كان قرار الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله "التمديد" لمفاوضات تبادل الأسرى بين الحزب وإسرائيل عبر الوساطة الألمانيّة، موضع استحسان وترحيب في الوسط السياسيّ اللبنانيّ، وذلك في ضوء اعتبارات عدّة.
أوّلاً ـ يعكس قرار السيّد نصرالله إدراكاً عميقاً لمدى حساسيّة موضوع الأسرى سواء بالنسبة الى عائلاتهم أو بالنسبة الى جمهور المقاومة، حيث من الواضح انّ لهذا الموضوع السياسي بامتياز بعداً انسانياً لا يمكن القفز فوقه. ومهما تكن صحّة الموقف السياسي، وعلى الرغم من حسن الأداء تجاه العائلات، فإنه من الصعب إقناع الناس بانه لم يكن ممكناً إلا وقف المفاوضات عند الحدّ الذي بلغته وفي هذا التوقيت بالتحديد قبل محاولة اقناعهم بأنّ كلّ الوسائل استنفدت فعلاً. ذلك انّه وبصرف النظر عمّا يقال عن وحدة عائلات الأسرى خلف موقف "حزب الله"، سيبقى شعور معيّن لديها بأن "اللقمة وصلت الى الفم وسحبت".
ثانياً ـ ويعكس قرار نصرالله تمييزاً دقيقاً لديه بين رفض الشروط الإسرائيلية على صفقة التبادل، سواء تعلّق الأمر باستثناء إسرائيل الأسير اللبناني سمير القنطار منها أو تعلّق بجوانب اخرى كأسماء الأسرى الفلسطينيين أو السوريين أو مصير الأسرى الأردنيين، وبين إعلان فشل الصفقة. فرفض الشروط الإسرائيلية لا يؤدي مباشرة الى وقف المفاوضات، بينما إعلان الفشل يقطع المفاوضات ويفرض الانتقال الى "شيء" آخر. والحال انّ السيد نصرالله الذي يملك قرار رفض الشروط، يملك القرار الآخر وتوقيته في اللحظة المؤاتية، وليس محشوراً في أن يلجأ اليه فوراً.
عدم إعلان فشل المفاوضات يحفظ الخيارات الأخرى
ثالثاً ـ ويعكس قرار الأمين العام لـ"حزب الله" فهماً عالياً لكون الانتقال مباشرة من إعلان رفض الشروط الإسرائيلية الى إعلان فشل المفاوضات، يعني الانتقال مباشرة ايضاً الى الخيارات التي سبق لنصرالله أن لوّح بها ومن بينها خطف مزيد من الجنود الإسرائيليين. وبهذا المعنى فإن "التمديد" للمفاوضات ولو الى حين، يتيح لـ"حزب الله" الاحتفاظ بهذه الخيارات، من غير وضعها بسرعة أمام تحدٍ وامتحان، لان التلويح بخيارات معيّنة يكون في لحظة معيّنة أقوى من تنفيذها المعرّض دائماً لاحتمالات، وإن كان أحد لا يشكّ بانّ الحزب درس واستطلع وحدّد ما يتّصل بتنفيذ الخيارات الملوّح بها.
رابعاً ـ على انّ أهم ما يعكسه قرار نصرالله من وجهة نظر الوسط السياسي، هو القراءة الدقيقة لديه للمعطيات التفاوضيّة، وفي مقدّم هذه المعطيات رغبة الوساطة الألمانية في النجاح أي في تحقيق إنجاز على هذا الصعيد، وواقع الانقسام الإسرائيلي حول الصفقة وحول عناوين أخرى تتخطّى هذه المسألة نحو مسائل أخرى أبرزها الموضوع الفلسطيني. وبكلام آخر فإنّ قرار "التمديد" للمفاوضات يريح الوسيط (الحليف) الألماني ويضعه في مواجهة الشروط الإسرائيلية، ويشكّل إحراجاً لإسرائيل في الوقت نفسه.
من وجهة نظر الوسط السياسي إذاً، فإن "التمديد" للمفاوضات قرار سياسي حكيم لكل الاعتبارات الآنفة، وهو بالتأكيد في صالح "حزب الله"، سواء أمكن للوسيط الألماني أن "يبتدع" حلولاً لإنجاز الصفقة أو لم ينجح في الابتداع.
