قد يكون حديث التغيير الحكوميّ طوي بالفعل، وقد يكون حرّك في الأصل في لتسليط ضغط معيّن في اتجاه معيّن وقد يتجدّد خلال الفترة المقبلة بالصلة مع الاستحقاق الرئاسيّ في العام المقبل. غير انّ هذا الحديث استدعى نقاشاً في الوسط السياسيّ من زوايا أربع رئيسية.
أولاً ـ ينطلق حديث التغيير الحكومي عادة من انّ ثمّة أزمة في العلاقة بين رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، ومن انّ التغيير الحكومي بما هو تغيير رئيس الحكومة بالدرجة الأولى، هو الحلّ "الناجع" لهذه "الأزمة الرئاسيّة". والحال، بحسب الوسط السياسي انّ "الأزمة" التي تعيش البلاد فصولها، ناجمة عن رفض إحدى الرئاستين الاحتكام الى الدستور والى الصلاحيّات التي ينص عليها، وفي مقدّم أحكام الدستور ان رئيس الجمهورية ليس شريكاً في السلطة التنفيذيّة، وانّ للسلطة التنفيذية رأساً واحداً، وانّ رئيس مجلس الوزراء بموجب التعديلات الدستورية التي تضمنّتها وثيقة الوفاق الوطني في الطائف لم يعد رئيسَ حكومة رئيسِ الجمهورية. وعليه، فإنّ القول بوجود أزمة علاقة بين الرئيسين، هو برأي الوسط السياسي انسياق الى تعريف أحد الرئيسين للأزمة في أحد وجوهها، بينما هي في الأساس أزمة إخلال بأحكام الدستور، أي بأحكام الطائف.
ليِّ التوازن السياسي
ثانياً ـ وإذا ما وضع البعد الدستوري المشار اليه جانباً لبعض الوقت وتمّ الانطلاق من الهدف السياسي المنشود من التغيير الحكومي الذي يطرحه فريق من الفرقاء موسمّياً، أي هدف ضبط الوضع الحكومي على إيقاع الاستحقاق الرئاسي المقبل، فمن الواضح للوسط السياسي المناقش انّ التغيير الحكومي يستهدف إقصاء رئيس مجلس الوزراء الحالي عن رئاسة الحكومة وتركيب "توازن" الحكومة الجديدة على نحو يجعلها طيّعة بين يدي فريق بعينه من الفرقاء، سواء لجهة التزامها "شعارات" هذا الفريق في السنة الأخيرة قبل الاستحقاق الرئاسي، أو لجهة استعدادها للسير في تعديل الدستور بأفق الاستحقاق، أو للقول بانتهاء التجاذب الرئاسي.
وفي اعتقاد الوسط السياسي انّ أول نتيجة لتوخّي هذا الفريق تغيير الحكومة لهذه الاستهدافات، هي مجيء حكومة تشذّ عن المبدأ الأساس، أي الوفاق الوطني الذي يتناقض مع استبعاد القوى ذات التمثيل الشعبيّ ـ السياسيّ.
استبعاد قوى ذات تمثيل
ثالثاً ـ وما ذكر في الفقرة السابقة كخلاصة "نظريّة" تؤكده الوقائع السياسية. فـ"التغيير الحكوميّ" الذي يرغب فيه فريق بعينه، يستبعد سلفاً رئيس مجلس الوزراء الحالي وتمثيله السياسي لأن "فكرته" الرئيسيّة تقوم على التخلّص من هذا الموقع. لكنّه ("التغيير الحكومي") يستبعد تمثيل "مسيحيي بكركي" والرموز الأساسيين من "مسيحيي النظام" على حدّ سواء. وهو يستبعد تمثيل "مسيحيي بكركي" في امتداد موقف هذا الفريق من المعارضة، علماً انّ بكركي والمعارضة اللتين ترفضان تعديل الدستور لـ"غايات شخصيّة" ترفضان في الوقت نفسه تغييراً حكوميّاً من هذا القبيل، وقد دعت المعارضة أكثر من مرة خلال الشهور الماضية الى "حكومة انتقاليّة" تضمّ الأكثر تمثيلاً في بيئاتهم لقيادة المرحلة باتجاه الاستحقاقات كافة. امّا استبعاد الفريق نفسه لرموز من "مسيحيي النظام"، فيعود الى محاولته إخلاء الساحة من منافسين، وقد تجلّى انزعاجه من هذه الرموز في أكثر من مناسبة.
