كيف يبدو المشهد السياسي اللبناني أو بالأحرى كيف تمضي مكوّنات الوضع السياسي وقتها وبماذا تفكّر؟
هذا السؤال الذي يحضر في كل جلسة نقاش أو حوار، أفضى الى رسم صورة تقريبية للواقع القائم، وضمن هذه الصورة، الآتي:
من الواضح، كما يقول المتناقشون، انّ البطريرك المارونيّ نصرالله بطرس صفير هو الأكثر تحرّراً من القيود السياسية من بين سائر المواقع في لبنان، بمعنى انّه يقول رأيه بـ"حرية" كاملة كرّسها للبطريركيّة واعترف بها الآخرون. وفي إطار هذه "الحرية"، يقول البطريرك انّه لم يكن ولن يكون مع أميركا ضدّ سوريا وانه لن يسمح بطعن سوريا من خاصرتها اللبنانية. لكنه وفي نسقٍ يعتبره منطقياً، يرى انّ ذلك لا يعني قبوله أو استعداده للقبول ببقاء "الإدارة السورية" للوضع اللبناني على ما هي عليه، ولذا فإنّه يكرّر مطالبته بتمكين اللبنانيين من إدارة شؤونهم بأنفسهم، على أن يتمّ التوصل الى هذه النتيجة بتفاهم مع سوريا. ويرى البطريرك انّ التضامن مع سوريا رفضاً للضغوط المتصاعدة عليها ودعوتها الى المساهمة في نقل الوضع اللبناني الى مرحلة جديدة، لا بدّ أن ينتجا تفاهماً لبنانياً ـ سورياً بشأن دور لبنان في المرحلة الإقليمية الراهنة وبشأن ما يمكنه احتماله من موجبات علاقته بالتطوّرات الإقليمية، ولا بدّ أن يفسحا في المجال أمام "تحرير" العلاقات اللبنانيّة ـ اللبنانيّة توصّلاً الى تفاهم بين اللبنانيين.
وفي هذا السياق، يبدي المقرّبون من صفير حرصاً على عدم الخوض في سجالات علنيّة حول "الكلام عن كون لبنان جزءاً من "المواجهة" في المنطقة، وإن كانوا يتحفظون عنه، وذلك عملاً بـ"كلمة سرّ" بتجنّب أي صراع مع "حزب الله" وبالحرص عليه في وقت لا يخفى انّه مستهدف.
وبخلاصة مقتضبة، يمكن القول انّ البطريرك الأكثر "تحرّراً" و"حرية"، لا يبدو بحسب المقرّبين متفائلاً بأن تشهد الفترة المباشرة تغييراً، وإن كان يلحّ على أمرين: التواصل مع المسلمين أولاً واعتبار استحقاق العام المقبل محطة في التغيير ثانياً وهذا ما يفسّر موقفه من تعديل الدستور وانتقاداته لتطبيق الطائف وحملته على العدالة المسيّسة.
جنبلاط
في مكان آخر، يقف رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي يجمع الوسط السياسي على انّه من بين سائر المواقع، الأكثر جرأة. وفي جرأته هذه، ذهب جنبلاط الى صوغ معادلة من شقّين: التضامن مع سوريا في "المواجهة" أي في مواجهة الضغوط عليها واحتمالاتها من جهة، والدعوة الى تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية بما يتيح للبنانيين إدارة شأنهم الداخلي من جهة ثانية، لا بل اعتبر بشكل أو بآخر أنّ تصحيح العلاقات اللبنانيّة السوريّة لا بدّ أن يكون جزءاً من "حركة تصحيحية" جديدة في سوريا نفسها. وأكثر من ذلك، شنّ هجوماً غير مسبوق على تداخل الفساد بين لبنان وسوريا، ودعا الى رفع الغطاء عن المفسدين في لبنان المرتبطين بسوريا، ورفضَ العدالة المسيّسة ايضاً.
