تفيدُ معلومات موثوقة ومتداولة في الوسط السياسي المسيحي انّ مفاجأتين "حلّتا" بفريق الحكم، الأولى من مجرّد حصول اجتماع لـ"لقاء قرنة شهوان" بعد أن كان "التعميم" الذي وزّعه هذا الفريق يستبعد قدرة "القرنة" على الاجتماع، و"هي التي لم تستطع التوصل الى موقف مشترك من الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه، فكيف يمكن أن تتفق على مواقف تتصل بالاستحقاق الرئاسي في المحصّلة العامة؟"، والمفاجأة الثانية من البيان الذي أصدره "اللقاء" بالإجماع و"هبط" على فريق الحكم كالصاعقة، لمّا تضمّنه من "مضبطة اتهام" شاملة للسلطة وفريق الحكم ضمنها بالفشل والعجز.
أمّا لماذا كان إجماع في "القرنة" على البيان الأخير، فوجئ فريق الحكم أم لم يفاجأ، فذلك ما يعزوه أركان بارزون فيها الى ثلاثة اعتبارات رئيسية:
أولاً ـ كان للمواقف التي أطلقها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير خلال جولته الأوروبية، والتي شملت العناوين كافة، أبلغ الأثر لجهة تكوين "مناخ" مواقف "لقاء القرنة"، ولجهة تشكيل "لحمتها" السياسية، فجدّد البطريرك بذلك مظلته فوق "القرنة"، وجدّدت هي وحدتها "تحت" هذه المظلّة.
ثانياً ـ في فترة سابقة، وُجد في "القرنة" متشدّدون ومتساهلون حيال كيفية التعاطي مع السلطة، غير انّ ما يصفه أركان "اللقاء" بـ"سقوط السلطة" أدّى الى زوال المسافات والتباينات، ذلك انّ "المتشدّد" لم يعد بحاجة الى هذا "التشدّد" لإبراز فشل السلطة، و"المتساهل" لم يعد يرى فائدة من تساهله، وبهذا المعنى، بات هناك توافق ضمني ضدّ السلطة بسبب السلطة نفسها.
ثالثاً ـ ثمّة إقتناع عام في "القرنة" بأن البلاد داخلة لا محالة في مرحلة "التغيير"، وتبعاً لذلك، فإنّ الأولوية باتت لدى المعارضة المسيحية لـ"التواصل" مع المسلمين وقياداتهم، وهو "التواصل" الذي تمّ ويتمّ من دون السلطة أو بواسطتها، وهي السلطة التي كان همّها تدمير إمكانات "التواصل"، كما يقول أحد أركان "القرنة".
"القرنة" ـ "التيار"
ويشير القياديون البارزون في "اللقاء" بعد ذلك الى انه بالإضافة الى الاعتبارات الثلاثة الآنفة التي "تفسّر" صدور البيان الأخير بالإجماع واستعادة "القرنة" للون من ألوان التوحّد في الموقف السياسي العام، فإن ثمّة شعوراً عاماً بالارتياح تولّد عن هذا الإجماع في البيئة المسيحية، وهو ارتياح عزّزه كون "القرنة" لم تسقط رهان فريق الحكم على تفكّكها فقط، بل هي أكدت للرأي العام المسيحي أن لا "تقاتل" داخلها، كما أكدت انّها الى كل ذلك، "مهجوسة" بعدم الإنجرار الى صراع مع التيّار المعارض الآخر بقيادة العماد ميشال عون.
ويلفت الأركان الى انّ النقطة الأخيرة المتعلقة برفض التصادم مع "التيار العوني"، حُسمت سياسياً في البداية من قبل البطريرك صفير نفسه، حيث حدّد من بداية جولته الخارجية في باريس، انّ الخلاف مع عون هو في "الأسلوب"، آخذاً بذلك مسافة واضحة من "قانون محاسبة سوريا"، لكنه في الوقت نفسه، عارض تعريض "الجنرال" لملاحقة قضائية، وهذه "المعادلة" التي صاغها صفير، جرى اعتمادها من "القرنة" مجتمعة، ومن أركانها واحداً واحداً. غير انّ عاملاً إضافياً دخل على خط العلاقة بين "القرنة" و"التيار"، تمثّل في اللقاء الذي تمّ في باريس قبل بضعة أيام بين عون وعضو "لقاء القرنة" النائب فارس سعيد. وفي هذا الاجتماع الذي وصفه سعيد بانه "صريح جداً"، دعا نائب جبيل ـ كسروان العماد عون الى الاتفاق على مسألة رئيسية بعيداً عن الاختلاف حول "قانون محاسبة سوريا"، وهي ضرورة التشديد على أهمية الوحدة الداخلية، أي الجانب المتعلّق بالتسوية المتمثلة بالتعديلات الدستورية التي أُقرت في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.. وقد وافق عون على هذا الأمر، لاسيما انّه قال كلاماً مشابهاً في مقابلة له على قناة "العربية" قبل لقائه بسعيد بأيام قليلة.