قراءتان للتطوّر في فلسطين
بيدَ أنّ ما يناقشه الوسط السياسي اللبناني يذهب الى مكان آخر، يتعلق بالظروف الموضوعيّة المحيطة بالعمل المقاوم، في ظلّ تطوّرين لافتين متزامنين. الأوّل يتمثّل بالاتجاه نحو التهدئة أو الهدنة على الصعيد الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والثاني يتجسّد في التقارير الإعلاميّة الميدانيّة عن مواقع إسرائيليّة جديدة تفصل مزارع شبعا عن الجولان السوري، في ما قُرأ على انه إشارة الى إمكان انسحاب إسرائيلي من المزارع.
ثمّة قراءتان متناقضتان لهذين التطوّرين بتزامنهما. الأولى تعتبر انّ إعادة الأولويّة إسرائيلياً وأميركياً للمسألة الفلسطينيّة، في ظلّ ما تشهده من مفاوضات على الهدنة بوساطة مصريّة، للانطلاق من ذلك الى استئناف مفاوضات سياسيّة معيّنة، انّما تشكّل إشارة تشدّد باتجاه سوريا بمعنى نزع "الورقة الفلسطينيّة" من يدها من جهة واللعب على "أولوية المسارات" من جديد من جهة ثانية. وإذا كان ممّا لا شكّ فيه انّ انخراط الفصائل الفلسطينية في بحث الهدنة يخضع لحسابات فلسطينيّة بحتة ولتقدير معيّن للظرف الوطني الفلسطيني، فإنّ القراءة الأولى ترى هذا التطوّر من زاوية الضغوط المضافة على سوريا، ولا يشذّ عن ذلك احتمال الانسحاب من مزارع شبعا. وفي كلا التطوّرين من وجهة النظر هذه، تعقيد لشروط العمل المقاوم في جنوب لبنان.
أمّا القراءة الثانية، فينطلق أصحابها من المعطيات نفسها لكن مع إضافة انّ "الوساطة المصرية" لا تقتصر على هدف تحقيق هدنة فلسطينيّة ـ إسرائيليّة تمهّد لاستئناف مفاوضات سياسيّة ما، بل تتعدّاها نحو هدف نزع الصواعق بين إسرائيل وسوريا. وفي هذه الحالة، يستنتج أصحاب هذه القراءة انّ ثمّة توازياً بين تهدئتين، فيكون الانسحاب من المزارع في هذا الإطار، على أن تقوم سوريا بما هو "مطلوب" منها لقاء رفع التهديدات عنها... وفي ذلك ايضاً تعقيد لشروط العمل المقاوم في جنوب لبنان.
مصير الصفقة؟
وفي ما يتعلّق بصفقة تبادل الأسرى في هذا الإطار، يصبح مصيرها ايجابياً فيما لو جرى إدراجها في سياق "إقفال الملفّ اللبناني" كما تراه أميركا وإسرائيل، أو فيما لو جرى إدراجها في سياق "نزع الذرائع" من سوريّا و"حزب الله"، وقد يكون مصيرها سلبيّاً في حال مزيد من التشدّد الضاغط على سوريّا بما في ذلك عبر "عزلها" عن المسألة الفلسطينية.
وكما يقول الوسط السياسي اللبناني، من الصعب "تحتيم" نتائج معيّنة، مع معرفة مسبقة بأنّ "حزب الله" رفض ويرفض إخضاع "التبادل" لإلتزامات في مجالات أخرى، ومع معرفة بأنّ التلويح بالانسحاب من مزارع شبعا لا يعني حتميّة حصوله، ومع معرفة بأنّ سوريا تصارع ضدّ الاشتراطات الأميركية. لكنّ من الواضح في الوقت نفسه انّ "التمديد" لمفاوضات تبادل الأسرى يحصل سياسياً في لحظة تطوّر معيّن على الصعيد الفلسطيني ـ الإسرائيلي قد يتكرّس (التطوّر) وقد لا يتكرّس، لكنّه عامل مؤثّر في المباشر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.