بعد الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عالية ونتائجها التي أدرك رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أنها تحمل اليه رسائل عدة، عمد هذا الزعيم اللبناني الى "حركة تصحيحية" في اتجاهات شتى استدراكاً لنتائج الانتخابات من ناحية وتموضعاً سياسياً جديداً من ناحية ثانية.
وفي إطار هذه "الحركة التصحيحية"، اهتم جنبلاط بالبيت الدرزي ـ الاشتراكي أولاً، واستأنف علاقته برئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ثانياً بعد أن مرّت هذه العلاقة بانقطاع فترة من الزمن فعادت لقاءات يوم الأحد كمظهر رئيسي من مظاهر العلاقة المتجدّدة، كما سعى الى معالجة "أزمة الثقة" بينه وبين البيئة المسيحية بالارتكاز الى علاقة استمرت قائمة ولو بتقطع بينه وبين البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الذي أكد استعداده لحماية الموقع الجنبلاطي... ثالثاً.
في هذه الفترة، كان في وسع المتتبّع لجنبلاط أن يلاحظ أن الزعيم الاشتراكي وعلى الرغم من حرصه "النظري" على أن يكون على مسافة من الصراع الدائر على السلطة وحرصه على أن يغلب وجهه المعارض على وجهه المشارك في السلطة، كان في الواقع (أي جنبلاط) على مسافة أبعد من رئيس الجمهورية اميل لحود، لا سيما أن جنبلاط لم يكن قد نسي أداء فريق رئيس الجمهورية خلال الانتخابات الفرعية، وهو الأداء الذي أصابه بأذى سياسي.
المعادلة الجنبلاطية السابقة: المواجهةقومياًوالانفتاح داخلياً
وفي هذه الفترة، حمل خطاب جنبلاط مجموعة من العناوين والإشارات. فإذا كان واضحاً أن "الشقّ الوطني والقومي" من هذا الخطاب كان محسوماً لجهة التضامن مع سوريا ورفض الضغوط والتهديدات الأميركية والإسرائيلية المسلّطة عليها والدعوة الى مواجهة لبنانية ـ سورية لهذه الضغوط والتهديدات، فقد كان واضحاً أيضاً أن جنبلاط وتحت شعار "تحسين شروط المواجهة"، أطلق عناوين إصلاحية، فركّز دعوته الى "تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية"، والى مكافحة الفساد وأشّر أكثر من مرة على ملفات حساسة، ودعا الى أداء قضائي مختلف... "وتفهّم" ظروف الرئيس الحريري بما في ذلك الظروف الضاغطة على المعالجات المالية والاقتصادية، مثلما تفهّم ظروف إنتاج الموازنة.. وفي موازاة ذلك، لم يغب عن جنبلاط هم الانفتاح على المسيحيين وهو الذي خاطب عبر بعض العناوين والشعارات، التيار البطريركي المعتدل.
وفي ذروة هذه الفترة، زار رئيس "التقدمي" الرئيس لحود قبل نحو ثلاثة أسابيع، وممّا رشح عن هذا اللقاء أن جنبلاط سأل لحود عن "سرّ" تركيزه ضدّ الحريري، وأنه أبدى تشكّكه من "العنوان الإصلاحي" الذي يطرحه فريق لحود مع غياب الشروط "الموضوعية" للإصلاح، وأنه أبدى ملاحظاته على أعضاء الفريق مستثنياً شخصية غير مدنية يميل دائماً الى اعتبارها "عقلانية ومتعقّلة". وبالخلاصة إن جنبلاط لم يخرج من هذا اللقاء متفائلاً.
جنبلاط وأجواء 1982
يوم الاثنين الماضي زار الزعيم الاشتراكي دمشق والتقى عدداً من كبار المسؤولين السوريين وعاد الى بيروت في اليوم التالي. وقد حرص جنبلاط بعد عودته على تقديم "تشخيصه" للوضع، الذي لا يختلف كثيراً عن تقديره السابق على هذه الزيارة، أي أنّ ثمة سياسة أميركية عدوانية تجاه سوريا لا مفرّ من مواجهتها.