وبكلام أشدّ وضوحاً، يرى القياديون في "القرنة" انّ إعلانها عجز السلطة وفشلها، استُتبع بتوجه الى ضبط العلاقة بين تياري المعارضة، مع التأكيد على أولوية "التواصل" مع المسلمين، بعدما تخلصت "القرنة" من "الاصطفافات" داخلها في الأفق المنظور.
تركيز على مساهمة سوريا
في "التغيير"
ومن هنا، يعرب المتحدثون عن ارتياحهم الى علاقات تقوم بين أعضاء في "القرنة" وقيادات إسلامية. وتشرح انّ الموقف النقدي من سوريا في البيان الأخير، مردّه الى ما تصفه بـ"استبقاء الجمود" في الوضع اللبناني. وتؤكد انّ ما قصدت "القرنة" اليه هو محاولة "تحريك الجمود السوري" حيال الواقع السياسي اللبناني، ذلك انّ سوريا تملك المساهمة في عملية التغيير في البلد كما يقولون، مضيفين انّ أهمية مساهمة سوريا في نقل لبنان الى مرحلة "التغيير"، تكمن في كون هذه المساهمة ضمانة كي لا يكون هذا "التغيير" بعيداً من سوريا والعلاقة اللبنانية ـ السورية والمصالح المشتركة. وينفون بشكل قاطع أن يكون وراء دعوة سوريا الى المساهمة في التغيير، تطلّع الى شيءآخر. وإذ يشيرون الى أن لا حوار قائماً بين دمشق والمعارضة المسيحية، وأن لا حوار سوريّاً مباشراً مع بكركي، يؤكدون ان "المشكلة" لا تتعلق بـ"طبيعة" القناة أو حلقة الوصل بين دمشق وبكركي أو بـ"مستواها"، بل هي تتصل بمضمون الحوار، أي بما ينتظره البطريرك والمعارضة من مساهمةٍ سورية في "التغيير اللبناني".
"التوطين"!
ويسخر المتحدثون مما يسمونها "انتقادات هامشية" للبيان الأخير لـ"القرنة" تحت عنوان انّه خلا من موقف "حازم" ضد التوطين. وإذ يؤكدون عدم صحة هذا الادعاء، وهو نتاج "سوء نية" أو "سوء قراءة"، يعربون عن قناعتهم بأن "التقويص" على هذه النقطة يستهدف اصابة نقاط اخرى، تماماً تلك التي تهاجم السلطة وفريقها الأساسي، وتطلب مساهمة سورية في "التغيير" اللبناني. وفي تقديرهم انّ موضوع التوطين على درجة كبيرة من الخطورة بطبيعة الحال، وانّ ثمّة توافقاً وطنياً عاماً على رفضه، بيدَ انّ بعض من يتناولون هذا الموضوع، يرغبون في استخدامه سياسياً أمّا باتجاه تكرار رفض إرسال الجيش الى الجنوب، وامّا للقول انّ مواجهة خطر التوطين لا تتم بالقوى المحلية فقط، كما يقول الأركان في "القرنة".
..تقاطع مع جنبلاط
وإذ يبدي القياديون انفسهم اعتقادهم انّ فريق السلطة لن ينجح في إعادة التوتير الداخلي لمنع "التواصل" مع المسلمين، يختمون بالتشديد على ان ما طرحوه يتقاطع بنسبة أو بأخرى مع خطاب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، المتضمّن جديداً لافتاً من وجهة نظرهم، عندما دعا الى "رفع الغطاء عن المفسدين الذين يحاولون الاحتماء بسوريا وبالموضوع الوطني والقومي"، وذهب الى دعوة سوريا الى "حركة تصحيحية جديدة"، ويؤكدون انّهم سيتفاعلون مع كلّ المواقف، ولن يفرضوا رأيهم على أحد، وسيسعون الى علاقات تتّسم بالمرونة مع الأفرقاء المعنيين بالمرحلة المقبلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.