وإذا كان من نتائج ما يصبو هذا الفريق اليه، أن يُستبعد طرفان رئيسيّان إسلاميّاً ومسيحيّاً، فمن نتائجه ايضاً، أن يحجّم تمثيل موقع رئيس المجلس النيابيّ وكتلته في وقت لا يستطيع الإتيان بالتمثيل الشيعيّ الآخر الذي يجسّده "حزب الله". كما انّ من الاحتمالات أن يجد رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في "التغيير الحكومي" فرصة للخروج من الحكم، وهو الذي كانت له ملاحظات نقديّة على مشاركته في الحكومات خلال السنوات العشر الأخيرة، وصلت الى وصف هذه المشاركة بـ"الجريمة".
من هنا، يُعرب الوسط السياسي عن اعتقاده انّ تغييراً حكومياً على هذه المقدّمات، سيكون محطة في تصعيد "الأزمة السياسيّة". ويرى الوسط السياسي انّ في وسع الفريق المعروف أن يأتي بحكومة تضمّ من كلّ الطوائف، لكنّه لن يكون في وسعه إلاّ الإتيان بأشخاص يشكو تمثيلهم لبيئاتهم من خلل فادح، على صورة بعض شخصيات "الجبهة الوطنيّة" أو "اللقاء السداسي"... وهذا ما يضع البلاد على مفترق "دقيق" جداً.
إحراج سوريّا
رابعاً ـ وفي ضوء كل ما تقدّم ذكره، يعتبر الوسط السياسي بتلاوينه المتعدّدة انّ تطلّب الفريق المعنيّ بتغيير حكوميّ، حصول هذا الأمر من سوريا من جهة أولى، ودفعها الى التدخّل على نحو مباشر من جهة ثانية، وحثّها على حسم موقفها في وقت مبكّر من الاستحقاق الرئاسي من جهة ثالثة، وتشكيل حكومة تستبعد فرقاء أساسيين من جهة رابعة... ان ذلك كلّه في رأي الوسط السياسي يشكّل إحراجاً لسوريا، لا بل هو أداء ضدّ المصلحة اللبنانيّة ـ السوريّة المشتركة.
ذلك انّه في وقت تبلغ الضغوط والتهديدات الأميركية (والإسرائيلية) لسوريّا ذروتها، لا يخفى انّ نقل الوضع اللبنانيّ الى مرحلة متقدمة من التأزّم، لا يخدم مشروع مواجهة هذه الضغوط ويؤخر كل جهد باتجاه تعزيز الوفاق اللبنانيّ.
جنبلاط
اذاً، قد يكون حديث "التغيير الحكومي" طويَ لبضعة أسابيع، لكنه قد يتكرر أيضاً في مناخ طغيان "همّ الاستحقاق الرئاسي" لدى الفريق السالف ذكره. ولأنّه "سوف" يتكرّر برأي الوسط السياسي، فانّ هذا الوسط يشدّد عبر ما تقدّم على خطورة الدفع من هذا المدخل، باتجاه تأزّم محموم. وفي هذا السياق، لا يتردّد الوسط السياسيّ في الدعوة الى ملاحظة أداء الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط من زاويتين رئيسيّتين. الأولى انّ جنبلاط إذ يدعو الى وحدة المواجهة اللبنانيّة ـ السورية للضغوط والتهديدات الأميركيّة ـ الاسرائيليّة، فانه يدعو في الوقت نفسه الى سلسلة من "الاصلاحات" الداخلية بما يعزّز انضمام لبنان الى "المواجهة". والثانية انّ جنبلاط الذي يأخذ لنفسه حقّ تأجيل قول كلمته في الاستحقاق الرئاسي، ليس في واقع الأمر على مسافة "متساوية" من فرقاء الصراع، بل من الدقّة القول انّ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي بدأ رحلة الدخول الى "ملعب الاستحقاق" محاولاً استجماع أوراقه التي تأتي في طليعتها ورقة علاقاته المفتوحة باتجاه معظم المواقع اللبنانيّة المؤثّرة، ممّا يؤهّله لدور "محوري"، اضافة الى "الذكاء الجنبلاطي" الذي يعرف متى "يبيع" وماذا "يبيع" وكيف.
ومن هنا، يختم الوسط السياسيّ المتعدّد بالتأكيد على انّ التحسّس بما يدور حول لبنان، يفترض تلاقي المواقع الرئيسيّة على إحباط كلّ ما من شأنه تصعيد التأزّم السياسي الذي لا يخدم هدف تعزيز الوفاق الوطنيّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.