بيد أن ما أضافه جنبلاط هو أن المرحلة تشبه الى حدّ كبير مرحلة العام 1982، أي مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في ذلك العام، موحياً بذلك أنه يتوقع عدواناً على سوريا، وعلى لبنان أيضاً. وفي هذا "المناخ" من توقع العدوان، إذ يؤكد أنه لم يتطرّق كثيراً الى الوضع الداخلي في محادثاته في العاصمة السورية، يقول جنبلاط إنه كما فعل في العام 1982 حين ذهب الى دمشق والتقى الرئيس الراحل حافظ الأسد ليبلغه أنه بتصرّف المواجهة مع إسرائيل والمعادلة التي فرضت على لبنان وحول سوريا آنذاك، فإنه اليوم أيضاً في تصرّف المواجهة مع السياسة الأميركية ـ الإسرائيلية.
.. الاستحقاق الرئاسي
والعلاقات الداخلية
وفي ظل هذا "العنوان العريض" أي المواجهة، ولدى انتقاله الى الوضع الداخلي، يبدي الزعيم اللبناني اقتناعه بأن سوريا لن تقول كلمتها منذ الآن بشأن الاستحقاق الرئاسي اللبناني، مستدركاً بأن خيار التمديد أو التجديد للرئيس لحود لم يسقط في دمشق لا بل لا يزال قائماً، وأن "التغيير الحكومي" غير داهم وقد يكون سبباً لمزيد من المشكلات السياسية. لكن جنبلاط يسارع الى القول إنه هو نفسه لن يحدّد موقفه من الاستحقاق الرئاسي إلا في وقته مشدّداً على أنه في موقفه في حينه لن يكون بعيداً عن خيار سوريا في هذا الاستحقاق.
بيد أن ما يلفت المستمع الى جنبلاط العائد من دمشق، أن الاهتمامات التي كان يبديها في السياسة الداخلية تراجعت. همّ العلاقة بالمسيحيين تراجع، ويقدّر جنبلاط أن خطاب المواجهة لا يستقطب المسيحيين.. وهمّ العلاقة بالحريري تراجع وإن كان يحرص على تأكيد أن ما يربطه بالحريري فليس حلفاً، كما لا تغيب الانتقادات للرئيس نبيه برّي. وحده "حزب الله" يحظى بلفتات جنبلاطية مميّزة هذه الأيام.
اختلفت القراءات حول دلالات موقف الزعيم الاشتراكي في نتائجه الداخلية. ولأن "المجالس بالأمانات" ليس من الطبيعي كشف هذه القراءات. غير أن معظم الآراء لم يعتبر أن ثمة انقلاباً جنبلاطياً، بل قال عديدون إن هذا هو وليد جنبلاط خصوصاً عندما تكون سوريا في دائرة الخطر، وأصلاً هو لم يبدّل قناعاته بين ذهابه الى دمشق وإيابه منها، بأن المنطقة مقبلة على مزيد من العدوانية الأميركية والإسرائيلية، مع العلم أنه يُسجّل لجنبلاط أنه القائل إن مأزق أميركا في العراق ليس بالضرورة أن ينتج انكفاء أميركياً بل على الأرجح أن ينتج توسيعاً للحرب.
مواجهة...وفرز؟
عند هذا الحدّ، يتوقف الكلام عن جنبلاط ومواقفه ودلالاتها. وفي مجال تقدير الموقف، يُبدي الوسط السياسي اعتقاده أن اعتبار الظروف الراهنة المحيطة بسوريا ولبنان شبيهة الى حدّ كبير بمرحلة العام 1982، لا مبالغة فيه وهو حقيقي. غير أن التأسيس على هذا الاعتبار الحقيقي لا يقود من وجهة نظر الوسط السياسي الى اختزال الساحة السياسية بفريق الحكم وتطويبه ضمانة وحيدة للوضع اللبناني، مع كل ما يعنيه ذلك من "فرز" بدلاً من "التوحيد"، ومن مجازفة بسائر العلاقات اللبنانية ومنها على سبيل المثال البطريركية المارونية التي واكبت التطوّرات الإقليمية منذ الشتاء الماضي وحتى اليوم بمواقف عالية المسؤولية. كما لا يقود التأسيس على الاعتبار السالف الى "تعقيد" الوضع الداخلي بدلاً من ترييحه لتحصينه، الأمر الذي يتعارض مع الحرتقات فيما لا يحتمل الوضع اللبناني إلا صياغة وفاقية حقيقية للعلاقات اللبنانية ـ اللبنانية تحمي لبنان في مرحلة مواجهة الأخطار، وتحقّق تضامنه الأكيد مع سوريا، كما يقول الوسط السياسي ختاماً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.