وممّا لا شك فيه انّ جنبلاط في الشق الأول من معادلته يلتقي مع "حزب الله" ويغطيه، بينما يفتح في الشق الثاني أفقاً مع البطريرك والمسيحيين. وإذا كان يبدو للوهلة الأولى انّ هذه المعادلة تضع الزعيم الاشتراكي في موقع فريد، فهي في المقابل تضعه في مواجهة مهمة شاقة بين الجانبين. غير انّ الأساسي في هذه المعادلة، التي إذا ما أضيفت اليها انتقاداته للسلطة وتركيبتها، ودعوته الى تجديد بناء موقع معارض لا يستغلّ في صراعات السلطة كالأحزاب والنقابات راهناً، هو انّ جنبلاط يرسم مساحة "استقلاله السياسي" على صعيد موقعه العام.
وتشير وقائع من حوار جنبلاط مع الرئيس اميل لحود خلال لقائهما الأخير قبل أسبوعين، وهو الحوار الذي لم يشأ أن يتطرّق اليه إلاّ للقول انّه أبلغ لحود "اننا لا نستطيع أن نكمل هيك"، الى انّ رئيس "اللقاء الديموقراطي" ومن غير أن يقول ذلك مباشرة يتطلّع الى تغيير وإصلاح قد تكون ثمّة فرص له اعتباراً من العام المقبل.
"حزب الله"
في هذه الأثناء، يتصرّف "حزب الله" على انّه قوة في مشروع مواجهة عام متحلّق حول سوريا، منطلقاً من اعتبار انّ "المعركة واحدة"، وانّ "الصراع شامل"، وانّه هو "ينطلق من الجغرافيا اللبنانية، لكنّ صراعه لا يقتصر على أهداف لبنانية". وتظهيراً لذلك، كانت العملية الأخيرة للمقاومة التي استهدفت موقع العباسيّة الإسرائيلي داخل الجولان السوري المحتل، أي ان الحزب "ضرب" خارج نطاق مزارع شبعا.
وكان الحزب لا يزال قبيل إقرار "قانون محاسبة سوريا" في مجلس الشيوخ الأميركي، يميل الى اعتبار انّ الضغوط تهدف الى "الترهيب" لاستدراج تنازلات سوريّة، أكثر من كونها مرشّحة لـ"الترجمة" العملية، وذلك في إطار تحليل يرتكز بالدرجة الأولى على قراءة لـ"المأزق الأميركي في العراق" والذي لا بدّ أن يتعمّق في حال الهروب الأميركي الى الأمام باتجاه سوريا. لكن "حزب الله" مع ذلك لا يستبعد بالمطلق احتمال عدوان إسرائيلي "على أن تفهم إسرائيل انّها تستطيع أن تبدأ بعدوان لكنّها لا تعرف كيف تنتهي منه". وثقة الحزب بـ"أوراق القوة" كبيرة جداً، ويكتفي مصدر مسؤول في الحزب منها بذكر انّ "المقاومة باتت في وضع يسمح بأن تصيب إسرائيل أبعد وأكثر". وعندما يُسأل: هل يعني ذلك انّ لديها تسليحاً متقدّماً؟ يجيب مع ابتسامة موحية: وهل نسيتم أن مساحة الجنوب المحرّر تسمح باستهداف إسرائيل عن قرب أكثر ممّا كان قبل التحرير؟
وفيما من الواضح تماماً انّ أولوية "حزب الله" لا تتغيّر، من الواضح ايضاً انّ ذلك لا يدفع علاقته بالمسيحيين وبقسم آخر من اللبنانيين الى "إشكالية" متقدّمة فقط، انما يجعل مقاربته لموضوع التغيير الداخلي "ضعيفة". صحيح انّ الحزب يطرح عناوين معيّنة (الفساد، تصحيح مسيرة الأحزاب...)، لكن الصحيح ايضاً ان "ديناميته" السياسية عندما تنطلق، تصبّ في مصلحة فريق في السلطة ضد فريق آخر.
