم الجمعة الماضي؟.
أوساط مقربة من البطريرك تجيب عن هذا السؤال، باستعراض عدد من المواقف الرئيسية لسيد بكركي في هذا المجال.
أولاً ـ تذكّر الأوساط هنا بأن البطريرك يكرر منذ فترة مقولتين متلازمتين: الأولى ان الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة، والثانية ان المطلوب من الجميع الخروج من "شرنقة" بيئاتهم الى رحاب التحالفات الوطنية. والمعنى المباشر لذلك كما تقول الأوساط نفسها، ان البطريرك ليس في وارد القبول بـ"صفقة" على حساب المقولتين الآنفتين، أي "صفقة" من وراء ظهر الشركاء الآخرين في الوطن وعلى حسابهم، لأن كل صفقة ثنائية تنطوي على "خطر" استعداء "الآخر".
ثانياً ـ وفي الإطار نفسه، تلفت الأوساط المقربة من صفير الى أن البطريرك الذي حدد "رزمة" مواقفه اقليمياً وداخلياً، انما كان هاجسه الأساسي حماية المسيحيين من التطورات وتداعياتها، ولذلك فانه شديد التحسس من أن يقود الأداء في لبنان الى وضع المسيحيين على تماس مع طوائف مأزومة ومستنفرة، لأن في ذلك إضراراً ليس فقط بالمواقف المبدئية التي التزمتها بكركي بل بالوفاق الوطني ككل أساساً، من مدخل الصراع على السلطة.
ثالثاً ـ وتعتبر الأوساط ان محاولة استدراج البطريرك الى "جزئيات" حتى بمستوى معالجة بعض المطالب المسيحية المزمنة، يتناقض مع ما يدعو اليه رأس الكنيسة المارونية من إعادة نظر بالعلاقات اللبنانية ـ السورية ومن استعادة للسياق الطبيعي لإنتاج السلطة في لبنان، وهي دعوة يرى البطريرك والأوساط المقرّبة منه أن الظرف الراهن إقليمياً ودولياً ومحلياً يستدعي النظر فيها. ومن هذا المنطلق بالتحديد، كان إعطاء البطريرك الأولوية لهذه المسألة، ورفضه تعديل الدستور حتى من زاوية عناوين مقنعة، معلناً أن تعديل الدستور يلي تطبيقه الكامل، كما تقول الأوساط التي تضيف أن صفير لا يرتاح الى بحث الاستحقاق الرئاسي أو التغيير الحكومي والى بتّهما خارج لبنان كما لا يرتاح الى أن تُبحث معه أمور ما دون القضايا الرئيسية، مع إدراكه أن القضايا الرئيسية لا تبتّ ضد سوريا أو بمعزل عنها.
من هنا، ترى الأوساط المقرّبة من البطريرك أنه وبغضّ النظر عن "العروض" التي حملها رئيس الجمهورية اليه، ومع احترامه لسعي سوريا الى الوقوف على رأيه، لا يجد بديلاً من تعزيز التفاهم الوطني الداخلي الذي لا يكون إلاّ عبر من هم أكثر تمثيلاً لبيئاتهم، ومن تطوير التفاهم مع سوريا في وقت نأى البطريرك بالمسيحيين بمعظم تياراتهم عن أن يكونوا جزءاً من الضغوط على سوريا. وتختم بالتشديد على أن البطريرك ملتزم على حد سواء بما أعلنه خلال جولته الأوروبية وأثناء المجمع الماروني قبل أسابيع، ولن يكون راضياً عن محاولة "تجيير" المسيحيين في أي من الصراعات الدائرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.