برّي والحريري
وبالانتقال الى أبعاد أخرى من "الصورة"، من الضروري التوقّف عند الرئيسين نبيه برّي ورفيق الحريري. فبالنسبة الى الأوّل، يمكن القول من دون تردّد، انّه يتابع ويراقب و"يلطي"، ذلك انّه وعلى الرغم من "حصّته" في السلطة والإدارة والتي يلبّي من خلالها مصالح جمهوره حفظاً لـ"نفوذه"، فإنه لا يستطيع ولو لم يقل ذلك بنفسه، أن ينسى "الإحباط" المتعمّد لمبادرته باتجاه بكركي في العام 2000 والتي لو لم تُحبط لكانت وفّرت الكثير من الإشكالات، أو أن ينسى "ضربة" قانون أصول المحاكمات الجزائية في العام 2001، أو أن ينسى شغل الأجهزة في بعض "الأمكنة" ضدّه، عدا عن التسريبات المتكاثرة ضدّه. والحال انّه إذا كانت مبادرته تجاه بكركي لا تزال موضع تنويه كما في البيان الأخير لـ"قرنة شهوان"، فإن الرئيس برّي الذي يختار لكلامه توقيتاً مناسباً، يعرف متى "يلقي القبض على فاطمة" كما كانت حاله عندما فضح "ملفات". امّا الرئيس الحريري، فمشكلته واضحة تماماً: الانتهاك الصارخ للدستور ضدّ صلاحياته وصلاحيات مجلس الوزراء، وتعطيل كلّ مبادراته لمعالجة الأزمات، الاقتصاديّة والماليّة منها بشكل خاص، للانتقال الى تحميله مسؤوليّة هذه الأزمات. لكنه وهو القائل انّه "أيوّب"، مقتنع بأنّ الأمور لا يمكن أن تستمرّ على هذه الحال حيث تستباح "الدنيا" على النحو المعروف.
فريق..
في "صورة" المشهد السياسي إذاً انّ التواصل بين المواقع اللبنانية الرئيسية شبه مقطوع، وانّ لكلّ رؤيته وحساباته، وذلك ما يفيد عن وضع سياسي لا يمكن أن يستمرّ على هذا المنوال.
لكن وكي تكتمل "الصورة"، لا مفرّ من الحديث عن فريق سيعرف الجميع من المقصود حتى من دون تسمية. فهذا الفريق "محروقة" أعصابه، ومع انّه يكرّر أن لا غايات له، فمن الواضح انّ له أغراضاً يستعجل حسمها قبل أوان استحقاقها. والمظلة السياسية التي يلجأ اليها تتمثّل في الكلام عن الحرب الآتية لا محالة على المنطقة والتي تستهدف سوريا ولبنان، وإذ يخيّل للوهلة الأولى انّ هذا التقدير ناجم عن معلومات أو عن تحسّس بـ"دقة المرحلة"، يكشف أحد منظّري هذا الفريق انّ "توتّر الأوضاع الإقليمية والحرب يعزّزان فرص الفريق نفسه"، وهكذا بداعي "دقّة المرحلة"، يرى انّ الأمور يجب أن تحسم، لأنّ الضمانة الوطنيّة والقوميّة عنده.
ولا مانع عند هذا الفريق من أجل زيادة حظوظه من أن يلجأ الى "التخطيط". وفي هذا المجال يكثر الفريق في الآونة الأخيرة الحديث عن "6 أيار" جديدة قبل نهاية العام الجاري، تطيح الحكومة للإتيان بأخرى... وإذا تعذّر إتيانها بـ"ما يناسب" فلا مانع من "خطوات استثنائية". ويكثر الفريق الحديث ايضاً عن تفكيك المعارضة وتشتيتها... علماً بأنّ الفريق بسياساته جعل البلد معارضاً كلّه، ولا بأس من التلويح بـ"ذكريات ذات يوم 7 من شهر صيفيّ". ولإفهام بعض المعارضين فلا ضير من "رسائل مشفّرة" في مكان ما، يمكن توظيفها خارجياً لإبراز دور لبنان في مكافحة "الإرهاب الإعلاميّ". بيدَ انّ ثمّة نقطة يتغافل الفريق عنها، ذلك انّ من بين من اشتغلوا لمصلحة الفريق سابقاً يشتغلون لمصلحة غيره اليوم، وبعض آخر أساسي لم يتردّد في رفض التعاطي مع "الصغائر" في كلام توجيهي له قبل أيّام.
"الناس بالناس والقطّة بالنفاس"؟. ليس هذا تماماً، لأن الناس متنبّهون للقطّة... "والنفاس" لن يطول!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.